رسائل إلى صديق من الحارة القديمة
محمد موفق وهبه257 بيت
- 1صديقيَ العزيزْ◆تحيةَ الأشواقِ منْ فؤادِيَ المُقيمْ
- 2على الوَفا لِلصَّاحِبِ القديمْ◆لِذكرياتٍ لمْ تزلْ تحيا بِنا حَميمَهْ
- 3لِعُمُرٍ عِشناهُ في حارَتِنا القديمَهْ◆اليومَ يا صديقيَ العزيزْ
- 4وصلتُ للنتيجةِ الحَتْمِيَّهْ◆تلك التي كانت على باصرَتي خفيَّهْ
- 5عرفتُ أنَّ كلَّ ما نادتْ بهِ الحكمةُ والأديانْ◆عنْ رابطٍ يجمعنا يدعونه الإخاءْ
- 6تَغزِلُهُ ثم تحيكُهُ لنا المَوَدَّهْ◆براحَتَي حنانِها مخدَّهْ
- 7قدْ طارَ في الهواءْ◆وأنَّ ما قدْ حصَّنَ الإنسانَ بالإنسانْ
- 8في غابرِ الأزمانْ◆أجنحةٌ لِطائرِ الحنانْ
- 9كانتْ على هُمومِنا مُمْتَدَّهْ◆شِعارُها: الوِدادُ بينَ الناسِ منْ عِبادةِ الرَّحمنْ
- 10وحينما تَبَرَّأَ الإنسانُ من إنسانهِ◆وسيطَرَ الشّرُ على إحسانهِ
- 11وأحرق الكونَ لظى عدوانِهِ◆ودمّرَ الحُبَّ وخانَ عهدَهْ
- 12هاجر ذاك الطائرُ الحبيب من ربوعِنا◆لم تُجدِ في استعطافِه الأنهارُ من دموعِنا
- 13وكم دعونا الله أن يردَّهْ..!◆لمْ يَبْقَ في الإنسانِ إلا صورةُ الإنسانْ
- 14تملؤها الشُّرورُ والأحْقادُ والأطماعْ◆يهوي بها التقهقرُ المخيفُ للضَّياعْ
- 15وكانَ في كوكبِنا يعيشُ فيما بينَنَا في مَرْتَعِ الحَياهْ◆في مرتع الإخلاص والعرفانِ والإحسانْ
- 16وحينما أغضبَ في أعمالِهِ الدَّنِيَّةِ الإلهْ◆وَاراهُ حيّاً أهلُهُ في جَدَثِ النِّسْيانْ
- 17فلمْ نعدْ نسمعُ عنهُ اليومَ أوْ نَراهْ◆فإنْ تسلْ عنهُ نُجِبْكَ كانْ
- 18فيما مضى منْ سالفِ العصورِ والأوانْ◆يعيشُ فيما بيننا إنسانْ
- 19رَمَتْهُ مِنْ عَلْيائِهِ.. من عالم النّقاءْ◆مِنْ عالمِ الفَضيلَهْ
- 20مِن عالمِ الجمالْ◆بَراثِنُ الرَّذيلَهْ
- 21فَغاصَ في الأوحالْ◆عنْ رابطٍ يجمع من في الأرضِ من سُكّانْ
- 22يدعونه الإخاءْ◆تَغزِلُهُ المَوَدَّهْ
- 23لم يبق إلا حسرةٌ في الناسِ◆فقلتُ حين لم ترَ العينانِ غيرَ خيبةٍ وياسِ
- 24وَا عَجَبي..!◆تعرّت الغصون من أزهارها البيضاءْ
- 25وأكل الهوانُ ما في مَرجِنا من يابسٍ وغَضِّ◆واقتحمت خناجرٌ مسمومةٌ بالبغضِ
- 26تُمزقُ الجُسومَ والأرواحْ◆وا عجبي مِنْ عالَمٍ صارَ بهِ الإنسانُ لِلإنسانِ مُسْتَباحْ..!
- 27في دمهِ ومالِهِ وَالعِرْضِ◆وَا عَجَبي ممن براه الله من طين وماءْ..!
- 28فكان جباراً على الأقرانْ◆وقلبُهُ من حجرٍ صوّانْ
- 29وا عجبي.. كَأنَّ مَنْ يَحْيَوْنَ في كَوكَبِنا◆ليسوا بني الإنسانْ..!
- 30كأنَّ من يَحيَونَ فيما بيننا◆من جندِ إبليسٍ ومن سلالة الشيطانْ..!
- 31تسألُني عنْ ذكرياتٍ لمْ تزلْ في البالْ◆فوّاحةً مخضلةَ الأكمامْ
- 32كأجمل الأحلامْ◆ما أعجبَ السؤالْ..!
- 33وأنت من شاركني طفولتي السعيدهْ◆تلك التي لمْ تستطع مباضِعُ الأيَّامْ
- 34أن تنزع الفتنةَ والجمالْ◆عن وجهها فلم تزلْ وليدةً جديدَهْ
- 35ولم تزلْ حديقةً وارفة الظلالْ◆نديةً مُزهرةً غنّاءْ
- 36ترتاح في الذاكرة الصفراءْ◆أذكرُ أنَّا لمْ نكنْ نعرفُ إلا الحبَّ والسلامْ
- 37لمْ يكنِ الخصامْ◆يُبعدُنا عنْ ضحْكِنا وَلَهْوِنا الحلالْ
- 38أكثرَ مِنْ هُنَيْهَةٍ فَريدَهْ◆مَهما تشاجَرْنا معَ الأطفالْ
- 39في الحارَةِ الأخرى وفي الأزقَّةِ البعيدَهْ◆لا بُدَّ أنْ يسودَ في النِّهايَةِ السلامْ
- 40لابُدَّ أنْ يَلُمَّنا السلامْ◆لابُدَّ أن يَضُمَّنا لِصَدْرِهِ الوِئامْ
- 41مازالَ رسمُ حارتي في داخِلي يَطوفْ◆يَحضنني، أحضنهُ في أضلُعي، في خاطري ينامْ
- 42يَسكُنُ في بالِيَ لا يَضيعُ مِنِّي لحظةً يلوحُ كالطيوفْ◆أبُثُّه الهُمومَ والأشواقَ والهُيَامْ
- 43يُنيرُ دَربي كُلَّما حاصَرَنِي الظلامْ◆في غابَةِ المدينَةِ السَّوداءْ
- 44وكلما ادلَهَمَّ أُفْقُها المخيفْ◆وأُغلِقتْ نوافِذُ الفضاءْ
- 45بِسُحُبِ الدّخانِ والسُّخامْ◆واختنقَ الفُؤادُ لا شَمسٌ ولا هواءْ
- 46وغاصَ في الضَّجيجِ وَالضَّوْضاءْ◆وابتَلَعَتْهُ أبحرُ الزِّحامْ
- 47وكادَتِ الأقدامْ◆تَدوسهُ فَيَأتي رسمُها العتيقْ
- 48منْ داخِلي تَأتي إلَيَّ حَارَتِي، يَأتي إلَيَّ طَيفُها الرَّفيقْ◆يَنْتَشِلُ الغَريقْ
- 49مازِلْتُ يا صَديقْ◆بالرغم من جَورِ الزمانْ
- 50بالرغم مما صنعَت جنودُه بجسميَ الضعيفْ◆في غزوها العنيفْ
- 51بالرغم من ذاكرتي السقيمَهْ◆أذكُرُ كلَّ ساكِنٍ في حارَتي القَديمَهْ
- 52وَكُلَّ منْ قدْ رَحَلوا عنها ولمْ يَعودوا◆وكلَّ منْ طاب له من بعدهم مربعُها وظلها الممدودُ
- 53ورابطُ الوئام والإخاءِ والعيشُ الرغيدُ◆جميعُهم لم ينزحوا عن جنة الوجدانْ
- 54لا الشيخُ لا الفتى ولا الوليدُ◆ما زلتُ أحيا معهم في ظلها الوريفْ
- 55كأننا لم نفترق ولم تشتت شملنا الأنواءْ◆لم تبتلع طيوفَهم مَغاوِرُ النسيانْ
- 56وإنما قد غَيَّبتْ أجسادَهم في جوفِها المخيفْ◆عمالِقُ الإسمنت في المدينة الشّوهاءْ
- 57قدْ يشمخ البِناءُ في مدينةِ الدّخانْ◆لكنّ جوفه الكبيرَ لا يحوي سوى أجسادْ
- 58جمعها المكانْ◆لم يربطِ الوِئامْ
- 59أرواحَها التاهَت بغيرِ وادْ◆فها أنا في محشرٍ يغصُّ بالأنامْ
- 60ومنْ يعيشونَ مَعي يُحْصَونَ بالألوف والألوفْ◆لكنني أعيش بينهم بلا فؤادْ
- 61أعيش بينهمْ وروحي عنهمُ بعيدَهْ◆هاربةٌ شريدَهْ
- 62تجول في فدافدِ الزمانْ◆دائمةَ المسعى وقلبي خلفها رديفْ
- 63على جناحٍ دائم الرفيفْ◆لا يَنِيانِ يبحثانْ
- 64عن منبع الحنانِ والودادْ◆عن جنةٍ مفقودَهْ
- 65داست على رفاتها المدينة الحقودَهْ◆شتان بين أمسنا وهذه الأيامْ
- 66يجمعنا المكانْ◆كأنَّنا في الكُتُبِ الكَلامْ
- 67واندَلَقَ الحبرُ على أوراقِها، فليس إلا برقعُ السّوادْ◆لاشيءَ مِمَّا كانَ في حاراتِنا القديمَهْ
- 68يَلمُّنا يضمنا بأضلع الحنانْ◆والمهجةِ الحانيةِ الرحيمَهْ
- 69لاشيءَ مما كانْ◆تَراهُ في المدينةِ الخرساءْ
- 70في كلِّ بُقعَةٍ منَ المَدينَةِ السوداءْ◆في كُلِّ شِبرٍ يلتقي الأحياءُ بالأحياءْ
- 71في كلِّ حينٍ يُمكِنُ اللِّقاءْ◆يمشونَ يلتقونَ بالمئاتِ والمِئاتْ
- 72جحافلٌ جحافلٌ.. لا تنتهي الصفوفُ والزحوفْ◆في السّوقِ في الشَّوارِعِ الكُبْرى وَفي السَّاحاتْ
- 73في مَدخَلِ البِناءِ أو فوقَ الرَّصيفْ◆وقدْ يُعَبَّؤونْ
- 74في جوف مصعدٍ كما الفراخُ في أقفاصِها الصغيرهْ◆تَضُمُّهمْ حافِلَةٌ مَصْرورَةْ
- 75قدْ يُسندُ الكِتْفُ إلى الكِتْفِ وقدْ تَناطَحُ الرُّؤوسْ◆وَتُحشَرُ الآذانُ وَالأُنوفْ
- 76وتُبحِرُ العُيونُ في العُيونْ◆تحملها أشرعة الذُّهولِ وَالعُبوسْ
- 77صُمٌّ وَبُكمٌ لَيْسَ يُدنيهمْ سلامُ اليَدِ والكلامْ◆كَأَنَّما أَجسادُهُم بِلا نُفوسْ
- 78كأنَّهمْ حِجارَةٌ.. أصنامْ◆فكيفَ يسمعونْ..؟
- 79أوْ ينطقونْ..؟◆إذا غزت جيوشُ الاِكتِئابْ
- 80فؤاديَ المشوقْ◆وزاد من وجيبِهِ التّذكارْ
- 81وعاده الحنينُ للديارْ◆لمربعِ الأصحابِ والأحبابْ
- 82وساد في أنحائه هَمٌّ وضيقْ◆أحنو عليه مشفقاً أمّاً على الوليدْ
- 83أُركِبُهُ أرجوحةَ النشيدْ◆أضمه أسكب في مسمعه ألحانيَ العِذابْ
- 84أندى أهازيجي وأغنياتي◆أروعَ ما غنيتُ في حياتي
- 85أُجلِسُه بجانبي ودونما عتابْ◆أُقَلِّب الصفحاتِ والصفحاتِ
- 86في دفترٍ أوراقهُ الأيامْ◆سطورُه محفورةٌ في البالِ لمْ تخطَّها أقلامْ
- 87أجول فيها بينَ ذكرياتي◆نقرؤها معاً فنستعيدْ
- 88سُويعَةً من عُمُرٍ سعيدْ◆عُمْرٍ من الهناءِ والسلامْ
- 89عشناه في مرابع الكرامْ◆في حارتي في المَرْبَع الرغيدْ
- 90فينجلي الضبابْ◆ويرجع الصفاءُ لا همٌّ ولا اضطرابْ
- 91صديقيَ الودودْ◆لَمْ تَبرَحِ الأَعيادُ في حارتنا أَحلامي
- 92ولم تزل أطيافها ماثلةً أمامي◆ولم يزلْ فؤاديَ العميدْ
- 93يذكُرُ كلَّ عيدْ◆مَرَّ عليها عِشْتُهُ فيها معَ الأحبابِ والأصحابْ
- 94إذْ كُنتُ لا أنامُ لا يَغلِبُني النُّعاسْ◆في لَيلَةِ العيدِ وَإن نِمتُ فَقَبلَ أَن يُفيقَ النّاسْ
- 95وقبلَ أن يستيقظ الشحرورُ والعصفورْ◆يوقِظُني السُّرورْ
- 96وحينما يشرع ديكُ الفجرِ بالصياحْ◆مُصَفِّقاً يُبشر النيام بالصباحْ
- 97يَشعُّ في جسمي انتعاشْ◆تستيقظُ الأعصابُ والعُروقُ
- 98فلا أعودُ أرتضي السكونَ أو أطيقُ◆أجول في الغرفاتِ كالفَراشْ
- 99أُهيب بالجميع أن يغادروا الفِراشْ:◆" قد سطعَ الشعاعْ
- 100وفَتَّحَ الصُّبْحُ افْتَحوا أعيُنَكُمْ أفيقوا◆عيدٌ مُبارَكٌ ". وَأعدو أفتحُ المِذياعْ
- 101يُسْمِعُنا تَرنيمةَ التوحيدْ◆تُظِلّنا بالحبِّ وَالوِئامْ
- 102تطربنا بأعذبِ الكلامْ◆فتعبَقُ الأجواءُ بالتغريدْ
- 103ونلبسُ الجديدْ◆"عيدٌ سعيدْ "
- 104" أعادَه اللهُ عَلى الأَنامْ "◆" باليُمْنِ والخيراتِ والسلامْ "
- 105يقولها أبي لنا مُنشرِحَ الفؤادِ◆فنلثمُ الوَجْناتِ والأيادِي
- 106وعِنْدَها يكونُ قدْ حانَ الذَّهابْ◆إذْ نَسْمَعُ الصَّفيرَ منْ رِفاقِنا يَخْتَرِقُ الأبوابْ
- 107نخرجُ مسرعينْ◆وتَمْتَماتُ أُمِّنا بِصَوتِها الحَنونْ
- 108تَصدَحُ مِنْ وَرائنا تَلْهَجُ بِالدُّعاءْ◆نمضي معَ الأقْران حيث ترسمُ الأهواءْ
- 109نقطفُ كلَّ مُتْعَةٍ تسوقنا لها الرغائبْ◆منَ المُفَرْقَعاتِ لِلْحَلوَى لِصُنْدوقِ العَجائِبْ
- 110ثُمَّ إلى أُرْجوحَةِ الحِبالِ◆يَدْفَعُها الأطفالُ لِلأطفالِ
- 111تطير في الفضاء كالعُقابْ◆تَعْلو وَتَعْلو ثمَّ تَهوي مثلما الشّهابْ
- 112ثمَّ تعودُ تَسبِقُ النسورَ للأَعالي◆أينَ رفاقُ حارَتي..؟ يا ليتنا نعودْ
- 113هَيهاتَ لَوْ تلمُّنا الحياةُ منْ جديدْ◆هَيهاتَ لوْ يجمَعُنا طريقْ
- 114هيهاتَ يا صديقْ◆صديقيَ الحبيبْ
- 115مَهْما تلاعَبَتْ بِنا بَراثِنُ التَّشتيتْ◆فَلَم يَزَل في خَلَدي يَعيشُ ما حييتْ
- 116بائِعُنا الطَّروبْ◆با ئعُنا الغِرّيدُ بَلْ صَدّاحُنا الجَوّالْ
- 117يدورُ مُعلِناً عن الثمارِ لا ينالُه الكلالْ◆يسبقه النشيدُ نحو حَيِّنا.. فترقصُ الدّروبْ
- 118ويُهرَعُ الأطفالْ◆فيملأ الجيوبَ من حبّاته الحمراءْ
- 119وتنعمُ الطّاقاتُ وَالأَبواب بالغناءْ◆وتنتشي الأنحاء والأجواءْ:
- 120" دِرِنْ دِرِنْ .. يا زَعْبوبْ "◆" البِذرُ بُنْ يا زعبوبْ "
- 121يصدحُ في الحاراتِ والأحْياءْ:◆" يشفي من الأوصابْ .. خذ منه للأحبابْ "
- 122" شَهْدٌ مُذابْ "◆" لِلثَّغْرِ طابْ "
- 123" يا زعبوبْ "◆بِضاعَةٌ لولا النشيدُ ما عرفناها:
- 124" يا حُلْوُ قَرّبْ "◆" خُذْ مِنْهُ جَرّبْ "
- 125" حُمْرُ الخدودْ "◆" لَوْنُ الوُرودْ "
- 126حَبَّبَها لِلعالَمينَ حينَ سَوّاها◆أُنشودَةً يَلذُّ لِلآذانِ مَغناها
- 127حَتّى غَدَتْ أبوابُنا تَهواها◆فَما أُحَيْلاها وَمَا أشْهاها
- 128فأينَ مِنَّا اليومَ ذاكَ البائعُ الطروبْ◆لَعَلَّهُ قَدْ تاها
- 129أو غاص بالعتمة في مدينة الظلامْ◆أو أغرقته أبْحُرُ الزِّحامْ
- 130أو أنها وارتْهُ في ضجيجِها شَوارِعُ النِّسيانْ◆فغصّ بالألحانْ
- 131تسألني عنْ ذكرياتٍ لم تزلْ فوّاحةَ الأزهارْ◆ما شوَّهتْ جمالَها الأكدارْ
- 132بالرغم من جحافلِ الخُطوبْ◆خبَّأها وراءهُ الزَّمانُ لا تغيبْ
- 133عَنْ أُفقِ بالي لَحظَةً لَيلاً وَلا نَهارْ◆حدائقٌ مرفوعةُ البنيانْ
- 134ما خطرتْ لأهلِ بابِلٍ ولم تبلغْ مقامَ حُسنِها الفتّانْ◆أيٌّ من الجِنانْ
- 135لمّا تَزَل تنفحني بالطّيبْ◆مُقيمَةٌ في خاطِري ليستْ تَجوزْ
- 136مهما ترامتْ فوقَها أقنِعَةُ الزَّمانْ◆ما عِشتُ لا أنساه ذاكَ البائعَ العَجوزْ
- 137يهزجُ للأطفالِ بالأشعارْ:◆" إليَّ يا صغارْ "
- 138" إلَيَّ يا حَسّونُ يا كَنارْ "◆" حلاوَةُ السُّمْسُمِ وَالجَوْزِ "
- 139" حلاوَةُ اللَّوْزِ "◆" بِنِصْفِ دِرْهَمٍ بِدرهمٍ تَخَيرْ دونَ أَن تَحتارْ "
- 140" ما تَشتَهي مِنْ روضةِ الأزهارِ والثمارْ "◆" حلاوَةٌ بِنَكْهَةِ التفاحِ والمَوْزِ "
- 141" حلاوَةُ الفُسْتُقِ والحَليبِ "◆" تعالَ يا حبيبي "
- 142" تعالَ يا حسونُ يا كَنارْ "◆" ماذا يُحِبُّ الطَّيرُ أن يَختارْ "
- 143منْ أجملِ الكلامِ كانَ ذلكَ الكلامْ◆يَغْرِسُ ذلكَ العجوزُ بِذْرَةَ الوِئامْ
- 144يغرس باللسانْ◆شُجَيرَةَ الوداد والحنانْ
- 145يَزرَعُ في أَفئِدَةِ الصِّغارْ◆أنفسَ ما يملكُ مِن بِذارْ
- 146فَأَينَ يا صَديقِيَ الصِّغارْ◆أينَ تُرى الحسونُ والكنارْ
- 147أعشاشُها تهدمتْ بمعوَلٍ جَبّارْ◆صارتْ تُراباً تحتَ أبراجِ المدينَهْ
- 148طارَتْ بعيداً مَزَّقَتْ أسْرابَها السُّطوحُ وَالمآذِنْ◆وَسَوَّدَتْ ألوانَها الجميلةَ المَداخِنْ
- 149وَا حَسْرَتاهُ.. لَيتَها تؤوبْ◆ما أبشعَ العَمارْ
- 150إن كان ما يترُكُهُ في الأنفسِ الدّمارْ..!◆ما زال يا صديقُ طيفُ البائعِ الوَدودْ
- 151يزورني في الحلْم مُنذُ زَمَنٍ بَعيدْ◆يلوح في بالِيَ حين أنشُد السكينَهْ
- 152وَرُبَّما القَليلُ مِن رِفاقِنا الّذينَ يَعرِفونَهْ◆كُنّا صِغاراً عِندَما كَفَّ عَنِ الورودْ
- 153لِحَيِّنا فَكَيفَ يَذكُرونَهْ..؟◆غادَرَنا قُبَيلَ أن تُجتَثَّ من جذورها الدَّوالي
- 154وتُمسَخَ الأفياءُ في ساحاتِنا بمنجَلِ الجُهّالِ◆ليشربَ الهجيرُ قطراتِ الندى التبكي على الظلالِ
- 155وتأكلَ الرّمضاءُ ما فيها منِ اخضلالِ◆وتُمْحَقَ الخُضْرَةُ والزَّهَرْ
- 156غادرنا قُبَيلَ أَنْ تُحَزَّ أَعناقُ الشَّجَرْ◆ترمى نواصيها إلى التُّرابْ
- 157وتغتدي الفُروعُ والجُذوعْ◆وقد قضت أعمارَها تزهو على البَشَرْ
- 158تمرحُ في الأعالي◆برفقة الحسون والشحرور والقَمَرْ
- 159غادرنا قبيلَ أن يَهْجُرَنا الينبوعْ◆ويصمُتَ الخرير في النَّهَرْ
- 160فلم يعد ينسابْ◆ولم يعد يؤمُّه الأترابْ
- 161ليسبحوا بمائه الزلالِ◆غادرنا قُبَيلَ أن نأسى على الربيعْ
- 162ونسكُبَ الدموعْ◆حينَ غدتْ فردوسُنا سَقَرْ
- 163غادَرَنا قُبَيلَ أَن يُهَدّمَ البُنيانْ◆في حيِّنا فتركعَ الجُدرانْ
- 164وتسجُدَ السُّقوفُ والقبابْ◆وتندُبَ الأَعتابُ وَالأبوابْ
- 165أيامَها الخوالي◆غادرنا قبيلَ أَن تَغتالَنا شَوارِعُ المَدينَهْ
- 166وتغزوَ الحضارةُ الملعونَهْ◆حضارةُ التكييفِ والتبريدْ
- 167أحلامَنا، آمالَنا، تلعبُ فينا كيفَما تريدْ◆فلَم نَعُد نراه من سِنينْ
- 168حارَت به الظنونْ◆غدا من الأحلام من فردوسنا المفقودْ
- 169وليس كلُّ حلُمٍ يعودْ◆فهَل عَرَفتَ الآنَ مَن يَكونْ..؟
- 170مازالَ مُذْ غادَرنا في البالِ◆يَجولُ في مراتِعِ الخَيالِ
- 171يَصدَحُ بالمَوّالِ◆حِمارُهُ الأَسوَدُ مِنْ وَرائِهِ يَنوءُ بالأحمالِ
- 172أَلا تَعيهِ بائِعَ السَّويقْ..؟◆ألا تعي مُطرِبَنا العَريقْ..؟
- 173إذْ طالما أضحَكَنا غِناؤه الطَّليقْ..!◆يَجيءُ من وادٍ عَميقْ
- 174يأكلهُ الصَّدى◆يَزيدُ من إبهامِهِ المَدى
- 175وقَدْ يغيبُ صوتُهُ يَغوصُ مُبعِدا◆يغمره السكوتْ
- 176وفَجأَةً يَعودُ مُصْعِدا◆يَعلو ويَعلو كلّما دَنا منَ البُيوتْ
- 177يُعينُهُ الحِمارُ بالنهيق◆معْ كُلِّ خُطوَةٍ على الطريقْ
- 178يخترقُ الجدرانَ والأسوارْ◆لِيَطْرقَ الآذانْ
- 179إذ لَيْسَ يَنْجو مِنْ غِنا حِمارِهِ مَكانْ◆فتُفْتَحُ الأبوابُ تَمْتَدُّ الأيادِي دونما اصطبارْ
- 180بالثَّمَنِ الزَّهيدِ أو بخبزِها اليَبيسِ◆وتُهرَعُ البناتُ والصِّبيانْ
- 181يسبقهم حبورُهم، إليه بالصحونِ والصِّحافِ◆مِنْ (لابِسٍ) حِذاءَهُ يعدو ونِصْفِ (لابِسٍ) وَحافِ
- 182ساعينَ بَيْنَ أمَّهاتِهمْ وَبينَ بائعِ السَّويقْ◆وَتُمْلأ الأجواءُ بِالهُتافِ:
- 183" يَا بائِعَ السَّويق يَا.. يا بائِعَ السَّويقْ "◆وَتُملأُ الصحافُ والصحونُ يا لَبَهجَةِ القلوبِ والنفوسِ
- 184كَأَنَّها مِنْ وَهْجِها قدْ مُلِئَتْ بَالدُّرِّ أوْ بِاللُّؤْلُؤِ النَّفيسِ◆وحينَما ينتصفُ النَّهارْ
- 185يجلسُ ذاكَ البائعُ المُجَهدُ في الظِّلِّ إلى جِدارْ◆يُريحُ جِسمَهُ منَ الطوافِ
- 186غَيرَ بعيدٍ عَنْ رفيقِ دربِهِ الحِمارْ◆وحولَهُ مِنْ زَحْمَةِ الأطفالْ
- 187وَيَسْألُ الشيخَ الذي أنهكَهُ الهَجيرُ والمَسيرْ◆" مِنْ أيْنَ يا عمَّاهُ تأتينا بهِ هلْ تشتريهِ ذلكَ السَّويقْ..؟ "
- 188فيفتحُ العَينَ التي تاقتْ إلى الرّقادِ◆مُبْتَسِماً يرنو إلى الأولادِ
- 189يبحث عن ذاك الذي أيقظهُ بِرَنَّةِ السُّؤالْ:◆" أحسنتَ يا صديقْ
- 190آتي بهِ مِنْ قِمَمِ الجبالْ◆قُبَيلَ أنْ يَزورَنا الرَّبيعْ
- 191يكونُ ذاكَ الجبلُ الحاني على قريتِنا أمّاً على الرضيعْ◆مازالَ في لِباسِهِ البَديعْ
- 192نَسَجَهُ الثلجُ له بذوقه وفنّهِ الرفيعْ◆فكان أحلى لوحةٍ أبدعها رسّامْ
- 193فبلغ التمامْ◆ألقاهُ فوقَ مَنكِبَيْهِ بُرْنُساً.. عَباءةً.. رِداءْ
- 194وَلَفَّ حَوْلَ القِمَّةِ الشَّماءْ◆عَمامَةً عظيمَةً بَيضاءْ
- 195فَنَحْنُ يا أصحابيَ الكِرامْ◆في مَوسِمِ الثلجِ بِكُلِّ عامْ
- 196قُبَيلَ أنْ يرحلَ عن قريتِنا الشِّتاءْ◆نمضي إلى العَمامَةِ البيضاءْ
- 197بِمِبْضَعِ الحديدِ بالسِّكينِ بِالرَّفْشِ◆نَقُصُّ مِنْ نَسيجِها الثلجيِّ ما نَشاءْ
- 198نَحْشو بِهِ أجوافَ أكياسٍ مِنَ الخَيْشِ◆أنا وَزَوْجَتي وأولادي وَمَنْ يَسطيعُ مِنْ أحفادي
- 199كأننا في موسم الحصادِ◆نعمل دائبين كالنّحل من الكبيرِ للصّغيرِ
- 200نحملُ بعضَها على الجِيادِ◆ونحملُ البعضَ على الحَميرِ
- 201إلى مغارَةٍ لَنا قريبةٍ في الوادِي◆نحفظها فيها إلى ميعادِ
- 202إذ حينَما يفورُ حَرُّ الصيفِ كالتَّنُّورِ◆وَيَلفَحُ الأجواءَ والأشياءَ والسُّكانْ
- 203ولم يَعُدْ يُنقذنا الظّلُّ منَ الحَرورِ◆يكونُ قدْ آنَ الأوانْ
- 204فأقصدُ المكانْ◆في كل يومٍ قبلَ أن أنامَ في المساءْ
- 205أَدخلُ عبرَ جوفِه المقرورِ◆أُخرجُ مِالأكياسِ ما أشاءْ
- 206وحينما يصيحُ ديكُ الفجرِ في ميلاده الوشيكِ◆مُسَبِّحاً للبارئِ المَليكِ
- 207أكونُ قدْ صرتُ على الطريقْ◆وحينما يشتعلُ النهارْ
- 208ويَلفَحُ الهجيرُ كلَّ ساحةٍ ودارْ◆أكونُ في المدينَهْ
- 209أجولُ في أحيائها مُنادياً.. وخلفيَ الحمارْ◆أعلنُ عن بِضاعَتي.. عن فضّةٍ مكنونَهْ:
- 210" تعالَ يا حرّانُ.. هيا بَرّدِ العُروقْ "◆" هيَّا إلى السَّويقْ "
- 211صَديقُ مَهما بَعُدَ الزَّمانْ◆وَشَوَّهَ الضَّجيجُ وَالزِّحامُ والدّخانْ
- 212ما كانَ مِنْ مَفاتِنِ المَكانْ◆واندثرتْ مرابعُ الجَمالْ
- 213فَلَمْ أزَلْ أذكُرُ ذاكَ البائِعَ الجَوَّالْ◆وحَولَه الأطفالْ
- 214وَلَمْ تَزَلْ طاساتُهُ الحِسانْ◆تَرنُّ في ذاكِرَتي وَصَوتُهُ الحَنونُ في الخَيالْ:
- 215" تِرِنْ تِرِنْ.. تَعالَ يا عَطْشانْ "◆" اشربْ شَرابَ السّوسْ "
- 216" تِرِنْ تِرِنْ.. بالثلجِ عِرْقُسوسْ "◆" تَعالَ بَرِّدْ دَمَكَ الحَرَّانْ "
- 217" تِرِنْ تِرِنْ "◆زَغْرَدَةٌ مَمْهورَةٌ بأعذبِ الألحانْ
- 218تُطْرِبُ كُلَّ النّاسْ◆أغنيةٌ من طائرٍ غِرّيدْ
- 219تَأتي إلى حارَتِنا مُطربةَ النشيدْ◆مِنْ حارة نائيةٍ أو شارعٍ بعيدْ
- 220على جناحِ صوتهِ الرّنّانْ◆كَأَنَّها زَغْرَدَةُ الأعْراسْ
- 221تُرَطِّبُ الأجْواءَ بِالرَّذاذِ والعبيرْ◆بِنَسمَةِ الجَنّاتِ في الهَجيرْ
- 222ويُسرِعُ الصَّغيرُ وَالكَبيرْ:◆" نُريدُ عِرْقَسوسْ
- 223نُريدُ عِرْقَسوسْ "◆وَتُمْلأُ الكُؤوسْ
- 224وَتَرتَوي الحُلوقُ وَالأبْدانْ◆ويترُكُ البَهجَةَ فِينا تلثم الأعتابَ والأبوابْ
- 225مبتعداً عن حيّنا لِغَيرِه وغيرِه.. جَوّابْ◆مُخَلِّفاً وراءه في كلّ مُهجَةٍ صَدىً مُذابْ
- 226كَأنَّما الرَّنينُ مِنْ طاساتِهِ شَرابْ◆سَقاهُ للآذانْ
- 227فَأسْكَرَ الوجْدانْ◆شتته العمرانْ
- 228فآل للخرابْ◆لو أنصفَ الزمانْ
- 229لم يُبعِدِ الأحبابْ◆عن مرتع الصّبا وعن مرابع الشبابْ
- 230ودون أن يُبالي◆جرّدنا من أروعِ الخِصالِ
- 231سلَبَنا الإحساسَ بالجَمالِ◆واستَلَّ من قلوبنا الفَرَحْ
- 232غمّسَها بالوَحلِ كي لا تعرفَ المرَحْ◆أبعدَ عن نفوسنا براءَةَ الأطفالِ
- 233حرَمها من علبةِ الألوانْ◆بدَّلها بالهمِّ والأحزانْ
- 234فلم يعدْ يزورنا بعدَ المطرْ◆ولم نعُدْ نضحك للقمرْ
- 235والتّبرُ في الأفق انسفَحْ◆ذكراه في صدورِنا مجبولةٌ بالشوقِ والجَوى
- 236زوالُه ما كانَ بالحُسبانْ◆كان من المُحالِ
- 237بكاؤنا يوماً على الأطلالِ◆ما زلتُ يا صديقْ
- 238تلسعني الجراحُ والحروقْ◆ولم يزل فؤاديَ المشوقْ
- 239يسأل في الغُدُوِّ والآصالِ◆عن حارتي، يغصُّ بالسؤالِ
- 240فتَشرَقُ المُهجَةُ بالدموعْ◆فإن تَسَلْ صديقُ عن أحوالي
- 241فإنني أحمل في الضلوعْ◆وعَبرَ كلِّ لحظةٍ على مدى الأيامْ
- 242في الصحوِ والمنامْ◆تظلُّ ذكرياتها تضوعْ
- 243أحمل منها صُوَراً وصُوَراً تَلوحُ في خَيالي◆هِيَ البَساتينُ التي أَبْحَثُ عَنْ أَشجارِها الظليلهْ
- 244أقيلُ في حنانها مهجتِيَ العليلَهْ◆ألوذُ هارباً إلى نسماتِها البليلَهْ
- 245تُجيرني من هذه المدينةِ القائظةِ الظلالِ◆وإن تسلْ عنْ أيِّ شيءٍ داسَهُ النسيانُ عِنْدَكْ
- 246تَجِدْهُ حاضراً مَعي في البالِ◆لم ينسَ عهْدَكْ
- 247ولمْ يُشَتِّتْ شَمْلَهُ الزمانُ بَعْدَكْ◆صديقُ: إنْ عَرَفتَ أيَّ واحدٍ مِنَ الرِّفاقْ
- 248مِنَ الذينَ وُلِدوا.. تَرَعْرَعوا.. في ذلكَ الزُّقاقْ◆مِنْ حَيِّنا في الحارةِ القَديمَهْ
- 249فَأَعْطِهِ، أرجوكَ، رَقْمَ هاتفي وَاكْتُبْ لهُ العنوانْ◆أَوْ دُلَّني عَلَيهْ
- 250أو دُلَّهُ عَلَيَّ بل خُذني إِلَيهْ◆فإنها الغنيمَهْ
- 251بل إنها فرصتنا العظيمَهْ◆أن يلتقي الخِلان بالخِلانْ
- 252لعلنا نُعيدْ◆ما قد مضى من إرثِنا التليدْ
- 253داسَتْ عَلى جَبينِهِ المَدينَةُ العَمياءْ◆لعلَّنا نسطيعُ أن نُحَرِّكَ الإنسانْ
- 254نرجعَه من غربة الجحود والنكرانْ◆إلى رُبى النقاءْ
- 255لَعَلَّنا نقدِرُ من جديدْ◆أن نرفعَ البناءْ
- 256في ساحةِ الوجدانْ◆* السويق: ما يتخذ من الحنطة والشعير. والسويق الخمر. والسويق هنا: هو الثلج الذي كان يُجمع من الجبال القريبة من دمشق ويضاف إليه الدبس وغيره ويقدم كالمثلجات في أيامنا هذه.
- 257
كانَ بَعضُ النّاس يشترون السّويق بالخُبز اليابس عوضاً عَن المال