قصائد على مقام جنية الفجر
علاء الدين عبد المولى135 بيت
- 1وجّهتُ وجهي للحبقْ◆مستسلماً لشعاع فجرٍ ناحلٍ عَبَرَ الحدائقَ
- 2مرَّ بالأبواب نائمةً،◆رأى أنَّ السَّتائر لم تزل سكرى
- 3بنجمٍ كان يخطرُ قربَها ويذيبُ في◆خيطانها حلماً جديداً لم يُذَقْ
- 4إلاَّ ستارتَك الصَّغيرةَ وحدها انتبهتْ لصوت حفيفِهِ◆فانسابَ منها نورُ جسمِك وهو مطويٌّ كبرعم فلَّةٍ
- 5تسهو قليلاً عن مفاتنها لتسمحَ للمكانِ◆بأن يكون بكلّ أبَّهة الألَقْ..
- 6يا من رآها شبهَ غافلةٍ، تمهَّلْ...◆كلُّ من يلهو بخلوتها، احتَرَقْ...
- 7صِيدي مغاورَ وحشتي بسهام نوركِ◆لو خرجتُ أخذتُ خلفي ظلَّك الصّوفيَّ
- 8ممتلئاً بصوت يديكِ◆وحدك ظاهرٌ أو باطنٌ
- 9وبدايةٌ لبداية تأتي وتذهبُ مثلَ روح الشَّمس...◆وحدك في مقام الشّعر إقرارٌ بهيٌّ
- 10أنَّك الفيضُ السماويُّ البعيدُ◆وأنا بهذا الفيض مأخوذٌ
- 11دعيني غابةً غزلاءَ لا تقوى على ردِّ الصَّواعق◆حين ترسلها الرّعودُ...
- 12فإذا انشطرتُ قبائلاً شتَّى◆فلا تتدخَّلي بيني وبين نقائضي
- 13وتذكَّري أنّي على نفسي وحيدُ...◆بابٌ عليكِ وأنتِ صمتٌ لا ضفاف لصمتِه
- 14جسدٌ مقيمٌ في الضُّحى◆يصحو مع اللّطف الخفيِّ إذا صحا
- 15وأراكِ ناحلةً ككأسٍ في يد الضَّوء الرَّخيمْ◆ويدٌ تدير الرّيحَ بين سطور دفترك الصَّغيرْ
- 16ويدٌ أراها خلسةً تتأمَّل الشَّهوات في نهدين◆يغتنمان وقتاً للرَّحيل مع الشّموسْ
- 17فأزفّ قلبي للعروسْ...◆أنا لا أريد من الجمال سِواهُ
- 18وأنا غريبُ المنتهى لولاه◆هو نشوةٌ بنقيضها ارتطمَتْ...
- 19أرى جسدَ الوجودِ خرابةً كبرى◆جمعتُ بقيَّتي
- 20ودخلتُ في غيبٍ لأشهدَ نايَ خصركِ◆يستديرُ على شفاه الرّيح...
- 21هل لي أن أنادي فجأةً: يا فرحتي؟◆أنا لا أسجّل في صخورٍ رحلتي
- 22فتأهبَّي وتأنقي◆ردّي غلالات القرنفل عن يمينكِ
- 23واعطِفي بالياسمين على شمالِكْ◆لنواصل التَّجوال في الأرض الغريبةْ
- 24ظِلَّيِنْ ينتبهان للإيقاع في أعلى الشّجرْ◆فيقلّدان الصَّوت...
- 25تختمرُ الشّفاه لتستحمَّ النَّار بالماء المقطَّرِ◆يُصدران أنينَ مزمارٍ
- 26ويبتهجان أنْ عثرا على فرحٍ جديدٍ◆دوَّناه في مخيّلة القمرْ...
- 27لا بدَّ من أنثى ليكتمل الظَّلامْ◆لا بدَّ من أنثى...
- 28آآدمُ باع جنَّته بشهوتِهِ،◆أم انَّ الدّود في التفّاحِ؟
- 29فلأضعِ الحديقةِ عند بابكِ◆وهي فارغةٌ لكيما تملئيها
- 30بالتّين والتّفَّاح والعنب المحالِ◆فكم أذوبَ إلى مُحالكْ
- 31وأنا القريبُ مع القريبة والبعيدُ مع البعيدَهْ◆والنَّفسُ بنتُ حنينها،
- 32والشّعر أمَّارٌ بإِنضاج النُّجوم لقاطفيها◆واستراق النَّار من جبلٍ قصيٍّ
- 33كي يهلَّل وارثوها◆وهو أمَّارٌ بإرجاع السَّماء إلى بنيها
- 34الشّعر ميزان الأناقةِ◆إبرةُ النّور التي ستخيطُ للمعنى عباءةَ مجده
- 35ليكونَ ضيفاً في القصيدَهْ...◆صوت الرّياح يئّز في رأسي
- 36وكم جنّية سكنَتْ مخيِّلتي◆لتروي كيفما شاءَتْ تفاصيلَ الخرافَةِ
- 37عن جمال العالمينْ◆كم ألَّفت بحضورها وظهورها نَصَّ الحنينْ
- 38كم زيّنتْ باباً لداخلةٍ◆وأغوَتْ بالخروجِ وراءها ظلاًّ تماهى في ظلالِكْ.
- 39جنّيةٌ جمعتْ جنونَك كلَّه◆خرجتْ من الأعماق واستلَمَتْ بيارق نشوتي الزَّرقاء،
- 40لا تُبقي على ليلٍ مضى إلا وتُلقي فيه جذوتَها،◆ولا اسمْ لها إذا حلَّت ضفيرتها
- 41وندَّتْ بالبخور عراءها◆ومضتْ إلى حمّامها
- 42يا ليتني بابٌ لها لأردَّ عنها الرّيح والغرباءَ...◆أمسحُ ظهرها بندى الغمام يسيلُ صِرْفاً
- 43نحو وادي النَّارِ...◆ها إنّي خلعتُ النَّعلَ
- 44هذا قدْسُ أقداسي◆وهذي حالتي غُلِبَتْ بحالِكْ...
- 45وتغيّم الأسرارُ خلف عبيرك النَّهديّ...◆صدرُك ملتقى نجمَيْن يأتلفان أو يتخاضعانِ
- 46يتحايلان على الغروبِ،◆وفي الصَّباح يشعشعان
- 47لأرى على إشراق خصرك واقفاً فرخَ الحمامْ◆والخصر أوّلُه هلالٌ،
- 48ثمَّ تُدخِلُه القصيدةُ دارةَ البَدْر التَّمامْ...◆والخصرُ خابيةُ الأغاني
- 49في قاعها أشباحُ عشَّاق يصيدون الكواكبَ والقصائدَ،◆يَعْقِدون على استدارتها كؤوسَ ربيعِهم
- 50وينوّرون بها المعاني◆فتميلُ جنّياتُ شعرٍ صبوةً
- 51ويكون وقتٌ شارد يلقي على قدميكِ◆نهراً ثمَّ يمضي نحو مهنتهِ القديمة واثقاً
- 52من أنَّك الأنثى الأخيرةُ فوق هذي الأرض قادرةٌ◆على الفَيَضان فيما يشبهُ الإبداعَ من عدمٍ
- 53لتحبلَ أرضُنا الجرداءُ بالغابات تعدو خلف شَعركِ،◆أو يطول على يديكِ نباتُنا والذِّكرياتُ
- 54وتكون أجملَ من بدايتها الحياةُ...◆لبستْ بنفسجَها وطارَتْ...
- 55يدُها على مفتاح كوكبها البعيدْ◆ويدي وراء ظلالها تلهو، تشفُّ،
- 56وكلَّما اقتربَتْ، أنارَتْ◆حَمَلَتْ صباح الماء من جاراتها
- 57ملأتْ بحيرةَ ذاتها صحواً وردَّتْ شالَها ثمَّ استدارَتْ◆شرقَ البيوت وغربَها
- 58ورمَتْ وراء الذّكريات جديلةً◆وأتَتْ، تلذُّ بها الحواسْ
- 59وتلمّ من خطواتها ذهباً ماسْ...◆يدُها على مفتاح كوكبها،
- 60تديرُ الغيمَ حول الشَّمس◆تسمحُ للشّتاء بأن يؤدّي فرضَهُ
- 61وتقولُ: مغفورٌ لشعركَ ما يريدْ◆لكنْ دع المفتاحَ لا ينهي محاولةَ الدّخول أو الخروجْ.
- 62واجلسْ بعيداً... في البعيدْ◆ممّا يهدّد وحشتي بالاغتراب أقولُ للأنثى:
- 63قفي عند الشتّاء الدَّاخلي لشاعرٍ◆عيناه تختلفان فيكِ
- 64وتَعْقِدان مع الصَّباح قرنفلاً◆ممَّا يحاولُ قَلْعَ أشجار الغناء أقول للأنثى:
- 65أقبّل ظلَّك الأنقى ليقْبَلني نشيدي◆أخطأتُ؟ كم صوَّبتُ أخطائي أمامكِ...
- 66غير أنَّ الطَّاقةَ المجنونةَ العليانِ تخذلني◆وتطْلِقني فضاءً في الفضاءْ
- 67حاولتُ رميَ البحر في البحر، انكسرتُ◆وعدت أنفخُ باللَّهيب على خيالي
- 68كي أخلقَ المعنى، أحرّره جمالاً◆ثمّ يعبدني جمالي...
- 69حاولتُ إطفائي ولملمةَ الحرائقِ،◆فاكتشفتُ بأنَّ نهر النَّار ظلٌّ من ظلالي...
- 70قلتُ اخرجي من معطف الذّكرى،◆ولا تستأنفي خوفاً عليّْ
- 71قلتُ اتركي شمس القصائد فوق نافذتي معلّقةً،◆دعي لي غربتي وحدي، أخافُ عليك عاصفتي،
- 72أعيديها إليّْ...◆كيف ابتكرتِ بدايةً أخرى لهذا الحلْمِ؟
- 73يا جنيّةَ الفجر المباركِ◆حين من قلقي خلقتِ حمامةً بيضاءَ
- 74تأكل من يدِكْ◆وأنا جميعُ الصَّمت أدفعُ عنكِ صوتَ الخَوْفِ
- 75أكتبُ فيكِ:◆أنّ الله أجملُ حين يظهر في الظَّلام
- 76يزور قبَّة مشهدكْ◆فيرى صغارَ كواكبٍ خضْرٍ أتوا متعانقينَ،
- 77وقال أصغرهم: أحبّك أنتِ يا خضراءُ...◆وارتفعَ الدّعاء معطَّراً من معبدكْ...
- 78ناديتُها باسم الرّؤى الصَّفراءِ◆وبما تبقَّى من ربيع دمائي
- 79بصلاة روحَيْنا على قبر النَّدى◆لمَّا دفنَّاه بغير غطاءِ
- 80بصعودنا وصعودنا وصعودنَا◆و... سقوطنا من قبّة الجوزاء
- 81بصباحنا العالي، وما يرثُ الضُّحى◆من نورها ينسابُ من أنحائي
- 82باللّيل محمولاً ببضع كواكب◆بالبحر يبعثُ وحشةَ الميناء
- 83بالغربة الكبرى تحلّ بداخلي◆لتحيلَني شبحاً بلا أسماءِ...
- 84ماذا جنيتُ على أنامل صَمْتِها◆لتشيبَ فيَّ حديقةُ الأشياءِ؟؟
- 85يا قهرُ سهمُكَ طال حتَّى شلّني◆وأنا المصابُ بلعنة الشّعراءِ
- 86أصبحتُ قفّة ذكرياتٍ هشّةً◆مرميّةً في قعر بئرٍ ناء
- 87ما زلتُ أنتظر اليدَ الخضراءَ ترفعني،◆وتزرعني بأيّ فضاءِ...
- 88قالتْ له: في قلبه مرضٌ...◆إذا في قلبه مرض... ووردُ
- 89في قلبه عَرضٌ وأعراض الطَّبيعة لا تُرَدُّ◆في قلبه تجويفُ أسئلة الوجودِ
- 90في قلبه بحثٌ عن الجدوى، وشكل الرِّيح◆حين تهبّ مثلَ الخيل من أعلى النَّشيدِ
- 91في قلبه زوجٌ بهيجٌ يحملُ البشرى وطائفةً من◆التّسبيح آناء التَّهجّد والسّجودِ
- 92في قلبه ما لو أبوحُ به،◆لكنتِ إليَّ أقربَ من وريدي...
- 93سأروّضُ الذكرى على استدعاء روحك أوّلاً◆وأروّض القلب البعيدَ على التَّجليِّ إنْ حَضَرْ
- 94وأحرّض الحجَرَ الغشيمَ على التَّخلّي عن منادمة الحَجَرْ◆ليكون ينبوعاً إذا ما شاءَ،
- 95أو ليعيدَ إنشاءَ الزَّمانِ◆لو كان للنّسيان شكلٌ لاتَّحدتُ به
- 96وغيّرتُ الطَّريقَ إلى الجحيمْ◆يا ليتني كرةٌ ليلعبَ بي خيالي
- 97ليتني أرضٌ يبعثرُ فوقها العشّاقُ فوضاهم◆ولو كانت يدي جسراً لينتقلَ البنفسَجُ بينهم
- 98ألفٌ: أنا المعجونُ من نار وفخّار لهم.◆باء: بقيّةُ صوتهم في آخر الوديانِ...
- 99تاءٌ: تحت جمري نارُ معجمهم◆وشرحُ اللّوز حين يسيلُ حتى آخر الكلماتِ...
- 100والعبدُ الفقير أنا، رماني◆حارسُ الفردوس...
- 101قلتُ: لكم مكانكمُ، ولي أيضاً مكاني...◆جنيّةٌ أوحَتْ لشاعرها:
- 102عليكَ بأخْذِ حبَّة لوزةٍ مقسومةٍ قلبَيْنِ،◆خبّئْ صفحةً بيضاءَ بينهما
- 103عليها اسمان معتنقانِ◆أحضرْ بعدها خيطاً حريريَّاً
- 104تلفّ به على القلبَيْنِ◆واقرأ ما تيسَّرَ
- 105علَّ من قصَّرت ليلَكَ في إطالة حُلْمها◆تجتاز لحظتها وتبدأُ من يديكْ...
- 106لم تُدرك الجنّيَّةُ المغزى...◆فقد هيّأتُ قلب اللَّوز، أحضرتُ الحريرْ
- 107وكتبتُ أسماءً وأسماءً...◆ولكن ما اسمُها جنّيتّي؟
- 108فهي الَّتي... وهي الَّتي..◆البحرُ يهرَمُ في عروقي متعباً
- 109من هذه الفوضى الَّتي تنتابُ زورقَهُ اليتيمْ◆البحرُ يأكُل موجَهُ جوعاً
- 110ومفتقراً إلى الياقوت والحجر الكريمْ◆حوتٌ من الأحزان يبلعُني،
- 111تمرّ عليَّ أجيالٌ من الأمواج متروكاً بجوف الحوتِ،◆لم تفطَنْ سلالاتٌ النَّوارس بي
- 112فهل أسمعتُ – لو ناديتُ- بحَّاراً◆وهل ما زلتُ منذوراً لقبطانٍ عجوزٍ
- 113كرِّسَتْ كلُّ البحار على اسمِهِ◆فطغى وظنّ كؤوسَهُ تكفي لتفريغ البحارْ
- 114ماذا إذا داعبتُه في غفلةٍ◆وقذفتُ في عينيه بعضاً من رذاذ الموجِ
- 115ماذا لو قرأتُ على مسامعه فصولاً عنكِ؟◆أو قطَّرتُ فوق يديه بعضاً من شذاكِ
- 116هل تستفيقُ زهوره البيضاءُ؟◆كم سنة مضَتْ وزهورُه البيضاءُ مهمَلَةٌ؟
- 117وهل سيرنّ في أرجاءِ وحشةِ نفسِهِ جرَسُ الهلاكِ؟◆وينامُ في أعماقه ذئبُ البحارْ؟
- 118لو كنتِ سيّدةً عليه◆تقلّصين حدودَ صرخته بما ملكَتْ يداكِ
- 119وتغيّرين هواءَ قُمْرته،◆وركنَ نبيذه المغبرَّ،
- 120تقترحين أن يمشي قليلاً في الممرِّ◆يرى النَّوارسَ غيرَ ما كانَتْ
- 121يرى الأمواجَ تولدُ كلَّ حينْ◆ويرى إلى السّفن الجديدة من بعيدْ
- 122عثَرَتْ على راياتها وحمولةٍ أخَّاذةٍ◆وأتَتْ بقبطان جديدْ
- 123ماذا إذا رقصَتْ له حوريَّةُ البحر الفقيرَةُ؟◆هل يراقصُها قليلاً؟
- 124أم سيأمرُ تابعيه بشيِّها في فرنِه السّريِّ؟◆ماذا لو سرقتُ له ملابسَهُ
- 125كسرتُ عصاه؟◆ثمَّ قذفتهُ في الموجِ،
- 126كم سيخافُ مسَّ الموجِ هذا المحتمي أبداً ببحرٍ من حديدْ◆سنعيدُ هذا البحر من يد سارقيه،
- 127نحنُ من نرثُ البحارَ ومَنْ عليها◆لتعود جنّيَّاتُنا يُحضِرْنَ من قيعانها ما نحنُ
- 128ضيَّعناه أيَّام الرَّحيلْ◆أيَّامَ لا ملكوتُ بحَّارٍ يسدُّ على النَّدامى جنَّةَ التَّطوافِ
- 129خلفَ خيالهم◆لا ملحَ في الأحلام
- 130لا جبلٌ جليديٌّ ولا نوءٌ يخونُ ولا سوادْ◆أيَّامنا... هل تُستعادْ؟؟
- 131جنّيَّتي قالتْ: هتكتَ الرَّمزَ◆عُدْ بي نحو أرض طفولتي نرتَعْ ونلعَبْ
- 132ومضَتْ سريعاً في الجهات جميعِها◆من أين أذهبْ؟
- 133نسيتْ بأنّي لا طفولةَ لي،◆وأنّي منذُ أوَّل رقصةٍ فوجئتُ بالنِّيران
- 134بين أصابعي تنمو◆ومن كان الجحيمُ فضاءَهُ،
- 135لا بدَّ يتعَبْ...◆26/8/1999-25/11/1999