محا البين ما أبقت عيون المها مني

محمود سامى البارودى

55 بيت

العصر:
العصر الحديث
البحر:
بحر الطويل
حفظ كصورة
  1. 1
    مَحَا الْبَيْنُ مَا أَبْقَتْ عُيُونُ الْمَهَا مِنِّي◆فَشِبْتُ وَلَمْ أَقْضِ اللُّبَانَةَ مِنْ سِنِّي
  2. 2
    عَنَاءٌ وَيَأْسٌ وَاشْتِيَاقٌ وَغُرْبَةٌ◆أَلا شَدَّ مَا أَلْقَاهُ فِي الدَّهْرِ مِنْ غَبْنِ
  3. 3
    فَإِنْ أَكُ فَارَقْتُ الدِّيَارَ فَلِي بِهَا◆فَؤَادٌ أَضَلَّتْهُ عُيُونُ الْمَهَا مِنِّي
  4. 4
    بَعَثْتُ بِهِ يَوْمَ النَّوَى إِثْرَ لَحْظَةٍ◆فَأَوْقَعَهُ الْمِقْدَارُ فِي شَرَكِ الْحُسْنِ
  5. 5
    فَهَلْ مِنْ فَتَىً فِي الدَّهْرِ يَجْمَعُ بَيْنَنَا◆فَلَيْسَ كِلانَا عَنْ أَخِيهِ بِمُسْتَغْنِ
  6. 6
    وَلَمَّا وَقَفْنَا لِلْوَدَاعِ وَأَسْبَلَتْ◆مَدَامِعُنَا فَوْقَ التَّرَائِبِ كَالْمُزْنِ
  7. 7
    أَهَبْتُ بِصَبْرِي أَنْ يَعُودَ فَعَزَّنِي◆وَنَادَيْتُ حِلْمِي أَنْ يَثُوبَ فَلَمْ يُغْنِ
  8. 8
    وَلَمْ تَمْضِ إِلَّا خَطْرَةٌ ثُمَّ أَقْلَعَتْ◆بِنَا عَنْ شُطُوطِ الْحَيِّ أَجْنِحَةُ السُّفْنِ
  9. 9
    فَكَمْ مُهْجَةٍ مِنْ زَفْرَةِ الْوَجْدِ فِي لَظَىً◆وَكَمْ مُقْلَةٍ مِنْ غَزْرَةِ الدَّمْعِ فِي دَجْنِ
  10. 10
    وَمَا كُنْتُ جَرَّبْتُ النَّوَى قَبْلَ هذِهِ◆فَلَمَّا دَهَتْنِي كِدْتُ أَقْضِي مِنَ الْحُزْنِ
  11. 11
    وَلَكِنَّنِي رَاجَعْتُ حِلْمِي وَرَدَّنِي◆إِلَى الْحَزْمِ رَأْيٌ لا يَحُومُ عَلَى أَفْنِ
  12. 12
    وَلَوْلا بُنَيَّاتٌ وَشِيبٌ عَوَاطِلٌ◆لَمَا قَرَعَتْ نَفْسِي عَلَى فَائِتٍ سِنِّي
  13. 13
    فَيَا قَلْبُ صَبْرَاً إِنْ جَزِعْتَ فَرُبَّمَا◆جَرَتْ سُنُحاً طَيْرُ الْحَوَادِثِ بِالْيُمْنِ
  14. 14
    فَقَدْ تُورِقُ الأَغْصَانُ بَعْدَ ذُبُولِهَا◆وَيَبْدُو ضِيَاءُ الْبَدْرِ فِي ظُلْمَةِ الْوَهْنِ
  15. 15
    وَأَيُّ حُسَامٍ لَمْ تُصِبْهُ كَهَامَةٌ◆وَلَهْذَمُ رُمْحٍ لا يُفَلُّ مِنَ الطَّعْنِ
  16. 16
    وَمَنْ شَاغَبَ الأَيَّامَ لانَ مَرِيرُهُ◆وَأَسْلَمَهُ طُولُ الْمِرَاسِ إِلَى الْوَهْنِ
  17. 17
    وَمَا الْمَرْءُ فِي دُنْيَاهُ إِلَّا كَسَالِكٍ◆مَنَاهِجَ لا تَخْلُو مِنَ السَّهْلِ وَالْحَزْنِ
  18. 18
    فَإِنْ تَكُنِ الدُّنْيَا تَوَلَّتْ بِخَيْرِهَا◆فَأَهْوِنْ بِدُنْيَا لا تَدُومُ عَلَى فَنِّ
  19. 19
    تَحَمَّلْتُ خَوْفَ الْمَنِّ كُلَّ رَزيئَةٍ◆وَحَمْلُ رَزَايَا الدَّهرِ أَحْلَى مِنَ الْمَنِّ
  20. 20
    وَعَاشَرْتُ أَخْدَانَاً فَلَمَّا بَلَوْتُهُمْ◆تَمَنَّيْتُ أَنْ أَبْقَى وَحِيداً بِلا خِدْنِ
  21. 21
    إِذَا عَرَفَ الْمَرْءُ الْقُلُوبَ وَمَا انْطَوَتْ◆عَلَيْهِ مِنَ الْبَغْضَاءِ عَاشَ عَلَى ضِغْنِ
  22. 22
    يَرَى بَصَرِي مَنْ لا أَوَدُّ لِقَاءَهُ◆وَتَسْمَعُ أُذْنِي مَا تَعَافُ مِنَ اللَّحْنِ
  23. 23
    وَكَيْفَ مُقَامِي بَيْن أَرْضٍ أَرَى بِهَا◆مِنَ الظُّلْمِ مَا أَخْنَى عَلَى الدَّارِ وَالسَّكْنِ
  24. 24
    فَسَمْعُ أَنِينِ الْجَوْرِ قَدْ شَاكَ مِسْمَعِي◆وَرُؤْيَةُ وَجْهِ الغَدْرِ حَلَّ عُرَا جَفْنِي
  25. 25
    وَصَعْبٌ عَلَى ذِي اللُّبِّ رِئْمَانُ ذِلَّةٍ◆يَظَلُّ بِهَا فِي قَوْمِهِ وَاهِيَ الْمَتْنِ
  26. 26
    إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَرْمِ الْهَنَاةَ بِمِثْلِهَا◆تَخَطَّى إِلَيْهِ الْخَوْفُ مِنْ جَانِبِ الأَمْنِ
  27. 27
    فَلا تَعْتَرِفْ بِالذُلِّ خِيفَةَ نِقْمَةٍ◆فَعَيْشُ الْفَتَى فِي الذُّلِّ أَدْهَى مِنَ السِّجْنِ
  28. 28
    وَكُنْ رَجُلاً إِنْ سِيمَ خَسْفاً رَمَتْ بِهِ◆حَمِيَّتُهُ بَيْنَ الصَّوَارِمِ وَاللُّدْنِ
  29. 29
    فَلا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَعِشْ◆مَهِيباً تَرَاهُ الْعَيْنُ كَالنَّارِ فِي دَغْنِ
  30. 30
    وَلا تَرْهَبِ الأَخْطَارَ فِي طَلَبِ الْعُلا◆فَمَنْ هَابَ شَوْكَ النَّحْلِ عَادَ وَلَمْ يَجْنِ
  31. 31
    وَلَوْلا مُعَانَاةُ الشَّدَائِدِ مَا بَدَتْ◆مَزَايَا الْوَرَى بَيْنَ الشَّجَاعَةِ وَالْجُبْنِ
  32. 32
    فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي الْمُدْنِ مَا شِئْتَ مِنْ قِرَىً◆فَأَصْحِرْ فَإِنَّ الْبِيدَ خَيْرٌ مِنَ الْمُدْنِ
  33. 33
    صَحَارٍ يَعِيشُ الْمَرْءُ فِيهَا بِسَيْفِهِ◆شَدِيدَ الْحُمَيَّا غَيْرَ مُغْضٍ عَلَى دِمْنِ
  34. 34
    وَأَيُّ حَيَاةٍ لاِمْرِئٍ بَيْنَ بَلْدَةٍ◆يَظَلُّ بِهَا بَيْنَ الْعَوَاثِنِ وَالدَّخْنِ
  35. 35
    لَعَمْرِي لَكُوخٌ مِنْ ثُمَامٍ بِتَلْعَةٍ◆أَحَبُّ إِلَى قَلْبِي مِنَ الْبَيْتِ ذِي الْكِنِّ
  36. 36
    وَأَطْرَبُ مِنْ دِيكٍ يَصِيحُ بِكُوَّةٍ◆أَرَاكِيَّةٌ تَدْعُو هَدِيلاً عَلَى غُصْنِ
  37. 37
    وَأَحْسَنُ مِنْ دَارٍ وَخِيمٍ هَوَاؤُهَا◆مَبِيتُكَ مِنْ بُحْبُوحَةِ الْقَاعِ فِي صَحْنِ
  38. 38
    تَرَى كُلَّ شَيءٍ نُصْبَ عَيْنَيْكَ مَاثِلاً◆كَأَنَّكَ مِنْ دُنْيَاكَ فِي جَنَّتَيْ عَدْنِ
  39. 39
    تَدُورُ جِيَادُ الْخَيْلِ حَوْلَكَ شُرَّباً◆تُجَاذِبُ أَطْرَافَ الأَعِنَّةِ كَالْجِنِّ
  40. 40
    إِذَا سَمِعْتَ صَوْتَ الصَّرِيخِ تَنَصَّبَتْ◆فَتُدْرِكُ مَا لا تُبْصِرُ الْعَيْنُ بِالأُذْنِ
  41. 41
    فَتِلْكَ لَعَمْرِي عِيشَةٌ بَدَوِيَّةٌ◆مُوَطَّأَةُ الأَكْنَافِ رَاسِخَةُ الرُّكْنِ
  42. 42
    وَمَا قُلْتُ إِلَّا بَعْدَ عِلْمٍ أَجَدَّ لِي◆يَقِيناً نَفَى عَنِّي مُرَاجَعَةَ الظَّنِّ
  43. 43
    فَقَدْ ذُقْتُ طَعْمَ الدَّهْرِ حَتَّى لَفَظْتُهُ◆وَعَاشَرْتُ حَتَّى قُلْتُ لاِبْنِ أَبِي دَعْنِي
  44. 44
    وَلَوْلا أَخٌ أَحْمَدْتُ فِي الْوُدِّ عَهْدَهُ◆عَلَى حَدَثَانِ الدَّهْرِ مَا كُنْتُ أَسْتَثْنِي
  45. 45
    وَرُبَّ بَعِيدِ الدَّارِ يُصْفِيكَ وُدَّهُ◆وَمُقْتَرِبٍ يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَمْ تَجْنِ
  46. 46
    وَمَا الْوُدُّ فِي الْقُرْبَى وَإِنْ هِيَ أَوْجَبَتْ◆وَلَكِنَّهُ فِي الطَّبْعِ وَالشَّكْلِ وَالْوَزْنِ
  47. 47
    إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْوَدِيدَيْنِ خُلَّةٌ◆فَلا أَدَبٌ يُجْدِي وَلا نَسَبٌ يُدْنِي
  48. 48
    فَذَاكَ أَخٌ لَوْلاهُ أَنْكَرْتُ كُلَّ مَا◆سَمِعْتُ بِهِ عَنْ أَحْنَفِ الْحِلْمِ أَوْ مَعْنِ
  49. 49
    فَإِنْ لَمْ أُصَرِّحْ بِاسْمِهِ خَوْفَ حَاسِدٍ◆يَنُمُّ عَلَيْهِ فَهْوَ يَعْلَمُ مَنْ أَعْنِي
  50. 50
    عَلَى أَنَّ ذِكْرَاهُ وَإِنْ كَانَ نَائِيَاً◆سَمِيرُ فُؤَادِي فِي الإِقَامَةِ وَالظَّعْنِ
  51. 51
    أَنُوحُ لِبُعْدِي عَنْهُ حُزْناً وَلَوْعَةً◆كَمَا نَاحَ مِنْ شَوْقٍ جَمِيلٌ عَلَى بُثْنِ
  52. 52
    فَمَنْ لِي بِهِ خِلّاً كَرِيماً نِجَارُهُ◆فَقَدْ سَئِمَتْ نَفْسِي مُعَاشَرَةَ الْهُجْنِ
  53. 53
    تُجَاذِبُنِي نَفْسِي إِلَيْهِ وَدُونَنَا◆أَهَاوِيلُ مُلْتَجِّ الْغَوَارِبِ مُسْتَنِّ
  54. 54
    لَعَلَّ يَدَ الأَيَّامِ تَسْخُو بِلُقْيَةٍ◆أَرَاهُ بِهَا بَعْدَ الْكَزَازَةِ وَالضَّنِّ
  55. 55
    وَإِنِّي وَإِنْ طَالَ الْمِطَالُ لَوَاثِقٌ◆بِرَحْمَةِ رَبِّي فَهْوَ ذُو الطَّوْلِ وَالْمَنِّ