في ذكرى الكواكبي

محمود غنيم

77 بيت

العصر:
العصر الحديث
حفظ كصورة
  1. 1
    حرَّكْتِ في النفس، يا شهباءُ، أشجانًا◆يا وَكْرَ أحْمَدَ، يا غيلَ ابنِ حَمْدَانا!
  2. 2
    ساءلتُ نفسي: أحقًّا هذه حلبٌ؟◆ورُحتُ أَلْثَمُهَا أرضًا وجُدرانا
  3. 3
    يا بلدةً كدَّتِ التاريخَ سيرتُها◆وقرَّحت من رُواة الشعر أجفانا
  4. 4
    وأخلَقَتْ جدَّةَ الأيام قلعتُها◆ولم تمَسَّ لها الأيامُ صَفْوانا
  5. 5
    كم عنكِ من خبر أصغى الزمانُ له◆وأَرهَفَ الفَلَكُ الدَّوَّارُ آذانا
  6. 6
    حَسِبتُ تُرْبَكِ من مسكٍ، وغاليةٍ◆وخلتُ حصباءَهُ درًّا، ومَرجانا
  7. 7
    هذا أديمٌ على مِرآتِه انعكسَتْ◆مناظرُ المجدِ تحكي الطَّيفَ ألوانا
  8. 8
    في كلِّ زاويةٍ من أرضه خبرٌ◆عن بنتِ عَدنانَ، أو عن مجدِ عَدْنانا
  9. 9
    إن العروبة لو خُطَّتْ مفاخرُها◆سِفْرًا، لكنتِ لهذا السفرِ عُنوانا
  10. 10
    هنا: بموكب سيفِ الدولةِ ائتلَقَتْ◆تلك البقاعُ، وسار الركبُ مزدانا
  11. 11
    كم شعَّ من أُفْقها علمٌ، ومعرفةٌ◆وأنبتَتْ أرضُها خيلاً، وفُرسانا
  12. 12
    كم قبَّلَتْ تُربَها من فارسٍ شَفَةٌ◆وسار فيه سَراةُ الروم عُبدَانا
  13. 13
    يا رُبَّ جاريةٍ من فوقِه خطَرَتْ◆تُنْمَي إلى عاهلٍ من آلِ سَاسَانا
  14. 14
    أَبناءَ حَمدانَ، لَسْنَا في ضيافتكم◆إنّا نزلْنا على التاريخ ضِيفَانا
  15. 15
    إنَّا ضُيوفٌ على ذكرَى تَفُوحُ شذًى◆يسْتافُها الدهرُ نَسرِينًا، وريْحانا
  16. 16
    ذكرى ابنِ أحمدَ يَروِي الشرقُ سيرتَها◆أُنشودةً؛ فيهُزُّ العِطْفَ نشوانا
  17. 17
    ذكرى التقيِّ الذي يعنُو لخالقِهِ◆ولا يقدِّسُ غير اللهَ إنسانا
  18. 18
    ذكرى الكميِّ الذي قد ثار منفردًا◆على الطَّواغيتِ من أبناء عُثمانَا
  19. 19
    ذكرى الشهيدِ الذي ضحَّى برْاحته◆وقدَّم الروحَ للأوطان قُربانا
  20. 20
    جئنا نمجِّدُ شمسًا ضمَّها جَدَتٌ◆قد أيقظَتْ كلَّ طَرْفٍ غيرِ يقظانا
  21. 21
    وبدَّدَتْ بخيوطٍ من أشعتها◆غيمًا على الأفُقُ الشرقيِّ قد رانا
  22. 22
    شمسٌ ولكنَّها في الشَّرق قد غَرَبَتْ◆كأنَّ موعدَ يوم الحشر قد حانا
  23. 23
    جئنا نمجِّدُ في إبَّان وَحْدتِنا◆موحِّدًا بسوى التوحيد ما دانا
  24. 24
    أينَ اليراعُ الذي قد كان يَشْهَرُهُ◆كالسيف، إن لان حدُّ السيف ما لانا؟
  25. 25
    يراعةٌ كعصا موسى إذا نَقَشَتْ◆رأَيتَها فوقَ ظهر الطِّرس ثُعبانا
  26. 26
    كم من يراع إذا نارُ الوغى احتدَمَتْ◆صبَّ المِدادَ على القِرطاس نيرانا
  27. 27
    وكم أديبٍ إذا ثارَتْ صحيفته◆يومًا، أثارَتْ على المحتلِّ بركانا
  28. 28
    والشَّعْرُ من زَهَرِ تلقاهُ، أو شَرَرٍ◆لا تحسبوا الشعرَ تقطيعًا وأوزانا
  29. 29
    أخا الكواكبِ في وَمْضٍ ومنزلةٍ◆هل بتَّ في العالم العُلويِّ جذلانا؟
  30. 30
    إن الذي كنتَ في دنياك تغرِسُهُ◆قد صار، روضًا ورَيفَ الظِّلِّ، فيْنَانا
  31. 31
    في مِهْرجانِكَ: يبدو صرحُ وَحْدتِنا◆أرسَى وأَرسخَ من أركان ثَهْلاَنا
  32. 32
    أخا الكواكِب، قم وانُفضْ ثراك؛◆كان الثرى للنجوم الزُّهْر أَوطانا
  33. 33
    قم من ثراك، وغرِّدْ في محافِلِنا فما◆وهات ما غاب عن قُسّ وسَحبانا
  34. 34
    قم من ثراك، وبارك صرحَ وَحْدَتِنا◆إنَّا بنيناه كالأهرام بنيانا
  35. 35
    صرحٌ تعانَقَ روحَانَا به شَغَفًا◆من قبل أن تتلاقى فيه كفَّانا
  36. 36
    مثلَ الكواكب؛ لا يأوينَ بُلْدَانا◆ما كنتَ تعرفُ دارًا للإقامة، بل
  37. 37
    كانت لسعيك كلُّ الأرضَ ميْدانا◆حتى ترحَّلتَ: لا جاهٌ، ولا نَشَبٌ
  38. 38
    بل كان حظُّك من دنياك حِرمانا◆وآثَرَتْ نفسُكْ الأخرى، ولو خَضَعَتْ
  39. 39
    يومًا، لكان لها دنيا سُلَيْمانا◆مَا حطَّ قدرَكَ سجنٌ أَنزلوك به
  40. 40
    هيهاتَ! بل كنْتَ للسَّجَّان سجَّانا◆قد يرفَعُ السجنُ مَنْ يَغشاه منزلةً
  41. 41
    ويعصِفُ السَّجنُ بالسَّجَّان أَحيانا◆صاولتَ في مصرَ لمَّا أن نزلت بها
  42. 42
    من عرشها ومن المحتلِّ ذؤبانا◆والله، ما نسيتْ مسعاك في زمنٍ
  43. 43
    سهرتَ فيه، وكان الكل وسنانا◆حتى إذا غبتَ عنها، ودَّعَتْ رجلاً
  44. 44
    قد كان أَرفعَ من أهرامها شانا◆وغسَّلتك بصَوبٍ من مدامعها
  45. 45
    مصرُ البريئةُ ترجو منك غُفْرانا!◆يا شاربَ السُّمِّ من كفٍّ ملوَّثةٍ
  46. 46
    هل تشربُ الآنَ من إبريقِ رضْوانا؟◆لقد تحدَّيْتَ في القبر الفَناءَ، فهل
  47. 47
    خلتَ الفناءَ على البُسْفور سُلطانا؟◆والحرُّ يُنصفُهُ تاريخهُ، وكفى
  48. 48
    بالذِّكْر خُلدًا، وبالتاريخ مِيزَانا!◆أَبناءَ يَعْرُبَ، لا كانتْ عرُوبتُنا
  49. 49
    إن لم تُثِر عزمَنا ذكرى ضحايانا◆يا قومٍ، تاهتْ لنا في النجم مملكَةٌ
  50. 50
    قوموا نطالبْ بها الشِّعرَى وكيوانا◆مُلْكٌ بنَتْهُ بحدِّ السيفِ مُنْصلتًا
  51. 51
    أيدي الأوائلِ من أَبناءِ مَرْوَانا◆بَنَي بنوهُ بأَيدي العُرب دولتَهم
  52. 52
    فاشتدَّ بنيانُها أُسًّا وأَركانا◆ما هجَّنوا بموالي الروم نسبتَها
  53. 53
    أو أَيَّدُوها بجنُد من خُراسانا◆لم يرفعْ الصّوتَ يُومًا في جوانبها
  54. 54
    مستعجمٌ، أو يَمُدَّ الكفَّ قُرصانا◆أَبناءَ يعربَ، هذا اليومُ يومُكمو
  55. 55
    هيا بنا نستعيدُ الماضيَ الآنا◆نُقيمُها دولةُ شمَّاءَ باذخةً
  56. 56
    يعنو لها الدهرُ تسليمًا وإذعانا◆تَبْني الحضارةَ بُنيانًا على أُسُسٍ
  57. 57
    وتَزْرَعُ السِّلمَ فوق الأرض بستانا◆وتَحفظُ الشَّرقَ إنْ شرٌّ أُريدَ به
  58. 58
    ممَّنْ يظُنُّون أَهل الشرقِ قُطَعانا◆تُزلزلُ البرَّ فُرسانًا وأَسلحةً
  59. 59
    وتَزْحَمُ البحرَ -بعد البر- حِيتانا◆وتملأ الجوَّ أسرابًا محلَّقةً
  60. 60
    تبثُّ في الأرض تدميرًا وعُمرانا◆إذا صَحَا الجوُّ، طارت في جوانبِهِ
  61. 61
    وُرْقًا، وإنْ غامَ طارتْ فيه عِقْبَانا◆إنِّي أَظنُّ -وظني ليس يكذِبُني-
  62. 62
    أنّ الزمانَ الذي نرجوه واتانا◆اليومَ ما عاد يشكو النيلُ من رَتَقٍ
  63. 63
    أو يشتكي بَرَدَى المعسولُ أَدْرانا◆يا طاَلما جَرَبا شُهْدًا لمغتصِبٍ
  64. 64
    وابنُ الحمى بهما قد بات غصّانا◆لا يعرفُ الضيمُ شعبًا كان مغفَرُهُ
  65. 65
    وسيفُه في الوغى: صبرًا، وإيمانا◆إن الأُلى غَصَبوا سُورْيا ومصرَ معًا
  66. 66
    زاروا القناةَ، فكانوا بعضَ صرعانا◆أَبناءَ يعرُبَ، لا كنَّا إذا دَلِفَتْ
  67. 67
    بنا خُطانا إلى العلياء وَحْدانا◆بَغْدَادُ، كم لك في قلب العروبة من
  68. 68
    قَدْرٍ، إذا هانت الأقدارُ ما هانا◆إخوانَنا في ظلال الكَرْخ، ويحكمو
  69. 69
    لقد أَصبْتُم لنا في الكَرخ إخوانا!◆يا أهلَ بغدانَ، راعوا الله في رحِمٍ
  70. 70
    موصولةٍ قُطِعَتْ، يا أَهل بغدانا◆ماذا نقولُ؟ أَمَنْ صِحْنا به مَلَكًا
  71. 71
    بالأمس ندعُوهُ هذا اليومَ شيطانا؟◆هيهاتَ تَقطعُ ما الرحمنُ واصلُهُ
  72. 72
    يدُ المفرِّق! لا كانت ولا كانا!◆إن العروبةَ قد باتَتْ موحَّدَةً:
  73. 73
    حسٍّا، وعاطفةً؛ أرضًا وسكَّانا◆ما عاد يجرَحُ أُذْنَ الضاد جارحةٌ
  74. 74
    من ذكر لُبنانَ، أو من ذكر عَمَّانا◆اللهُ أكبرُ! ساد الوعيُ، واندمَجَتْ
  75. 75
    تلك الحدود وصار الكلُّ عُربانا◆قد سارت الفُلْكُ، عين الله تكلَؤُها
  76. 76
    فهلَّلَ البحر أمواجًا وشُطآنا◆سِرْ، يا جمالُ، إلى شطِّ السلامِ
  77. 77

    قد اصطفاك لها الرحمنُ رُبَّانا!