راهـــب الحقــــل
محمود غنيم58 بيت
- العصر:
- العصر الحديث
- 1راهِبٌ خطَّ في القُرى محرابَهْ◆بين شطِّ الغَدير واللَّبْلابَهْ
- 2عاش للحَقْل، والنبات؛ فكانا◆دينَه في حياته، وكتابه
- 3عرف الله فطْرَةً لا اكتسابًا◆فرَجا عفوه، وخاف عقابه!
- 4ما احتواه في الله شكٌّ، ولا طُو◆لُ التَحَرِّي عنه أثَار ارتْيَابه
- 5حَسْبُه أنَّ كل شيءٍ بهذا الْـ◆ـكون يُومِي إليه بالسَّبَّابة
- 6عرف الله في الطبيعة: عطفًا◆وحنَانًا، وقوَّة غلاَّبة
- 7مِنْ قُواها استمدَّ قُوَّةَ زَنْدَيـ◆ـه، ومن شَمْسِها استعار خِضَابه
- 8رُبَّ طبع من الغدير اسْتقاهُ◆فَهْوَ ينسابُ في الحياة انسيابه
- 9مَنَحَ الأرضَ -لا المِلاحَ- هواهُ◆فَهْوَ صبٌّ بها؛ عميقُ الصَّبابة
- 10كادحٌ في شبابه؛ ما قضى في◆مَسْرح اللَّهْو والمِرَاح شبابه
- 11وإذا شاب، لم يزل عودُه كالنَّـ◆ـبْع فيهِ بقيَّةٌ من صَلابة
- 12يلبَسُ الشيْبَ هالةً من وَقَار◆لا الضنا شانَهُ، ولا النقص شابه
- 13لم يزيِّنْ ثِيابَه النقشُ؛ لكن◆زيَّن الطهرُ والعفافُ ثيابه
- 14زُرْقَة اللونِ في العيونِ، وأُخْرى◆في السموات زانتا جلبابه
- 15وإذا خاف من حساب عسير◆ذو ثراء، فما أخفَّ حسابه!
- 16يحسُدُ القصرُ كوخَه! رُبَّ كُوخ◆هو للأمن والسلام مثابة
- 17أيْن عشٌ رفَّ النعيمُ عليه◆من قصور رَانَتْ عليها الكآبة؟
- 18القَمَارِيُّ حوله والسواقي◆تلك عود، وهذه شبَّابه
- 19لم يؤرِّقْه في مَناط الثُّرَيَّا◆مطلب راح يرتقي أسبابه
- 20مُكْتَفَ من طعامه بِكَفَافِ◆قانعٌ من شرابِهِ بِصُبَابة
- 21رَضيَتْ نفسُه، فعاش سعيدًا◆ولقد يُسْعِدُ الرضا أصحابَه
- 22في سُكون القُرى ينامُ، ويصحو◆ما له والمدائن الصخَّابة؟
- 23أنا منْ ضاق بالحَوَاضر ذَرْعًا◆وأواها؛ فحطَّمَتْ أعصابه!
- 24كم لها -كالمِلاَح والرَّاح- صرعى◆خدعتهم أضواؤها الخلاَّبة
- 25حسب هذا الأُمِّي أرضٌ بَرَاح◆هو في لوْحها يجيد الكتابة
- 26خاملٌ مَن يراه غيرَ نبيه◆وجهولٌ مَنْ بالجهالة عابه
- 27هو لا يرتقي المنابر؛ لكنْ◆فأسُه في الثَّرى تُجيدُ الخطابة
- 28لو تَرى ما يَخْطُّ محْراثُه في◆أرضه، قلتَ: آيةٌ في النَّجَابة
- 29إنَّ للكون مَعَهدًا لم يُثَقِّف◆بِدَوَاة ومرْقَم طُلاَّبَه
- 30لم يُسَجِّل علومَه في كتاب◆أو يُدَوِّنْ في مُعْجَمٍ آدابه
- 31وبه تُشْغَف السوائم حبًّا◆ويراها دُونَ الورى أحبابه
- 32ربطتْهُ بكل ذَاتِ ثُغَاء◆أو خُوَار مودَّةٌ، بل قرَابة
- 33رفقةٌ يأمن الصديقُ أذاها◆لا بدسَّاسة ولا كذَّابة
- 34كم سَقَتْه من الحليب زبيبًا◆أبيض اللون، لا يضيع صوابه
- 35كم صديقٍ من وَجهه يقطر البشْـ◆ـر، ولا يأمَنُ الصَّديقُ غيابه
- 36وَمِنَ الناطقين من هُوَ أضْرَى◆من أفاعي وكْرٍ، ومن أُسْدِ غابة
- 37ما لهذا المَلاَكِ أمسى وأضحى◆وَهْو نهْبٌ، مُقَّسَّمٌ لِعَصَابة
- 38صرفوا الراهِبَ البتول عن اللـ◆ـه، وصَارُوا مِنْ دُونه أربابه
- 39أَمنَ العدلِ أن يعيش أسيرَ الـ◆ـحقْل، قَدْ شَابَ بالدماء ترابه
- 40وَهْو من أخرجَ النُّضَار من الأر◆ض، وصَفَّى من التُّراب لُبابه؟!
- 41كم جني القَمحَ عَسْجَدًا، وجني القُطْ◆ـنَ لُجَيْنًا، وبات يَلْعَق صابه!
- 42يطرُقُ الخَيْرُ كلَّ باب، إذا ما◆أَثمرتْ أرضُه، ويَتْرُكُ بابه
- 43ولمولاه يعصر الكرم خمرًا◆ثم يسقيه لاَثِمًا أعتابه
- 44رُبَّ أيْدٍ تخاف فاهُ، إذا ما◆رام تَقْبِيلَها، وتَخْشى لُعَابه
- 45رب دُرٍّ في مفرق كان يومًا◆قَطَرَاتٍ من الجبين مُذَابة
- 46ودماءٍ تحوَّلَتْ في صحَاف◆وَجَبَاتٍ شهيةً مستطابة
- 47عَبَرُوه جِسْرًا إلى المجد؛ حتَّى◆بلغوا فوق مَنْكَبَيْه الذُّؤابة
- 48بِاسْمِه يَظْفَرون بالمال والجَا◆هِ ويَقْضِي كلُّ امرئ آرابه
- 49وَهْوَ شاكٍ من الطَّوى، لاصِقٌ بالـ◆أرض، يَجتَرُّ حلقُه أوصَابه!
- 50يُسْلَبُ القوتَ، ثم يؤمرُ أن يَنْـ◆ـعَتَ بالجود والنَّدى سحابه
- 51أو تعالى صراخُه، فكما طنَّ◆بدَوْح الهجير صوتُ ذُبابه
- 52بَسَطَ الراهبُ البتولُ يديه◆بعث اللهُ من يَرُدَّ اغْتِرابه
- 53فإذا ثورة على الظلم تَبْرى◆رأسه، ثم تقتفي أذنابَه
- 54وإذا الراهبُ الذي نَسِيَ الشَّدْ◆وَ، منَ الشَّجو يستَرِدُّ ربابة
- 55مستعيدًا إيمانَه بعد شك◆في السموات كاد أن ينتابه
- 56ملْءُ محرابهِ: صلاةٌ، ونُسْكٌ◆في وَقَار يحفُّهُ، ومَهَابة
- 57راكعٌ، قائمٌ، على الأرض جاث◆فوقها في تَبَتُّل وإِنَابة
- 58صلواتٌ تُحَوِّلُ التُّرْبَ تبْرًا◆أجزل اللهُ للمُصلِّى ثوابه