طوى الموت إبراهيم!

محمود غنيم

72 بيت

العصر:
العصر الحديث
حفظ كصورة
  1. 1
    ألا، ما هذا الروض صوَّحَ زاهرهُ◆وذابت أغانيه وأجفَلَ طائره؟
  2. 2
    ألا، ما لهذا البحر غِيضَ عبابهُ◆وعُطِّلُ مُرساه وأُسكت هادره؟
  3. 3
    ألا، ما لهذا الطودِ خرَّ أساسُهُ؟◆ألا، ما لهذا الغيثِ أخلف ماطره؟
  4. 4
    ألا أيُها الوفَّادُ، حُلُّوا رِحالَكم◆طوى الموتُ إبراهيمَ وانفضَّ سامره!
  5. 5
    سلوا القصرَ: ما للقصر غشَّي سماءَهُ◆قَنامٌ، وقُدَّت من حِدادٍ ستائره؟
  6. 6
    وماذا به من وحشةٍ وتجهُّمٍ◆وكان به فيضٌ من البشر غامره؟
  7. 7
    سلام على القصر الذي رِيعَ أهلُه◆فربعت له من كل قصرٍ حرائره
  8. 8
    أطوفُ به في صمته، وكأَنه◆مُصَلى عتيقٌ لا تُقام شعائرهِ
  9. 9
    وكنتُ أغنيه، فيطرَبُ ربُّه◆فما بالُهُ قد أعوَلَ اليومَ شاعره؟
  10. 10
    سلام على وجهٍ أغرَّ، كأنه◆سرجٌ وضئٌ، ساطعُ الضوء، باهره
  11. 11
    سلام على ثاوٍ ثوت معه العلا◆وضمَّت عتاق المكرمات مقابره
  12. 12
    على من تداعى حائط المجد بعدهُ◆وأقفر من ريع المروءة عامره
  13. 13
    على من لوَ أن الأرض عدت همومها◆وعدّ حصاها، لا تُعدُّ مآثره
  14. 14
    سلام على من كنتُ أسطو ببأسه◆على الدهر إن دارت عليّ دوائره
  15. 15
    ولم أَنس، عهدًا، عهدُ «نيرون»دونه◆إذا أحصيت يوم الحساب كبائره
  16. 16
    أوى السجن فيه كلُّ شيخٍ مهدَّمٍ◆وكلُّ صبيّ ناعماتُ أظافره
  17. 17
    قضى حقبةً في أسره ليَ ناشئٌ◆غريرُ الصِّبا، لم يتَّق الله آسره
  18. 18
    ولم يقترف ذنبًا، ولم يجن مأثمَا◆سوى أنه بالدين شُدْت أواصره
  19. 19
    فناديتُ إبراهيم، والأمرُ حازبٌ◆وصدريَ بالآلام يزخرُ زاخره
  20. 20
    فردَّ علي يعقوبَ يوسفَ بعدما◆تيقَّنَ أنّ الذئبَ في الغاب عاقره
  21. 21
    رماك زمانٌ كنتَ تدفع شرَّهُ◆كأنك بالإحسان للناس واتره
  22. 22
    توخَّاك لما كان مثُلك نادرًا◆بهذا الورى، والدُّرُّ أغلاء نادره
  23. 23
    أتبعد والآمالُ دانٍ قطوفها◆ولا تحصُد الحبّ الذي أنت باذره؟
  24. 24
    رويدك؛ فالأوطان يعصف جيشها◆بأغلالها، والنصرُ تبدو بوادره
  25. 25
    عهدناك سبّاقًا إلى نُصرة الحمى◆إذا قلّ في وقت الشدائد ناصره
  26. 26
    وتحملُ ألوان الأذى في سبيله◆فما كان من ذَنبِ، فحلمك غافره
  27. 27
    إذا ذرفت عيناه، كَفكَفت معه◆وإن مسَّهُ كسرٌ، فعطفك جابره
  28. 28
    وإن آده عبءٌ، نهضتَ بحمَله◆وإن نالهُ خصمٌ، فعزَمك قاهره
  29. 29
    لقد كنت تحبوه بمالكَ حسبةً◆إذا راح يجبي باسمه المال تاجره
  30. 30
    لك الله حرّامًا ما ابتغى الحُكم متجرًا◆ولا جرَّ نفعًا أهله ومعاشره!
  31. 31
    ولا جار في عهد المظالم حينما◆تولَّى زمام الحكم في مصرَ جائره
  32. 32
    أميرٌ مُطاع؛ غير أن ضميره◆أميرٌ عليه، نافذاتٌ أوامره
  33. 33
    عيوفٌ ، عفيفٌ يجرحُ الفحشُ سمعه◆وفيٌّ، أمينٌ، يأمنُ الغدرَ غادره
  34. 34
    صريحٌ إذا صافي، صريح إذا قلى◆على وجهه الوضَّاحِ تبدو سرائره
  35. 35
    إذا ودّ إنسانًا فليس لوده◆حدودٌ، وإن عاداه فهْو مجاهره
  36. 36
    طليق المحيا؛ ما تجهم مرَّةً◆ولا ثار إلاّ للكرامة ثائره
  37. 37
    قريب الرضا؛ يبقى على الدهر ودُّه◆ولا يلبث الهجر الذي هو هاجره
  38. 38
    كريمٌ؛ إذا ما الضَّيف حلّ بداره◆تَهشُّ له أرجاؤها وتسامره
  39. 39
    شجاعٌ إذا ضنّ الشُّجاع بنفسه◆ولم يبقَ في الميدان فردٌ يؤازره
  40. 40
    فتى صاول الجبَّار فوق سريره◆وإيمانه: فؤاده، وعساكره
  41. 41
    ولما نعى الناعي الدًُّسوقيَّ، أمسكت◆سماءُ الحمى حزنًا، وسالت محاجره
  42. 42
    وقلت لقلبي: جلّ خطبك، فانفطر◆فهذا الذي -يا قلب- كنت تحاذره!
  43. 43
    بقلبي جراحٌ غائرات، ومثلها◆بقلب الحمى، والجُرح أرداه غائره
  44. 44
    وكيف يعزَّي في خسائره الحمى◆إذا هو كنت في الرجال خسائره؟
  45. 45
    همُ الثورةُ الكبرى إذا سادَ أرضهُ◆سلامٌ، وهمْ يومَ اللقاءِ ذخائره
  46. 46
    ولما أُقيم المهرجان؛ تَهامَسَت◆بنعيكَ أفواهٌ، فأَعولَ زامره
  47. 47
    مشى الركبُ يحدوه الأسى، فتعثرت◆ميامنهُ في سيرها ومياسره
  48. 48
    فلا عينَ فيه لم تُقَرَّح جفونُها◆ولا صدرَ إلا والهمومُ تخامره
  49. 49
    كأَن صدورَ الناس حين توهَّجت◆أَضاءت بها أنوارُه ومنائره
  50. 50
    سلوا عن عُكاظٍ: هل تعطَّل سوقه؟◆وهل حُطَّمت أعوادهُ ومزاهره؟
  51. 51
    سلوا الأدبَ الفياضَ: هل غاض نبعه؟◆وهل طُويت أقلامُه ومحابره؟
  52. 52
    أَمن بعد إبراهيمَ للشعب موكبٌ◆يُقام بمصرٍ أو تُدقُّ بشائره؟
  53. 53
    وهل بعد إبراهيمَ من مُتكلمٍ◆يُحاضرنا، أو من سميعٍ نـحاضره؟
  54. 54
    لقد كان حصنًا للأديب؛ فإن يمت◆فكلُّ أديبٍ تاعسُ الجدِّ عاثره
  55. 55
    مضى ناظمٌ الشعر الرصين قلائدًا◆وناقدُه نقدَ البصير، وناشره!
  56. 56
    وما الشعرُ إلا الروحُ، لو أنه سرت◆إلى هيكلٍ بالٍ، تحرّكَ ناخره
  57. 57
    به يقدم الهبَّابُ في ساحة الوغى◆ويأنسُ من وحش المفاوزِ نافره
  58. 58
    وما عالَمٌ لم يصقل الشعر ذوقه؟◆وما أُمَّةٌ لم تعلُ فيها منابره
  59. 59
    إذا لم تَقُم للشعر في الشعب دولةٌ◆تيقنت أنّ الشعبَ ماتَتْ مشاعره
  60. 60
    وقفتُ على قبر الدسوقيِّ وقفةً◆يُساورنُي فيها الأسى وأُساوره
  61. 61
    عرفتُ بها الأفلاكَ كيف وقوفُها◆وأدركت هذا الخلقَ كيف مصايره
  62. 62
    وآمنتُ أنّ المجدَ، والجاهَ، والعلا◆سرابٌ كذوبٌ، يخدعُ الناسَ ظاهره
  63. 63
    كأنَّيَ ما أبصرت جامَ منيَّةٍ◆يدور، ولا أيقنت أنِّى معاقره
  64. 64
    فيا لَكَ قبرًا يخطب الناس صخره◆ويُدرك أسرارَ العوالم زائره!
  65. 65
    ويا لك قبرًا خُطَّ في الأرض معهدًا◆وبزَّ ابن سينا في الحقائق حافره!
  66. 66
    ألا أيها البيتُ الكريم نَجَارُهُ◆مصابك يؤتى الأجر ضعفين صابره
  67. 67
    تشاطرك الأحزان مصر، ولم يهن◆حزينٌ، غداةَ الحزن مصرُ تشاطره
  68. 68
    وما مات إبراهيمُ، لكنَّه على◆ممرِّ الليالي خالدُ الذكر، عاطره
  69. 69
    سلامٌ عليه كلما ذُكر اسمُه◆فعطَّرَ أرجاءَ الكنانة ذاكره
  70. 70
    سلام عليه راحَ وهْو مُبرَّأٌ◆تقيٌّ، نقيٌّ، أبيض الثوب، طاهره
  71. 71
    مضى، وبيمناه سجلُّ حياته:◆يشرِّفُ ماضيه، ويُشرق حاضره
  72. 72
    إذا كان للأطهار سفرٌ يضمُّهم◆فأوّلُ هذا السِّفرِ أنتَ وآخره