زيارةٌ إلى (أَبي العَلاء) في مَحبَسِهِ الأَخير

يحيى الحمادي

58 بيت

حفظ كصورة
  1. 1
    آتٍ إِليكَ بِحُلَّةٍ بَيضَاءِ◆حَيَّ المَوَاجِعِ.. مَيِّتَ الأَعضَاءِ
  2. 2
    آتٍ إِليكَ وكُلُّ ما في جعبَتي◆قَلَقٌ يُطِلُّ بِدَهشَةٍ خَرساءِ
  3. 3
    آتٍ إِليكَ.. ولَستُ أَعلَمُ ما الذي◆سَأَقُولُ حِين أُفِيقُ مِن إِغمائي
  4. 4
    آتٍ إِليكَ.. ولَستُ أَعلَمُ مَن أَنا..◆فَأَنا الضَّريرُ هنا. وأَنتَ الرَّائي
  5. 5
    لا عِلمَ لِي.. إِلَّا بِرَعشَةِ غَيمةٍ◆نَضَحَت بِآخِرِ ما بِها مِن ماءِ
  6. 6
    زَعمًا أَتَيتُ بِكُلِّ شَيءٍ.. إِنَّما◆لا شَيءَ مِن كُلِّي ومِن أَشيائي
  7. 7
    إِن شِئتَ فَاكتُبنِي مِن الغُرَباءِ، أَو◆إِن شِئتَ فَاكتُبنِي مَع الغُرَباءِ
  8. 8
    كُلُّ الكَلَامِ الآنَ يُولَدُ مَيِّتًا◆مَوتَ السَّرابِ بِخَاطِرِ الصَّحراءِ
  9. 9
    كُلُّ الأَماكِنِ والجِهاتِ تَحَوَّلَت◆شَبَحًا يُسَاقُ بِآلَةٍ حَدباءِ
  10. 10
    كُلُّ الأَحِبَّةِ والصِّحَابِ تَدَافَعُوا◆نَحوِي.. بِلا حُجَجٍ، ولا إِبطاءِ
  11. 11
    حَمَلُوا غِلافَ الرُّوحِ بَعدَ خُلُوِّهِ◆مِنها، وبَعدَ تَسَاقُطِ الأَعباءِ
  12. 12
    حَمَلُوهُ.. وانطَلَقُوا به، وكَأَنَّهُم◆لم يَسكُبُوهُ بِأَعيُنِ القُرَّاءِ
  13. 13
    ما أَكثَرَ البَاكِينَ حَولِي.. بَعدَما◆بَلَغَ السَّماءَ تَنَهُّدِي وبُكائي!
  14. 14
    مَن سَوفَ يَرجِعُ بي لِأَهجُوَ كُلَّ مَن◆سَيُحاوِلُونَ -وقد رَحَلتُ- رِثائي
  15. 15
    مَن سَوفَ يَرجِعُ بي لِأَغرِزَ رِيشَتِي◆في عَينِ كُلِّ مُنافِقٍ ومُرائي!
  16. 16
    ما أَكذَبَ الدُّنيا، وأَقبَحَها.. وما◆أَقسَى شُعُورَ مُفَارِقٍ مُستاءِ
  17. 17
    شَيخَ المَعَرَّةِ.. ما الذي سَيَقُولُهُ◆آتٍ إِليكَ بِمُهجَةٍ جَرداءِ؟!
  18. 18
    لم تُبقِ في يَدِهِ الحَيَاةُ سِوى فَمٍ◆يَنسَاهُ بين إِجابَةٍ ونِداءِ
  19. 19
    يَدُهُ على يَدِهِ.. وبين فُؤادِهِ◆ويَدَيهِ أَضرِحةٌ بِلا أَسماءِ
  20. 20
    والحَربُ تَبدَأُ يَومَها بِوَدَاعِهِ◆وتَعُودُ بين مَوَاكِبِ الشُّهَداءِ
  21. 21
    حَربٌ تُغَيِّرُ كُلَّ آنٍ شَكلَها◆لا فَرقَ بين الحَربِ والحرباءِ
  22. 22
    ماذا يَقُولُ فَمٌ أَتَاكَ بِكُلِّ ما◆في القَولِ مِن زَحفٍ ومِن إِقواءِ
  23. 23
    ها أَنتَذَا تُصغِي.. وها أَنَذا بِلا◆لُغَةٍ أُغَالِبُ رَهبَةَ الإِصغاءِ
  24. 24
    وأَرَاكَ ذا عَينَينِ واسِعَتَينِ في◆وَجهٍ فَصِيحِ السَّمْتِ والسِّيماءِ
  25. 25
    عَينَينِ مُشرِقَتَينِ.. أَلمَحُ فيهِما◆عَينَيْ (مُحَمَّدَ) لَيلةَ الإِسراءِ
  26. 26
    وعلى الجَبِينِ الرَّحبِ ظِلُّ مَهَابَةٍ◆لَيسَت بِنَاطِقَةٍ ولا بَكماءِ
  27. 27
    وسَنًا يُضِيءُ الوَجنَتَينِ.. كَأَنَّهُ◆دَمعُ (المَسيحِ) بِوَجنَةِ (العَذراءِ)
  28. 28
    ويَكَادُ يُنطِقُنِي الذُّهُولُ، فَأَكتَفِي◆بِالصَّمتِ، بعد الصَّمتِ والإِيماءِ
  29. 29
    شَيخَ المَعَرَّةِ.. لا اعتِزالَ لِشَاعرٍ◆إِنَّ العَذَابَ بِضَاعَةُ الشُّعَراءِ
  30. 30
    هذا زَمَانُ (اللَّا اعتِزال) فَحيثُما◆وَلَّيتَ بُؤسَكَ عُدتَ بِالبُؤَسَاءِ
  31. 31
    حِين اعتَزَلتَ النَّاسَ لم تَكُ حاضِرًا◆عَنهُم، بِكُلِّ وَسَائلِ الأَنباءِ
  32. 32
    لكنني شاهَدتُ ماءَ وُجُوهِهِم◆يَمتَدُّ مِن ظَمَئِي إِلى استِسقائي
  33. 33
    ورَأَيتُ كيف النَّاسُ تَأكُلُ بَعضَها◆وتُحارِبُ الأَعداءَ بِالأَعداءِ
  34. 34
    وتَلُوكُ أَدمِغَةَ النِّساءِ وتَستَبِي الـ◆أَطفالَ بين المَهدِ والحِنَّاءِ
  35. 35
    تَرَكُوا لُحُومَ الضَّأنِ آمِنَةَ الأَذى◆مِن طُولِ ما التَحَمُوا مِن الأَشلاءِ!
  36. 36
    يا مُطلِقَ العَقلِ الأَسِيرِ، وآسِرَ الـ◆ـعَقلِ الطَّلِيقِ.. أَنا مِن الأُسَراءِ
  37. 37
    أَنبَتَّ لِي رِيشًا.. فَجِئتُكَ زاحِفًا◆مِن فَرطِ ما لَبِسَ الطَّريقَ حِذائي
  38. 38
    وقَذَفتُ نَحو البابِ رِيشَكَ قائِلًا:◆ما نَفعُ أَجنِحةٍ بِغَيرِ فَضاءِ!
  39. 39
    و(رِسَالةُ الغُفرانِ) حِرتُ بِذَنبِها◆فَبَعَثتُ لِـ(ابنِ القارِحِ) استِهزائي
  40. 40
    بِيَدَيَّ هاتَينِ احتَشَدتُ مُكَبِّرًا◆وقَلَعتُ آخِرَ نَجمةٍ بِسَمائي
  41. 41
    ولو انَّنِي أَسطِيعُ مَنعَ نِهايَةٍ◆لَمَنعتُ أَمسِي أَن يَكونَ وَرَائي
  42. 42
    أَنا -يا رَهِينَ المَحبَسَينِ- مَحَابِسِي◆شَتَّى.. ووَاحِدةٌ بها أَدوائي
  43. 43
    مُتَوَحِّدُ المَأساةِ إِلَّا أَنني◆مُتَعَدِّدُ الرَّاياتِ والآراءِ
  44. 44
    أَنا مِن بَنِي الغَبراءِ، حيثُ جَهَنَّمُ الـ◆ـكُبرَى، وحيثُ القَتلُ كالإِمضاءِ
  45. 45
    حيثُ اللُّصُوصُ الأَثرياءُ، بِكُلِّ ما◆أُوتُوهُ.. يَتَّجِرُونَ بِالفُقراءِ
  46. 46
    ويُؤَجِّجُونَ الحَربَ بين مَجَاعَةٍ◆وفَمٍ، وبين جَماجمٍ ودِماءِ
  47. 47
    لم يَنتَصِر أَحَدٌ على أَحَدٍ.. فقد◆جاعَ الجَميعُ وفازَ ذُو الأَمعاءِ
  48. 48
    (تَعَبٌ -تَقُولُ- هي الحَياةُ).. لِأَنَّها◆أَدنَى إِلى المَوتَى مِن الأَحياءِ
  49. 49
    لو لم تَكُن هذي الحَيَاةُ دَنِيئةً◆ما كان سَادَتَها بَنُو اللُّقَطاءِ
  50. 50
    أَ(أَبَا العَلاءِ) لقد أَتيتُكَ حامِلًا◆وِزرَ الذين تَنَاسَلُوا واللَّائي
  51. 51
    يَرِثُ الغِنَى الأَبناءُ مِن آبائِهِم◆وأَنا وَرِثتُ الفَقرَ مِن أَبنائي!
  52. 52
    (هذا جَنَاهُ أَبي عَلَيَّ).. جِنَايَةُ الـ◆أَبناءِ بِنتُ جِنايَةِ الآباءِ
  53. 53
    ولِأَنني دَافَعتُ عن يَمَنِيَّتي◆ومَنَعتُ رَبَّ المالِ مِن إِغوائي
  54. 54
    خَرَجَت مُوَلوِلَةً (صَيَادُ) تَقُولُ لِي:◆لا أَنتَ مِن عَدَنِي، ولا صَنعائي
  55. 55
    ما بين مَولِدِ شاعرٍ ووَفاتِهِ◆يَومانِ.. لِلضَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ
  56. 56
    في فَجرِ يَومِ السَّبتِ وَحدِي جِئتُها◆ورَحَلتُ وَحدِي ليلَةَ الثُّلَثاءِ
  57. 57
    آتٍ إِليكَ بِأُمَّةٍ لم يَبقَ مِن◆نارِ الدُّخانِ بِها بَصِيصُ هَبَاءِ
  58. 58
    لكنَّهُ قَدَرُ الكِبَارِ.. تُصِيبُهُ◆ويُصِيبُها.. لِتُطِلَّ كالعَنقاءِ