حنيــــن إلى المــاضـــي

محمود غنيم

83 بيت

العصر:
العصر الحديث
حفظ كصورة
  1. 1
    لعمرك، ما صارت رسوما بواليا◆ولكن بلِينا نـحن، وَهْي كما هيا
  2. 2
    مَغَانٍ سقيناهُنَّ ماءَ شبابنا◆وأسْقَيْنَنَا نَبْعًا من العلم صافيا
  3. 3
    وما برحت شمَّاءَ، شامخةَ الذرا◆فهل ثَمَّ أشياخي بها ولدَاتِيا؟
  4. 4
    تكاد لذكراها تذوبُ حُشاشَتي◆ويطفرُ من بين الضلوع فؤاديا!
  5. 5
    سلامٌ عليها في «مليجَ» مثابةً◆حفظْتُ بها السبعَ القِصار المثانيا
  6. 6
    سلام على طنطا، ومعهدِها الذي◆نَظَمْتُ به قبل البلوغ القوافيا
  7. 7
    سلامٌ على دار القضاء، وأهلها◆وربعٍ من العِرْفان أصبح خاويا
  8. 8
    لقد وأدوها مُنْذ خمسين حِجَّة◆ومازال قلبي غائرَ الجُرْح داميا
  9. 9
    سلام على دار العلوم، وعهدِها◆وهيهات هذا العهدُ يرجع ثانيا!
  10. 10
    مغان غرفتُ العِلْمَ من غرفاتها◆وأوْدَعْتُ فيها بضعةً من شبابيا
  11. 11
    أروح إليها كلَّ يومٍ، وأغْتَدي◆إلى العلم عطشانا، ومن العلم رَاويا
  12. 12
    وهَمِّي من الدنيا: كتابي، ومِرْقَمي◆خليليَّ، رُدَّا مِرْقمي، وكتابيا
  13. 13
    إذِ العيشُ صَفْوٌ، والحياة رخِيَّة◆كأَنَّا بدنيانا أَمِنَّا اللياليا
  14. 14
    تُزَيِّن دنيانا أمانٍ عريضةٌ◆فما أجملَ الدنيا، وأَحْلى الأمانيا!!
  15. 15
    وإذْ تتبارى في القريض ونَظْمِهِ◆ونفتَنُّ فيه بنْيَةً، ومعانيا
  16. 16
    نُدَبِّجُه طوْرًا رصينًا مهذَّبًا◆وطورا دُعَابَات، وطورا أهَاجِيا
  17. 17
    وننظمه أُنشودةً وطنيةً◆تحمِّس رِعْدِيدًا، وتُوقِظُ غافيا
  18. 18
    وننشده للمخلصين مدائحًا◆وللزُّعماء الراحلين مَرَاثِيا
  19. 19
    وكان لنا -إذْ نـحن عُزْلٌ- ذخيرةً◆نصُدُّ بها الجيشَ الذي جاء غازيا
  20. 20
    ونارا على المحتلِّ يَصْلَى أُوارَها◆وسَيْفًا على رأسِ الخَوَارجِ ماضيا
  21. 21
    زمانٌ تقضَّى في مِرَاحٍ، وفي دَدٍ◆فهل كنتُ فيه ناعم البال راضيا؟
  22. 22
    لقد كنت أشكو فيه من غير علَّة◆فأصبحت من علاَّتِي اليومَ شاكيا!
  23. 23
    تشَكَّى زهير من ثمانين حِجَّةً◆وإني لأشكو مذْ بلغتُ ثَمَانِيَا!
  24. 24
    وأقسم، لوْ أني رُدِدْتُ إلى الصبا◆لما كان نوْحي فيه إلاَّ أغانيا
  25. 25
    بكينا بِدَمْعِ العين أزْمِنَةً مَضَت◆وكانت مزاياها لدينا مَسَاوِيا
  26. 26
    وما طيبَ عيشٌ ليس يَشْعُرُ أهلُهُ◆بلذَّتِه إلا إذا صار ماضيا؟
  27. 27
    أرى صُوَرَ الماضي تفزِّعني إذا◆هَجَعْتُ، وتغزوني إذا كنتُ صاحيا
  28. 28
    فياليتني أحيا ليَوْمِيَ وحدَهُ◆وليت لأمسي من حياتيَ مَاحِيا!
  29. 29
    وما سرني من أمس عند ادّكاره◆أدَرَّ لدمع العين ممِا شجانيا!
  30. 30
    فَلاَ تَقْلبَا لي من حياتيَ صفحَةٌ◆وإن كُتبتْ بالمِسْكِ أذْفَرَ ذاكيا
  31. 31
    ويتعب في دنياه من دقَّ حسُّهُ◆وأُوتِي ذِهْنًا للحوادث واعيا
  32. 32
    وأين لِداتي اليومَ؟ هل رَمَتِ النَّوى◆بهم في أقاصي المَشْرِقَيْن المراميا؟
  33. 33
    وهل أصبحوا في كل شرقٍ ومغربٍ◆يُعانُون ما أصبحتُ منه مُعَانِيا؟
  34. 34
    يعانون فَوْدًا أبيضَ الشَّعر، ناصعًا◆به صار وجهُ العيش أسْحَمَ دَاجيِا؟
  35. 35
    سلامٌ على من عاش منْهُمْ، ورَحْمَةٌ◆على من غدا في ظلمة القبر ثَاويا!
  36. 36
    على كلِّ قبرٍ من قُبور أحبَّتي◆سَحَابٌ من الغُفْران ينسابُ هَاميا
  37. 37
    خليليَّ، مَنْ لي كل يوم بوقفة◆على كل قبر حَاسِرَ الرأس جَاثِيا؟
  38. 38
    وهل في وقوفي ما يخفِّفُ لَوْعَتي◆عليهم؟ وهل دمعي يُهَوِّنُ ما بيا؟
  39. 39
    وكيف بقائي بعد صحبي وبعدما◆تجلَّل رأسي الشيبَ؟ وكيف بقائيا؟
  40. 40
    وكيف بقائي وانكفائي على العَصَا◆يذكِّرنِي بالموت إن كنت ناسيا؟
  41. 41
    مَشَيْتُ على الأَرض الهوَينَا، كأنما◆أبي لي وَقاري أن يَرانِيَ عاديا
  42. 42
    وما بي لعمري من وقار؛ وإنما◆هو العجز لولاه سَبَقت خياليا
  43. 43
    وعزَّزتُ ساقيَّ اللتين تراخَتَا◆بثالثة لم تـجْرِ فيها دمائيا
  44. 44
    إذا ما اشتكت لم تشكُ حُمَّى جَوَارحي◆ولم أُعطها مَصْلاً من الدَّاءِ واقيا
  45. 45
    وأين صنيعُ الله من فرع دَوْحَةٍ◆حَوَتْهُ يَمِيني فاقدَ الحِسِّ ذوايا؟
  46. 46
    ألاَ رُبَّ يومٍ فيه قد كان وارفًا◆وكان دقيق الحس، أخضر نامِيا
  47. 47
    خليليَّ، أعيا الخطوْ ساقي، فَحَطِّما◆عصاي، ورُدَّا لِي صلابةَ ساقِيا
  48. 48
    سَلاَ مَنْ إلى الأفلاك حَثُّوا رحَالهم:◆ألم يجدوا من علَّةِ الساق شافيا؟
  49. 49
    ألم يجدوا للشَّيْبِ مصلاً يُزيلُه؟◆ألم يجدوا منه طَبيبًا مُدَاويا؟
  50. 50
    إذا عجزوا في الأرض عن كشف ضُرِّها◆ففيم يجوبون النجوم الدَّرَارِيا؟
  51. 51
    وكيف ادعاءُ المرءِ للعلم والحِجَا◆وشرُّ حياة المرء مازال خافيا؟
  52. 52
    لعمرك، ما أضفى عليَّ سعادةً◆يَسَارِي، ولا أزْرَى افتقاري بحاليا
  53. 53
    تفرِّقنا الدنيا: يَسَارا، وفَاقَةً◆ونقتسم اللَّذَّاتِ فيها سواسيا
  54. 54
    وَرُبَّ أميرٍ وَدَّ لو كان سُوقَةً◆وذي جدَة قد بات يَغْبِط عافيا
  55. 55
    ومطربة تشجي الجموعَ بصوتها◆وقد حَمَلَتْ بين الضلوع مآسيا
  56. 56
    وتحسدها بين الخُدُورِ حَرَائِرٌ◆وتحسد في بعض الخدُور الجواريا
  57. 57
    تصَفَّحْتُ أيامي فلم تَرَ مقلتي◆بمُعْجَمِهَا سَطْرًا بقدريَ زوايا
  58. 58
    فلستُ أُبالي عَادِيَ الموت بعدما◆حَييتُ عيوفَ النفس، للضيْم آبيا
  59. 59
    ترفَّعتُ عن أشياءَ ليست تَشِينُنِي◆وأعلم أنِّي قد أكون مُغَاليا
  60. 60
    وما ضرَّني أن ألْبَسَ الثَّوْبَ باليا◆إذا كان من عيبٍ يُدَنِّسُ خاليا؟
  61. 61
    إذا ملأ الحِقْدُ الصدُورَ، فإنَّني◆لأحملُهُ صدرًا من الحقد صافيا
  62. 62
    وما أنا والحقدُ الدَّفينُ أُكِنُّه◆بصدري؟ وإنِّي ما عرفت الأعاديا
  63. 63
    تسَامُحُ نفسي لم يَدَعْ لي شائِنًا◆وإن زاده هذا السَّمَاحُ تماديا
  64. 64
    ولم أَتَسَامَحُ عن صَغَار؛ وإنما◆يسامح مثلي كبْرَةً وتعاليا
  65. 65
    وأُعْرِضُ عَمَّن لا أَوَدُّ لقاءَه◆ولا يبلغ الأعراض عنه التَّقَالِيا
  66. 66
    وَزَهَّدَنِي في كِسْرَة الخبز: أنني◆وَجَدتُ صِراعًا حولها، وتفانيا
  67. 67
    ومن كلب الدنيا على كلب الغنى◆تَمَنَّيْتُ لو أقضي حَيَاتيَ طاويا
  68. 68
    خليليَّ، حَتَّام التعلل بالمنى؟◆دَعَانِي؛ فإنِّي قدْ عرفت مكانيا
  69. 69
    كفاني من الإنْجَاح ما قد أصبتُه◆ومن فَشَلٍ ما كنت فيه ملاقيا
  70. 70
    وكيف طموحي بعد أن شابَ مَفرِقي◆بحسبِيَ من دنيايَ: زَادِي، ومَائِيَا
  71. 71
    ومضمون قولي: أَسأَل الله قربة◆وعفوا أرجِّيه ليوم حسابيا
  72. 72
    عَرَفْت حياتي: بؤسَها ونَعِيمَها◆فياليت شِعْري: بعدها ما ورائيا؟
  73. 73
    ويا ليت شعري -يوم تدنو مَنِيَّتي-:◆أيُحْسِنُ قبري، أم يُسِئُ لقائيا؟
  74. 74
    خليليَّ، إني لا أَبَرِّئُ ساحتي◆أَأَزعم أنِّي ما اقْتَرَفْت معاصيا؟
  75. 75
    فلا تدفنا ذنبي بقبريَ، وادفنا◆صلاتي مَعِي جَوْفِه، وصياميا
  76. 76
    فإن تدفنا ذنبي معي، فلرُّبما◆عفا الله عمّن كان للعَفْو راجيا
  77. 77
    ويأسُك من عفو السماءِ خطيئةٌ◆أشد من الذنب الذي كنتَ جانِيا
  78. 78
    أَأَيئَسُ من عفو السماءِ، وربَّما◆وجدت على الأرض ابن حَوَّاءَ عَافيا
  79. 79
    لعلَّ إله العرش يَقْبَلُ توبتي◆ويسمع في البيت الحرام دعائيا!
  80. 80
    أهَبْت به -إذ لُذْتُ بالرُّكن- قائلاً:◆حَنَانَيْك مَدْعُوًّا، ولَبَيَّك داعيا!
  81. 81
    وأسْبَلتُ عند الستر غَرْبَ مَدَامِعي◆وما كان دمعي في الحوادث جاريا!
  82. 82
    وما كُنْتُ -لولا صَالِحٌ- مُتَمَتِّعًا◆ولا طائِفًا بالبيت سَبْعًا، وساعيا
  83. 83
    جَزى الله عني صالحا، وكفى به◆مُثِيبًا على حُسْن الصَّنيع، مُجَازيا!