النيــل والســـودان
محمود غنيم89 بيت
- العصر:
- العصر الحديث
- 1سائلاهُ: أأنتَ نبعُ الجنان◆أم جني النَّحل، أم رضابُ الغواني؟
- 2أم رحيقٌ طالت عليه الليالي◆لم يعتَّق أمثالهُ في الدِّنان؟
- 3يا نديميَّ، إنَّما أنا صبٌّ◆بابنةِ النِّيلِ لا ببنت الحان
- 4أَترعا من منابعِ النِّيل كأسي◆واهتفا باسمهنَّ ثم اسقياني
- 5يا نديميَّ، تلك ساعةُ صَفوٍ◆سنحت، فاختلستها من زماني
- 6اسقياني سُلافةً عُصرت من◆قبل خلق الكُروم في البُستان
- 7خمرةً لم تَطش بلُبِّ لبيبٍ◆حُبُّها شُعبةٌ من الإيمان
- 8عصر النَّاسُ كلَّ خمرٍ. وخمري◆عصرت كرمها يدُ الرحمن
- 9سائلاهُ: أبينَ عبريه ماءٌ◆أم لُجَينٌ، وعنبرٌ سائلان
- 10شِيبَ آذيُّهُ؛ فكان عقيقًا◆وصفا؛ فهْو ذوبُ حبِّ الجُمان
- 11وَأطافت به الرياحُ رُخاءً◆فهْو حلم في خاطر الوسنان
- 12وأطافت به الأعاصير هوجًا◆فهْو طيشُ الشَّباب في عُنفوان
- 13وسخا؛ فهْو حاتميُّ العطايا◆وطغا؛ فهْو عارمُ الطغيان
- 14واستوى؛ فهْو كالقُدود واعتدالاً◆وثنى العطف؛ فهْو من خيرزُان
- 15وتلوَّى في سيره أفعوانًا◆لا يمُجُّ السُّموم كالأفعوان
- 16مثلُ صدر الحليم في الرُّحب. أوُفِي◆ضيقِ صدر المُدلَّل الغضبان
- 17يردُ الناسُ حوضه أبد الدهـ◆ـرِ، ولا يشتكي من الغضبان
- 18هو طبُّ الجسوم من كل داءٍ◆وهْو طهرٌ لها من الأُدران
- 19كاد أن يغسل القلوب من الحقـ◆ـدِ، وَيمحو كوامن الأَضغان
- 20شقَّ مجراه، وابتنى شاطئيه◆بيديه مُهندس الأكوان
- 21أنا أهواهُ؛ ما سقى يانع الرَّو◆ض، وما بلَّ غُلَّةَ الظمآن
- 22أنا أهواه ما حَيِتُ، فإن مِتُّ◆فَحُركوا من عُشبه أكفاني
- 23أيها النيلُ، كم لبثتَ؟ ومن أيـ◆ـنَ تفَجَّرت؟ وما درى الثقلان!
- 24سابق أنتَ للمجَرَّةِ، أم أحـ◆ـدثُ عهدًا، أم أنتما توءَمان؟
- 25يا سجلَ التَّاريخ، حدِّث بما عا◆يَنتَ، ليس السَّماعُ مثلَ العيان
- 26كيفَ حاد المؤرِّخون عن القَصـ◆ـدِ، وجاءوا بالإفكِ والبُهتان؟
- 27قد شهدت الإنسان ينتطحُ السُّحـ◆ـبَ، ويَأوى رُفاته الهرمان
- 28حدِّث الناس عن فراعين مصر:◆كيف بذُّوا الشُّعوب في البنيان؟
- 29كيف دانتِ لدولةِ الفرس مصرٌ؟◆كيف دانت لعاهل اليونان؟
- 30هات، يا نيلُ، ليلةً من ليالي◆«كِيلبُطرا» وقيصر الروَّمان
- 31حدِّث الناسِ عن بسالة عمروٍ◆وجنود الفاروقِ في المَيدان
- 32أَنت، يا نيلُ، معرضٌ للحضارا◆تِ، وشتَّى الشهوبِ والأديان
- 33أفأبصرت كالحنيفةِ دينًا◆أو رسولاً يحكي فتَى عدنان؟
- 34يا رقيقَ البَنان، كيف حفرت الصَّـ◆ـخر بالظِّفر؟ يا رقيقَ البنان
- 35كيف دانت لك الهضابُ العواتي؟◆كيف لانت صلابةُ الصَّوان؟
- 36كيف جُبت الفلا بغير دليلٍ◆وملأتَ الصَّحراءَ بالعُمران؟
- 37حوَّلت كِيمَياؤُك التُّرب تبرًا◆ونفْختَ الحياة في الصَّفوان
- 38ليت شعري: أساحرٌ بعصاهُ◆أنت، أم أنت عالمٌ رُوحاني؟
- 39كم نسجتَ الثيابَ من غير نولٍ◆ثم وشَّيتها بألف دهان
- 40رُبَّ حقلٍ كسوته بعد عُري◆فإذا الحقلُ أخضرُ الطَّيلسان
- 41ما بكَت أو غنَّت سواقيك، لكن◆لك رَتَّلن آية الشُّكران
- 42أنت، يا نيلُ، فاتحٌ فتحَ المُدْ◆نَ بغير الحديد والنيران
- 43سائرٌ لا تَحيدُ فوق صراطٍ◆كقطارٍ يمشي على قُضبان
- 44دائرٌ بين لجَّةٍ وبخارٍ◆كنجوم السماءِ في الدَّوران
- 45لك في الأرض والهواءِ مدارٌ◆حار فيه مقوِّمُ البُلدان
- 46قرَّبوا الشَّاءَ للسماءِ، وزُفَّت◆كلُّ خَودٍ إليك في مهرجان
- 47ليت شعري: أأحسنوا لك صُنعًا◆أم أساءوا بذلك القُربان؟
- 48أقلوبُ الأَربابِ مثلُ قلوبِ الـ◆ـنَّاسٍ تعوي فواترَ الأجفان؟
- 49فيك حيَّيتُ كلَّ ذاتِ شراعِ◆تتهادى تهاديَ النَّشوان
- 50وبناتِ البُخار إذْ هي تعدو◆عدوَ خيلِ الطِّراد يوم الرِّهان
- 51الجواري روائحٌ، وغوادٍ◆فيك يرقُصن كالجواري الحسَان
- 52أَرسلَ الفُلكُ في الفضاء صفيرًا◆رنَّ في مسمعي رنينَ الأذان
- 53ومشى يَمخرُ العبات ويُلقي الـ◆ـموجَ سُكانهُ على الشُّطآن
- 54فإِذا الموجُ فوقها يترامى◆كترامي الولدان في الأحضان
- 55رقصت موجةٌ وغنَّتْ سواها◆بخريرٍ منغَّم الألحان
- 56قلتُ -والموجُ راقصٌ ومُغنٍّ-:◆ليت شعري أذاكَ حفلُ قران؟
- 57وتهادى النسيمُ ألين مسًّا◆من رفيف النَّدى على غُصنِ بان
- 58وتوالت على العُيون المرائي◆مُرهفاتٍ للحسِّ والوجدان
- 59صُورٌ تبعثُ التأمُّلَ الشِّعـ◆ـرَ، وتُوحي برائعاتِ المعاني
- 60وشخوصٌ تلوحُ إثر شخوصٍ◆كرسُومٍ في لوحةِ الفنَّان
- 61وكأنَّ الهضاب تومي إلينا◆بتحايا الإخوانِ للإِخوان
- 62وتكادُ الأشواقُ تدفعُ بالفُلـ◆ـكِ وتَحتلُّ موضع الرُّبَّان
- 63أيها الفُلك، إِن بلغتَ بنا السُّو◆دَانَ، فاهدأ، فقد بلغنا الأماني
- 64بلدٌ قاته وقاتَنِي النِّيـ◆ـل، وروَّاهُ مثلما روَّاني
- 65جمعتني به شريعةُ طه◆وهداهُ منهاجُها، وهداني
- 66بلدٌ ردَّدت ليَاليه شعري◆وشجاها من لحنه ما شجاني
- 67نـحنُ خلاَّنِ، رُبَّ روحٍ وروحٍ◆في سماءِ القريض يَلتَقيان
- 68رشفةٌ من منابع النيل تُربِي◆حسناتي في كِفَّةِ الميزان
- 69ووقوفي بهنَّ يمحُو الخطايا◆ويجبُّ الذنوب بالغفران
- 70أتُراني في موسم الحجِّ يَمَّمـ◆ـتُ حماكم أطُوفُ بالأركان؟
- 71أم تراني حسِبتُ زمزم يجري◆ماؤها، حيثُ يلتقي الرَّفدان؟
- 72ربَّ مغنّي من بين تلك المغاني◆جلَّ، حتى أجلَّهُ الحرمان
- 73سُحبٌ دَمعها يسيلُ سجامًا◆يَالدمع يجري بلا أحزان!
- 74أمَّةٌ أمُّها الطبيعةُ، والنِّيـ◆ـل أبوها، الأبُ الأبَرُّ الحاني
- 75وشُعاعٌ تزجيه شمسَ ضحوكٌ◆ذاتُ دلٍّ ومبسمٍ فتَّان
- 76وكنوزٌ لم يُكشف الستر عنها◆وأراضٍ عذراءُ غيرُ عوان
- 77أيها النيل، إنَّ شطك رمز الخُلـ◆ـد في ذلك الوجودِ الفاني
- 78أيها النِّيل، حول شطك شعبٌ◆يتحلَّى بسمرة الأبدان
- 79ذو خصالٍ مثل القواضيب بيضٍ◆ووجوهٍ في سمرة المُرَّان
- 80سمرةُ اللون في محيَّاه تُزري◆باخضرار الرياض في «نيسان»
- 81ولوَ أنَّ القلوب صارت وجوهًا◆كنتمو كالبدور في الألوان
- 82علَّم السُّحبَ جودُكم كيف تهمي◆وأمدَّ النيلين بالفيضان
- 83من أياديك -يا زمانُ، وما أنـ◆ـدَرَها!- رحلتي إلى السودان
- 84أنا فيه في منزلي وعشيري◆آنسٌ بالمكانِ والقُطّان
- 85شرُّ ما تُبتلى به نفسُ حرٍّ◆غربةُ الحرِّ، وهْو في الأوطان
- 86إنَّ مصرًا وإنَّ سودانَ مصرٍ◆في رضاعٍ وفي دمٍ أخوان
- 87وهما -منذُ كَّون اللهُ هذا الكـ◆ـونَ- شعبٌ ولا أقول اثنان
- 88ربط الله بيننا برباطَيْـ◆نِ وثيقين: الضّادِ، والقُرآن
- 89لن يَحُلَّ الإنسانُ ما عقدته◆قدرةُ اللهِ خالقِ الإنسان