سفر في مخيلة الحبر
علاء الدين عبد المولى76 بيت
- 1وقرعتُ بابَ الحبرِ،◆بستانٌ وراء الحبر مختومٌ،
- 2خذيه ونظِّفيه من البقايا اليائسَةْ◆ليحلَّ في جسدي صباحٌ من حواس غامضَةْ
- 3وأضمّ أحلاماً بأطفالٍ غسلتُ خطاهُمُ◆وتبعتُ عطراً في ضمائرهم وقلتُ تدفَّقوا
- 4بين الضّحى واللَّيل،◆هذي الأرضُ أبوابٌ تقلِّد شاعراً في رقصِهِ
- 5فخذوا أراجيح الضّياءِ◆وقلِّبوا بأكفِّكُمْ هذا التُّرابَ
- 6لينجلي ذهباً أشكُّ شعاعَهُ عقْداً◆لسيِّدةٍ تناولني الصَّباح بكفِّها
- 7وتريقُ صوتَ حريرها بين العروقِ اليابسَةْ◆كم فيكِ بايعَ شاعرٌ قلقاً
- 8وأطلق في يديك شتاءَهُ◆فاستنبتي قمحاً يباشُرهُ
- 9فإنّ الروح أوّلُه كلامُ القمحِ في جسدٍ قديمْ◆وصدى أجنَّته يسافرُ في بروق الأرضِ
- 10يسكنُ أيَّ ينبوعٍ فضائيٍّ تفجَّرَ◆أزرقاً من سرَّةٍ نشوى لآلهة الجمالْ
- 11هذا الجمالُ خطاب فلاَّح إلى مطرٍ◆رسالةُ طفلةٍ لدُمى المساءِ
- 12عناقُ عشّاقٍ◆ورعشةُ شاعرٍ في كأسِ ضوءٍ باذخٍ بالياسمينْ
- 13هذا الجمالُ ازّيّنتْ منهُ حدائق بابلَ العليا◆تماثيلُ الألوهةِ في زمان الصَّيدِ...
- 14هل تتذكّرين بدايةَ الظّلماتِ◆كانت هذه الأرضُ الفَراشَ الأنثويَّ
- 15رحيقُها الأجسادُ يمزجُه العبادُ لربَّة الإيقاعِ...◆هل تتذكَّرينْ؟
- 16كانت أنوثتُكِ القصيَّةُ عرشَنا البحريَّ◆عودي نحو كوخِ الغابةِ العذراءِ
- 17نصطادُ الثّمار لطفلنا◆وتشعّ بين معابدِ الأعراس فطرتُنا
- 18تضيءُ على جموع الشَّاكرينْ◆والآن أنتِ هنا، هنا،
- 19تتأبَّطين صباح قيثارٍ◆وتنسربين بين أنامل الوقتِ
- 20المبلَّل بالغموضِ وتهربينْ◆ولكِ القصيدة تنحني
- 21امتلئي بهذا المشهد الشَّتويّ◆سوف أُعِدّ أبراجاً لصوتِ حمامنا
- 22وألمّ أسحاراً أزيّنُ من كواكبها نباتَ سلامنا◆سأكونُ أوّلَ من يراكِ هنا،
- 23وآخرَ من يراكِ هناك في سُحب الرَّبيعْ◆لا تفرطي في الصَّحو، هذا الكونُ ذئبيٌّ مُرِيعْ
- 24فلتدخلي ملكوت مائي نرجساً◆ولتجلسي في طاقةٍ زرقاء تربطني بعالي الغَيْمِ،
- 25يدهشني رنينُ لسانِكِ الشّعريِّ◆يُطْلِعُ من يديَّ حديقةً
- 26أُبلي بلاءً سرمدياً في مداخلها◆وأستبقُ الجميعْ
- 27هل جاء قبلي شاعرٌ بالحَدْسِ يمعنُ في خطاه إليكِ◆منذ بكيتِ وانكسرَتْ بوجهكِ غيمتانِ
- 28فوجدتُ باباً للأغاني◆كان النَّشيدُ مجنَّحاً بيديكِ،
- 29حلّقْ سيّدي الإيقاعَ◆لسنا هامشاً في آخر السَّطر
- 30الوجوديّ الأخيرْ◆نحن الكتابةُ أوّلاً
- 31والقلبُ حبرُ دعائنا السّريِّ◆حين نضيءُ في اللَّيل الضَّريرْ
- 32والحبُ يأخذني إليكِ...◆للحبر- هذا السيد الخلاَّقِ- بوصلةٌ
- 33أسافرُ خلفَها وأضيعُ من شطٍّ إلى شطٍّ◆أوزّعُ في المتاه رغائبي
- 34أُلقي- يميناً- بَرْقَ أعيادٍ◆وأشعل في الجنوبِ
- 35شفقاً يدلّ على حبيبي◆فإذا وصلت إلى الشّمال
- 36رفعتُ قلبي خرزةً زرقاء تدفَعُ عنكِ◆شرَّ الحاسدينْ
- 37ورميتُ أمتعتي على بابٍ مصابٍ بالحنينْ◆وغرقتُ في موجٍ تبعثرُه يداكِ
- 38فهل أعودُ بسلَّة مثقوبةٍ◆تلهو بها ريحُ الهلاكْ؟
- 39الآن يختمرُ الرَّحيلُ إليكِ◆عبرَ الشَّاعرِ الجوَّال يحملُ في يديه كراتِ نارٍ
- 40أطفئيها في يديكِ◆ردِّي عليَّ جنونَ ريحي
- 41واهربي لأراكِ أوضَحَ...◆آهِ من لغزٍ يخبِّئهُ وضوحي...
- 42شكراً لصوتِكِ، لو يهذِّبُ لي جموحي◆أو يستعيرُ من الوصايا حكمةً أولى
- 43دعي سِفْرَ الوجودِ بلا دليلْ◆في الوقت نارٌ زورقي فيها يغامرُ
- 44لونها عسلٌ نبيذيٌّ◆وزرقتُها بنفسجُ صدركِ الظَّمآنِ
- 45أصعَدُ في لهيبكِ◆ثم أولدُ طائراً يرثُ الفضاءَ المستحيلْ
- 46فأرى القيامةَ صورةً للموتِ◆يا موتي الجميلْ.
- 47جمّلتِ أوراقَ القصيدَةْ◆واخترتِ كرسيّاً قريباً من عواصف موسمي الآتي...
- 48أخاف عليكِ وحشاً مخملياً داخلي◆يمضي ليلْتهمَ الرَّغيف الأنثويّْ
- 49ويعود نحو ضلوعِهِ متداعياً يبكي◆ويُخْفي عنكِ صرختَهُ البعيدَهْ
- 50أقرأتِ في عينيَّ صوفيّاً يدمّر ذاتَهُ◆ليعيدَ تأليفَ الدَّمار؟
- 51أتصدّقين نحيبَ مزماري؟◆ضعيني داخلَ المرآةِ وارتجفي قليلاً
- 52أنا لستُ خابيةً معتَّقةً من الأفراح◆لكنّي أحاولُ أن أمرَّ على الحياةِ
- 53كشاعرٍ يلدُ الحدائقَ من يدَيْهِ◆أو يحاول أن يضيء لها سبيلا
- 54هل كنتِ من عرَّيتُ ذاتي في سرائرها◆.. وكنتِ جميلةً
- 55تصغين للبحر المكوَّر في يدي◆يلقي عليكِ حشودَ أسرارٍ...
- 56أكنتُ إذاً جميلا◆قلتِ القصيدةُ مستحيلَةْ
- 57هل كان بحري مستحيلا؟◆أطلقتُ فيكِ زوارقاً زرقاءَ...
- 58سيري في الزمَّانْ◆ولتكسري بخطاكِ بضْعَ حصىً،
- 59ضعي نيسانَ بين يديكِ،◆صوغيه مكاناً للمكانْ
- 60رشّي عليه رنينَ قلبكِ،◆خائفٌ نيسانُ، أعطيهِ الأمانْ...
- 61وتوهَّجي بين الخيال وظلِّه◆كأذانِ فجرٍ نازلٍ فوقي
- 62أساوِرُهُ تفتِّتُ في شغافي رنّةً◆كسقوطِ أغنيةٍ من الفيروز في حضنٍ من الياقوتِ
- 63آه ما الذي فعل الأذانْ؟◆بمعابدٍ مهجورةٍ في الرّوحِ؟
- 64كنتُ جمعتُ فيها عاشقاتِ الضَّوءِ◆صلّينا معاً فرضاً وفوضى
- 65لكنَّني في آخر اللّيل اليتيم تُرِكتُ وحدي◆لا أرى إلاّ السَّماء تمدّ من نجماتها الزَّرقاء أرضا
- 66أرضاً أمارسُ وحشتي معَها◆أعمِّر جنّةً بيديَّ أحرسُها ليبقى
- 67الدَّاخلون إلى عرائشها معي...◆هل تدخلين الآنَ؟ بعد غدٍ؟
- 68رضيتُ بأن تمرّي لمعةً في البالِ◆أو صوتاً شتائياً على بلّور هذا الفجر
- 69كي أزدادَ إيماناً بأنّ الكون يبدعُ خالقَهْ◆للحبر بوصلةٌ...
- 70ورثتُ طفولةً سأزورها يوماً، أعاتبُها،◆أهشّم صرحَها، وأفرّ نحوكِ، فازرعيني واحصدينْ
- 71هذي حقولي غربةٌ هجمَ الحنينُ على سنابلها◆وغادرها غناء الزَّارعينْ
- 72وعليكِ أن تتجمَّلي بالماء، هذي رحلتي طالَتْ وطالَتْ◆وعطشتُ... والأنهار مالَتْ للجفافْ
- 73صعدتْ جبالاً واستقالَتْ من ولادتها◆ولم تسقي النَّبات ولا الخرافْ
- 74فإلى متى تغتالني الصَّحراء من ظَهري◆وكنتُ على هواجسها أخافْ؟
- 75الحبر أغرقني، شربتُ صدى مخيِّلتي◆وتابعتُ السّفرْ
- 76فوجدتُني في الرّيح ملقىً كالحَجَرْ◆2/4/1998-7/11/1999