مراثي عائلة القلب

علاء الدين عبد المولى

117 بيت

حفظ كصورة
  1. 1
    - (فصل التوأم)-‏شباط/1992‏
  2. 2
    الثَّلجُ غطَّاهُمْ تماماً‏جسدين من أرجوحة العدم‏
  3. 3
    يتمايلان، ويشعلان بنا الهياما‏لنغيب في صحراء من ندم‏
  4. 4
    العاشقان تعانقا، وجها لوجهٍ ثمَّ ناما‏وتفرَّقا في دولة الحلم‏
  5. 5
    فتفَرق الشّعراءُ، واختصروا الكلاما...‏القلب أبيضُ من نثيث الثَّلج، أبيض من حليب الأمهاتْ‏
  6. 6
    فبأيّ معجزة تدلّى من فراغ المدخنَهْ‏فحماً واسفلتاً؟، وزيتا شلّ أجنحة الطّيورْ؟‏
  7. 7
    يا عاشقي! في ظلمة الدَّعوات أستلقي،‏فخذني نحو مهدكَ، واحمني من رعشةٍ لا تنتهي.‏
  8. 8
    آليت أن أمشي وراء الصّمت في عبث المدى‏لكنّ موتاً طارئاً سرق النَّشيد وهزني‏
  9. 9
    فسقطتُ من نخل التأمل تمرةً ضجتْ بولولةٍ:‏(( أُكِلتُ... أُكِلتُ..))‏
  10. 10
    هذا القلبُ أبيضُ من نثيث الثَّلج،‏كيف سينحني فيه الدّخان؟‏
  11. 11
    ياعاشقي رويّتُ حنجرتي بماء المسكِ،‏وانشقّت ضلوعي فانسكبتُ مغنّياً:‏
  12. 12
    ربُّ المآسي خالقي...‏أنا لا أقول لكم وداعاً، سوف تدخل نحلةُ الدَّم مضجعي‏
  13. 13
    وتفيض خاصرتي عبيراً فاسبحي يا نحلتي‏أنا لا أجنّ بكم رثاءً،‏
  14. 14
    منذ دهر شلتُ قبر أبي على ظَهري‏ودرتُ به الممالكْ‏
  15. 15
    هذا أبي يا نسل آدم يا تراثاً من مهالِكْ‏سرقتْهُ مركبةُ البياض،‏
  16. 16
    وردّدت أشلاءُ صوتي صرختي‏فانهار برجٌ من حمامْ‏
  17. 17
    قبر يسمِّيني تراباً، أو أسمِّيه خطا‏في رحلة الطّغيان والإعدام.‏
  18. 18
    قبرٌ آخر، قبرٌ بمتَّسع الرِّمال‏يضمّ أربع أعينٍ، وبصيرتين، وتوأما،‏
  19. 19
    أنا لا أقول أخي، ولكنَّ المفاصل ترتخي‏فتمايلي يا أرض وانشرخي...‏
  20. 20
    /أكلّما سقطتْ من الملكوتِ جمجمةٌ رأيتُ؟/‏هي الجماجم دحرجوها نحو أمِّ النَّخل‏
  21. 21
    في شرق المتاهةْ‏وهي المتاهةُ: كهفُنا السّريُّ، نولدُ فيه، نسقطُ فيه،‏
  22. 22
    لا شفق يضيء ضلوعنا‏لا أمّة تفدي مغنيها...‏
  23. 23
    عميت من البصيرة،‏لا تعلّمْ داخلي من أبجديّات الوضوح قصيدةً‏
  24. 24
    لا شيء أوضحُ من سقوط اثنين:‏متحدين/ منفصلين، كلٌّ في دم الثَّاني توغَّلَ،‏
  25. 25
    أسلما قمر الأخوّة للبزوغ من الرَّحمْ‏في لحظة قدسيّة...‏
  26. 26
    نادتهما عرّافةٌ: ((ستُعلَّقان من الفراغِ))‏وعُلقا في لحظة دمويّة...‏
  27. 27
    إذ كان رأس الكون سرّاً ينقسمْ.‏الأم قالتْ: لا تغيبا بعد هذا الفصلِ...‏
  28. 28
    لكنّ البلاد مريضة‏والطّقس عكس النّفس، والأبصارُ تبتكر الظَّلاما‏
  29. 29
    العاشقان وأيُّ إفطار يضمُّهما؟‏رغيفٌ واحد، عنب وتمرٌ،‏
  30. 30
    يَقْسمان اللّقمةَ الأولى، ويختصمانِ،‏لكنّ الهواء مباركٌ...‏
  31. 31
    صلّى عليك الحزنُ يا جيل الرَّدى‏ما اهتزَّ في الأخوين عِرْقٌ من ندى‏
  32. 32
    العاشقان... ولستُ أنسى أيَّ كارثةٍ‏رمت أفعى الهواءِ المرِّ بينهما،‏
  33. 33
    وأيّة سلطةٍ تُملي على القلبين نبضهما،‏وأيّ فضيلة يدعو لها النَّهر الملوثُ بالصّدأْ.‏
  34. 34
    قرآ فروضَ الوقت تحت القبَّة البيضاء،‏أو شهدا بأنَّ العرشَ منخورٌ،‏
  35. 35
    ويحمله ملائكةٌ حديديّون من عمق التَّعفُّن يولدونْ‏قالا: ((ستغرق أمّةٌ في لُجّةٍ تتلو بيانَ التّيه))‏
  36. 36
    قالا: ((لا تُسمَّى هذه الأمةْ‏والظّلمةُ العظمى تؤوِّلُ لغزها الظُّلمهْ‏
  37. 37
    الأمة انذبَحتْ ونحن الذّابحونْ))‏قالا، وغابا في مواعيد الفتونْ‏
  38. 38
    هربا من العين الّتي ترمي شعاعَ القُبْح فوق العابرينْ‏لجآ إلى درج يؤدى نحو أقطاب النّبّوة،‏
  39. 39
    واستجارا بالحنينْ‏وبقيت وحدي، قلت: أقطابُ بالنبوّة تستحيلُ‏
  40. 40
    إلى مشانقَ، والصّغارُ إلى يتامى‏الثّلج غطاهم تماما‏
  41. 41
    عصبي أخطُّ عليه أغنيتي،‏وأخطفُ كومةً من ثلج صحراء الوطنْ‏
  42. 42
    أعطي المدينةَ من هجائي ما يساعدها على‏أن تدخل المرآةَ عاريةً وناصعةَ البدنْ‏
  43. 43
    يا منصف الأصناف أنصفني، فنصفُ القلب منشرخٌ،‏ونصف الرّوح يغرق في العفنْ‏
  44. 44
    يا واعدي بالجنَّة الخضراء‏سَمِّ الأرضَ جنتنا، فقد تطفو المشانقُ‏
  45. 45
    في الطَّريق إليكَ، أو يقف الزّمنْ‏هل تخرج الكتبُ القديمةُ من مشارق يتبعُ الأخوان‏
  46. 46
    زينَتَها؟ هي الكتبُ القديمهْ‏يعلو الغبارُ عروقَها‏
  47. 47
    الأمّةُ العرجاءُ تقتتلُ الطَّوائفُ حول عورتها‏وتنسى عورة المستقبل البحريِّ فاضحةً‏
  48. 48
    هي الكتب القديمهْ‏تتلو على ملأ القصور المرمريّة سيرة الرُّوح الفقيرِ،‏
  49. 49
    من انتمى لجلالة الإنسان...‏ليس الروح سوطاً في يد السَّجان، لكنَّ الزَّنازين الكتيمهْ‏
  50. 50
    تعلو بضجَّتها على غيم المآذن، في نهارٍ‏يشبه اللّيل المسيَّسَ‏
  51. 51
    قال والي الوقت: (( أركلكم بساقي،‏من يقايض أمّةً بدمائه؟))‏
  52. 52
    أميّ/ ومن أسمائها وجع الحنينْ‏أميّ/ سلاماً من حروب السّجن يحبو نحو دارِكْ‏
  53. 53
    أمّي/ سنبقى في نهاركْ‏فجراً إلهيّا،ً لنولدَ من دماركْ‏
  54. 54
    هذي مراثي قلبيَ الأخويِّ، أَنقُشُ فوق شاهدةٍ سماتِ العائلهْ‏تنهار شجرتنا الكريمهْ‏
  55. 55
    وتضيع ألقابٌ وراء ضياعنا‏أطفالنا انكسروا كبلّور الحنينْ‏
  56. 56
    إمّا رَمَتْه الرّيح.. هل أصغيتُ للصَّحراء تنبض بالجثثْ؟‏هل هذه الأحجارُ تخْفي قبرَ توأمنا المهاجرْ؟‏
  57. 57
    هل قشّرَ التّاريخُ أعضاءَ الزّمانْ؟‏ورمى جناحُ الطّائر السّجيلِ ما قد حمَّلُوه على جدارِ المعتقلْ؟‏
  58. 58
    هل هذه الأحجارُ ناطقةٌ...‏وحدَّثني صقيعُ الفجرِ أنَّ التَّوأمَ‏
  59. 59
    المنفيَّ في سردابِ غيبِ اللَّهِ، تغشاهُ البرودَةْ‏هل يبردانْ‏
  60. 60
    وهل الزمانْ‏قذفَ الحنانْ‏
  61. 61
    في عمق أغنيتي، لتحترقَ الأغاني،‏أو يشلَّ هنا اللّسانْ‏
  62. 62
    عادت بي الأشياءُ نحو هلامِها‏من ههنا خرَج الرَّمادُ إلى رئاتِ النًّائمينْ‏
  63. 63
    وهنا التقى الجمعان يومَ المذبحةْ‏قومٌ يسمون الإله- مطيّةً-‏
  64. 64
    قومٌ يسمون الإله- ضحيّةً-‏وتنبّه الثعبان أنّ القلبَ ينبضُ...‏
  65. 65
    قفْ عن الدورانِ حول غموض حلْمكَ يا فتى‏فغداً تودّعُ خطوة الدّنيا وتذهب ميّتاً‏
  66. 66
    فلتغتنمْ كنزَ المذلّة قبلَ أن تمضي...‏يطلُ الذلُّ يوماً بعدَ يومٍ، وهو يخشى أن يراني.‏
  67. 67
    في عيوني من جنون النَّسر ما يكفي لأصعَدَ‏آخر الأشباحِ: لستُ أنا الضَّحيةَ، إنهُ‏
  68. 68
    شعبي تراثٌ من أضاحٍ في معابدَ تنشرُ الرّؤيا‏... ... ..‏
  69. 69
    ردَّ الغطاءَ عليهما، ردَّ الغطاءْ‏العاشقان، وقد دنا عرس اللّقاءْ‏
  70. 70
    بأساور السّجن المريض تقدَّما‏واللّه يغفو فوق رابية السَّماءْ‏
  71. 71
    يا مالىء الرّئتين من قدّوس سرّكَ،‏سُدَّت الرّئتان، واختنق الهواءْ‏
  72. 72
    اللّحظة الحمراءُ تنمو كالجحيمِ‏وتنحني أشباحُها بين الدّماءْ‏
  73. 73
    هي خطوة ونكون ظلَّ الحَبْلِ/‏كالجبلين ينهدان في صمت الرّداءْ‏
  74. 74
    هذا رداء الموت خبّأ كوكبين،‏فكان ليلُ الشّنق مكتوم الضّياءْ‏
  75. 75
    في الأرض لم يكن اللّقاء متوَّجاً‏فليعلن الاعدام فاتحةَ اللّقاءْ...‏
  76. 76
    رُدَّ الغطاءَ عليهما يا سافح الأمم الفقيرةِ‏كنتَ لا ترقى إلى أقدامهم‏
  77. 77
    والآن أنت مليكُهُمْ‏تلقي على أجفانهم سمَّ المنامْ‏
  78. 78
    وتُعدّ تابوتاً يوحد جثَّتينْ‏والأرضُ تطوي قمحَها وبحارَها وتسير خلف جنازتينْ‏
  79. 79
    يا شيخنا العالي ويا أهل الصَّفاءِ،‏قفوا وراء الموكب السّريِّ،‏
  80. 80
    لا تلدُ المدينةُ غيرَ قاتلها‏ولا تعفو المدينَهْ‏
  81. 81
    غيرُ انجراف الأرض خلف خوائها: غدنا.‏وغير تفتّتِ الأعضاءِ في قبرٍ: خلايانا‏
  82. 82
    جنازتنا هنا والثّلج غطّانا تماما‏يا ثلج يا كفن الطبيعَهْ‏
  83. 83
    هذا حبيبي جارحٌ بحلوله في حفرةٍ قبلي‏وإني كنت منتظراً رجوعَهْ‏
  84. 84
    لكنّه وعدٌ سرابيٌّ يضيّعني ويعرف أنَّني بحرٌ‏أضاعِ به قلوعَهْ‏
  85. 85
    الآن واريتُ الحبيب بقبرهِ‏وجلست فوق القبر منتشياً: /أنا ربُّ الفجيعَهْ/‏
  86. 86
    رُدَّ الغطاءَ عليهما يا سيِّدي الَّجلاد،‏أرخِ الصَّمتَ في الآفاق أكثرْ‏
  87. 87
    التّوأم العبثيّ يدخل لحظةً عليا ويكبرْ‏ولدا معا/ ناما معاً/ جرحا معاً/‏
  88. 88
    وهنا هنا شُنِقا معاً...‏الموت أكبرْ‏
  89. 89
    صلّى عليك الصّمت ياجسدا تدلّى من ظلام البوح أخضرْ‏مِلْ نحو وجه أخيك أكثرْ‏
  90. 90
    غسل الالهُ يديه منّا، قل لَهُ...‏والقلبُ محتشدٌ بنبض دم مزَّورْ‏
  91. 91
    أحضن يديه وارقصا‏فهنا إناثُ الغيب إيقاعٌ تفجَّرَ:‏
  92. 92
    زغردى أمَّ العريس وردِّدي‏وادعي صبابا الحيِّ في ليل الغد‏
  93. 93
    هذي العروس تقدّمتْ مَجْلوَّةً‏رُشّي عليها الماء والعطرَ النَّدي‏
  94. 94
    زفيّ العريسَ وعانقيه لحظةً‏من قبل أن يذوى جلالُ المشهد‏
  95. 95
    الثّوب أبيض إنَّما هذا المسا‏كونٌ يُسَجَّى بالفراغ الأسودِ‏
  96. 96
    أمَّ العريس وليس غيرُك شاهدا‏فاذا نسينا ذات يومٍ فاشهدى‏
  97. 97
    هو توأمٌ، لكنْ عروسٌ واحدةْ:‏/المشنقةْ/‏
  98. 98
    هاتوا بساطاً سندسياًيجمَعُ الجسدينِ‏وليشربْ دمٌ ابريقَ عنبرْ‏
  99. 99
    وجهاً لوجهٍ عُلِّقا‏عينان في عينين:‏
  100. 100
    - تذكرُ ذات ليلٍ كنتَ تسرقُ لقمتي في رحم أمّكَ‏- كان رحْماً دافئاً‏
  101. 101
    - ماذا جنينا؟‏- قلنا لأحجار الشَّتات توحَّدي‏
  102. 102
    - فتوحَّدَتْ‏- لكنْ علينا...‏
  103. 103
    وجهاً لوجه، يشربُ الجسدان من نور الإلهْ‏يتناقضان ويجمعان على اكتناه الموتِ...‏
  104. 104
    - ماذا تفعل الأمّ العجوزُ؟‏- بأي آياتٍ سيفتتح الأبُ التَّرتيلَ؟‏
  105. 105
    - سوف نموت قبلهما‏- ولكن، كيف نُقْبَرْ؟‏
  106. 106
    ردَّ الغطاءَ عليهما‏واسمح لقرآن الجنازة أن يتوّجَ زفَّةَ المأساةِ‏
  107. 107
    ليس لنا الجنازةُ، سوف نُدفنُ في غموض الرَّمل‏حتّى لا يرى الرّعيان موكبنا البهيَّ...‏
  108. 108
    هنا، هنا رحمٌ ستجمعنا معاً‏ومعاً ولدنا/ ومعا جرحنا/ وهنا نموتُ‏
  109. 109
    معاً نموتُ، معاً...‏... وهذا الثّلج غطّاهُمْ تماما‏
  110. 110
    أنا لا أسامحُ...‏من رأى بيتاً تهدّمَ وهو يرقصُ تحت حلمة وهمِهِ‏
  111. 111
    أو من تأبَّدَ فوق عرشٍ والخليقةُ فوق نعش...‏لا أسامح زارعَ الزَّيتون يسرق خيرَ غلَّتِهِ،‏
  112. 112
    ويمنحها قوافلَ في الجهات العاهَرهْ‏أنا لا أسامحْ‏
  113. 113
    من ظِلُّهُ علَقٌ يمصّ سلالةَ الأيتام،‏في قوم من الأحجار يتّخذون آلهةً،‏
  114. 114
    ويبتهجون بالأوثان في عفن المسارحْ‏هرمتْ صفاتُ الأرض‏
  115. 115
    ذاكرةُ البلاد تصدَّعتْ‏والذّئب قوميٌّ، ويوميٌّ،‏
  116. 116
    وكلبُ الفكرة العرجاء نابحْ‏أنا لا أسامحُ،‏
  117. 117
    لا أسامحُ،‏لا أسامحْ...‏