شـــيخ القضــــاة
محمود غنيم75 بيت
- العصر:
- العصر الحديث
- 1نِضْوُ السُّهاد أطال من إغفائه◆وشفاه شافي المَوْتِ من بُرحائِهِ
- 2ألقى عصاهُ، واستراح بمرفَأٍ◆يلقَى المجاهد فيه حسن جزائه
- 3مات الذي لم ينس مصرًا، والرَّدى◆يمشي بطيءَ الخطو في أعضائه
- 4مازال في الميدان يحملُ سيفهُ◆ويصولُ حتى خرَّ من إِعيائهِ
- 5كان الهُتافُ لمصرَ كلَّ أنينِه◆فوق الفراش، وكان بعضَ دوائه
- 6عبدُ العزيز خلا بمصرَ مكانهُ◆في طول ساحته، وعرض فضائه
- 7كَونٌ برَمَّته خلا من أهله◆يا من لهذا الكون بعد خلائه؟
- 8هبةُ الهباتِ سخا الزمان بها على◆هذا الوجودِ، وضنَّ بعد سخائه
- 9لهفي عليه وألفُ لهفيَ ما خبتْ◆شمسُ الضحى، وحبا شعاعُ ذكائه!!
- 10الموتُ أطفأ ذلك الذهن الذي◆عجز الضنا والشَّيبُ عن إطفائه
- 11جسمٌ نـحيلٌ، غيرَ أنَّ وراءَهُ◆أفُقًا يتيه الظنُّ في أرجائه
- 12وقريحةً نفَّاذةً، لو وكَّلت◆بالغيب، ما عيَّت بكشف غطائه
- 13قالوا: السياسةُ، قلتُ: كان إمامَها◆أما القضاءُ، فكان بدرَ سمائه
- 14كم جولةٍ في مجمع الفصحى له◆بين النجوم الزُّهرِ من علمائه
- 15والعبقريّةُ أينما وجَّهتها◆تسمو بصاحبها على نظرائه
- 16لمَّا نعى شيخَ القُضاةِ نعاتُه◆قلنا: قضاءُ الله فوقَ قضائه
- 17حُكْمٌ مضى كالسَّهم فيمن حكمهُ◆قد كان مثلَ السهم عند مَضَائه
- 18بكتِ العدالةَ يومَ مات، كأنهُ◆صخرٌ بكته مُقلَتَا خنسائه
- 19عرفتهُ يفني في سبيل حياتها◆ويقيمُ حائطها على أَشلائه
- 20دُستُورها ما خَطَّ من أحكامه◆وتناقلَ الفُقهاءُ من آرائه
- 21مات الذي اشترك الأحبةُ والعدا◆بقلوبهم في نَعْيه وبُكائه
- 22لا تَنشُروا الأزهارَ حولَ ضريحه◆فخلاله ينفَحْنَ في أنـحائه
- 23هَتفَتْ شمائلُهُ بملءِ لَهاتِها◆تَرثيه قبل هُتافنا برثائه
- 24والله ما نظمَ الرثاءَ لراحلٍ◆كَلِسانِ ما أسداه من آلائه
- 25ومن الثناءِ: مُمحَضٌ، ومموَّةٌ◆لكنّ صدقَ القول غيرُ ريائه
- 26هذا الذي ولَّى نقيَّ الثوب؛ ما◆من شبهةٍ علقت بذيل ردائه
- 27قد كان أرفعَ قيمةً من دهره◆وأجلَّ من حِرمانهِ وعطائه
- 28النّفيُ لم يقدر على إخضاعهِ◆والحُكمُ لم يقدر على إغرائه
- 29من أجل مصرٍ ما يجيشُ بصدره◆من حُبِّه للناس أو بغضائه
- 30وإذا أحبَّ، فلن تراهُ محابيًا◆شتَّان بين: حبيبه، وحبائه
- 31يهوى ويَقلِي، وهْو في كلتيهما◆بالعقل مغلوبٌ على أهوائه
- 32وينالُ بالإسفاف منه غريمُهُ◆وبغير ذاكَ ينالُ من غُرمائه
- 33خصمٌ شريفٌ إذ يصول، وربما◆أغضى، فكان القتلُ في إغضائه
- 34حُرٌّ، حميُّ الأنف، إن سيمَ الأذى◆فالموتُ -كلُّ الموت- دون رضائه
- 35أنفٌ، لو أن الخُلدَ شيبَ هواؤهُ◆بغبار ضَيمٍ، عاف شَمَّ هوائه
- 36وصراحةٌ في الرأي بيديه وإن◆لم يَرضَ ذو الجبروتِ عن إبدائه
- 37عجَبي له؛ كيف استطاعَ الصدقَ في◆لغة السياسة وهْي من أعدائه؟
- 38قد كانَ في هذا الزمان وأهلِه◆معنى جميلاً في كتابٍ شائه
- 39لو كان صادفَ مثلَه «دوجينُ»، لم◆يبحث عن الرجل الشريف التائه
- 40هذا الرُّفاتُ سجلُّ أكبرِ ثورةٍ◆بالله، لا تطووهُ عن قرَّائه
- 41خُطُّوا على مرأَى العيون ضريحةُ◆ثم اكتُبوا التاريخَ من إملائه
- 42وخذوا الحقائق عنه بعدَ مماته◆والميْتُ مؤتَمَنٌ على أنبائه
- 43هذا بقيَّةُ معشرٍ قد خطَّ في◆صُحُف الجهاد كتابَه بدمائه
- 44اليومَ نفقدُ صاحبيه بفقده◆فَنِيَ الثلاثةُ جملةً بفنائه
- 45لما أهابَ النيلُ -في الجُلَّي- بهم◆لبَّوْه أطهرَ أنفسًا من مائه
- 46فتَحوا على المحتلِّ بابَ عريِنِهِ◆ولَقوهُ وهْو يتيهُ في غُلوائه
- 47وسلاحهُ بدم العدوِّ مخضَّبٌ◆والنصرُ معقودٌ بظلِّ لوائه
- 48كي يَنْزِعوا من بين فكَّيهِ لهم◆حقًّا صُراحًا حان يوم قضائه
- 49ما كافَئُوه قوَّة، لكنهم◆بالحق والإيمان من أكفائه
- 50رُحماكَ يا عبدَ العزيز! أفَلتَ في◆ليل يضلُّ النجمُ في ظلمائه
- 51رحماك! مازال الدخيلُ يجوسُ في◆أرض الحمى، ويطيرُ في أجوائه
- 52ليتَ المنيَّةَ أملتْكَ هُنيهةً◆حتى تَرى عيناك يومَ جلائه!
- 53هيهاتَ! لا طاحت به حربٌ، ولا◆نَجَحَت عُهُودُ السلم في إقصائه
- 54في كلِّ يوم: علَّةٌ لبقائهم◆تبدو بوجهٍ غاضَ ماءُ حيائه
- 55أدّيتَ للأوطان كاملَ حقِّها◆لكنّ حقَّك لم تَقُم بأدائه
- 56لو كان أنصفَك الحمى ميْتًا، غَدَا◆مثواك فيهُ يطافُ حول بنائه
- 57لكنَّه وطنٌ يحُطُّ الشوك في◆طُرقات من يسعى إلى إعلائه
- 58يا رُبَّ دستورٍ نظمتَ بنودَه◆نظمَ الجمان، وكنتَ كبشَ فدائه
- 59يا كابَر الأحرار، حزُبك رِيعَ في◆حرٍّ أبيِّ النفس من خلفائه
- 60جدَّدتَ أحزانَ الحمى في معشر◆إن يَشْكُ داءً، كان بلسمَ دائه
- 61«عدلي»، ومَن عدلي، «وثروتُ»وهُو◆مَن هو في أصالة رأيه ودهائه
- 62ومحمدٌ ولَّى، ومن كمحمدٍ؟◆مَن مثلُه في نُبلِهِ وإبائه؟
- 63نفر إذا الدستور في مصرَ انتمى◆فَهُم الكرام الصِّيدُ من آبائه
- 64حَكَمُوا، فما عبثوا بأموال الحمى◆وشَرَوا سعادتهم بطول شقائه
- 65أو خاصموا المحتلَّ خارجَ حكمهم◆فإذا تولَّوا بادروا بوَلائه
- 66يا وافيًا بعهوده لبلادِهِ◆ولكلِّ مَن عرفوه من خُلَطَائه
- 67ولوردةٍ عائت حياةَ الورود، ما◆راعَ ابنها، أو راعَها ببنائه
- 68لله درُّك؛ تُنصفُ الأمواتَ في◆زمن تفشَّى الجَورُ في أحيائه!
- 69أقسمتُ، أنك في وفائك منَّةٌ◆لرجال عصرك في رقابِ نسائه
- 70قالوا: «السّموءَل»، قلتُ: لو أدركته◆لم يضربوا أمثالهم بوفائه
- 71عبدَ العزيز، ولا أزيدُكَ خبرةً◆بالموت، كلٌّ شاربٌ بإنائه
- 72قد كنتَ تبقى لو تكفَّلت العلا◆والمكرماتُ لربِّها ببقائه
- 73لكنَّ عدْوىَ الموت عدوى لم تزل◆من آدمٍ تسري إلى أبنائه
- 74يَهني سماءَ الله أَنَّكَ جارها◆والخُلدَ أنك نازلٌ بفنائه
- 75أقسمتُ، لو جَزعَ الصباحُ على امرئٍ◆ما لاحَ بعدك مُشرقًا بضيائه!