تراجيديا عربية / الفصل الأول
علاء الدين عبد المولى95 بيت
- 1بيدي أشرتُ إلى التّرابِ:◆أنا صداكَ الآدميُّ أنا وآيتكَ الفقيرهْ
- 2فلأيّ طاغوتٍ تضيءُ دروبُكَ الخضراءُ؟◆تولمُ أسْرةُ الأشياءِ مائدةَ الدّخول إلى الركوعِ المطلّقِ
- 3آذنتُ لليأس العظيمِ: خذ النّشيدَ وصمتَهُ◆وأدخل إلى الرّوح الشَّقي
- 4أنا يا ترابَ القلب ميراثُ الخضوعِ،◆أنا ممرٌّ ضيّقٌ لقوافل الأفراحِ إذ تنسابُ من
- 5رحم الفضاءِ الضّيّقِ◆ماذا تبقّى الآن؟ ينتشرون كالطَّاعون في أحداقنا
- 6ماذا أسمّيهم؟ ثيابُ الحرب تطويهم◆مزاميرُ السلاح صلاتُهم، والأرضُ رهْنُ دخانهم
- 7والذكريات دخول أيديهم إلى أرحام كل الوالدات.◆ماذا تبقّى يا حياةُ من الحياةْ؟
- 8جسدي يطاردني، وأطفالي ورائي ينشدونْ:◆يا والد الأسماء علِّمنا، فقد بلغَ الجنونْ،
- 9حدّ الجنونْ...◆جسدي أدحرجُهُ على جَبَلِ البكاءِ،
- 10أعود أحمله إلى الأعلى، أدحرجه وأحمله،◆فتخرجُ من خلاياه القبائلُ،
- 11تبدأ الرحلاتُ موسمها ويمضي الراحلونْ.◆رحلوا، ووحدي فوق جثّة قاسيونْ
- 12بيدي أشيرُ إلى التّراب إلى السَّحاب: تزوَّجا،◆هذي المدينةُ أفرغَتْ شريانها من شهوة الدَّمِ،
- 13سوف تمضي جوقةُ الأمطار عنّا◆حين ينسلخ الجنودُ عن الجدودِ
- 14ويضيقُ خلف ضبابنا الشّعبيِّ تابوتُ الشَّهيدِ◆وحدي أحَدّقُ في هلام الأرض:
- 15تاريخٌ تَصَهْيَنَ نبعُه.◆أيّ الإمارات السَّعيدة باركَتْ خبزَ اليتامى
- 16في صباحهم المسيّج بالنُّعاسْ◆من عَهْدِ (قحطان ) إلى عهد التّقنَع بالنُّحاسْ
- 17هذا المكانُ متوّجٌ بنوافذٍ تتسربُ الأسرارُ منها◆نحو هاويةٍ...
- 18لهذا الرُّوحِ رقصتُهُ، اسنديني يا رؤى الأشباحِ◆كفِّي... أين كفي؟ أين نبضُ دمي؟
- 19... غموضٌ راسخٌ فينا، هواءُ القمح مسمومٌ،◆تنفَّسْ أيّها الجسد الذي يسري مع الهذيانِ
- 20كوّرْ ظلَّكَ الخشبيَّ، واسفَحْ شكلَكَ العربيَّ،◆واقرأ في كتابِ الحرب خاتمةَ المطافْ
- 21هل أرفع النُّذرَ الأمينةَ◆والهياكلُ ملتقى لعناكبِ الطَّاغوت
- 22تلتقط الفراشةَ والحمامةَ والخرافْ◆وأنا أخافُ، أخافُ من خوفي ومن نصفي ،
- 23ومِنْ روحي تئنّ وحوشُها المسترسلَهْ◆أنا شاعرُ الميراث، منكَسر التَّواريخ انتشيتُ برغوة العبث
- 24الذي طافَتْ بحارهُ في دماغي...◆نَهْرُ هذا اليأس من قدميَّ ينبغُ.
- 25يا أبا الإنجيلِ، متَّحدان نحن، فخُذْ خريفَ الجلجُلهْ◆وارفع صليبكَ نحو مئذنتي،
- 26فإني فوق خيمةِ هذه الأقوامِ منفردٌ فريدٌ،◆بالمقابر أحتمي إذ يخذل الرّوحُ الأمينُ مباهجي،
- 27وتضيعُ جوهرة التّراب، ويحضرُ الشّبحُ القديمْ◆تهتزّ إذ يأتي رفوفُ طيورنا
- 28تساقط الأثمارُ في نسلٍ من الآلام◆آهٍ يا أبا السَّموات، وحدي
- 29نافخٌ في جوف كفِّي نارَ معجزةٍ ليحترقَ الغناءُ◆لمن أرتّبُ هذه الفوضى؟ وأنّي شاعرٌ
- 30يبكي البكاءُ عليه أو تهوي السماءْ؟◆جبلُ التَّفجُّع صاعدٌ في الرّيحِ
- 31قاسيون الصَّديقُ يخبّىء الجنَّات عن شهدائه◆وسماحة الشَّبح المقولبِ يقلبُ الآياتِ عن أسوارها
- 32لتضيءَ تحت ردائِهِ◆وتكونَ لائقةً بشمس عشيرةٍ حَشّدّتْ بنادقَها
- 33وطاولَ صرحُها ريحَ الصَّهيلْ◆وهناك أكشفُ حارساً يستنبتُ الطَّلقاتِ من أعناقنا
- 34مهلاً على أشواقنا يا حارساً قصرَ الفصولْ◆لن نحتمي بجدار قصركَ ليلةً أخرى، فلا تحزنْ،
- 35بقايا نحنُ من خَدّرِ الشّعوبِ،◆ويقظةُ الأطلالِ بعد حريقها
- 36لن نرمي الأشواكَ عن هامِاتنا نحو السّقوف المخمليّةِ◆لن نُجاهِر بالشَّقاءْ
- 37مهلاً فنحنُ قبيلةُ الموتى، لكمْ طولُ البقاءْ...◆أين اتّجهتُ بهذه الأغنيّة الحمقاءِ؟
- 38عُودي يا قصيدةُ... هذه مرثيّةٌ لك،◆لن يهبَّ نسيمُكِ اللّغويُّ ثانيةً، لأنيِّ
- 39بايعتُ كلَّ الأنبياءْ◆وجميعُهم يتجادلون على عيوني كيف تُفْقَأُ؟
- 40أنا كم رأيتْ◆وكتبتُ: للأنثى وزينتِها البهيَّةِ،
- 41للخمور البابليَّة،◆للصَّلاة وراء نعش الأمة العرجاءِ،
- 42للأشياءِ في باكورة العُمر الجميل،◆لشارع الحجر القديمْ
- 43وكتبتُ: للّغةِ الجديدةِ، سحرُها من خطوتي◆ينساب يُنبوعاً خفيّاً من نسيمْ.
- 44وكتبتُ: للكهفِ المقيمْ◆في داخلي.
- 45ورقصتُ في عرس القطافِ من السَّماء العاشرهْ◆وسئمت خمرَ الأصدقاء، شتمتُ بعض الأتقياءِ،
- 46تقيأتْ روحي كلاماً في هجاءِ العاهرَهْ◆أنا كم رأيتُ، وكم كتبتُ، ولم أزلْ طفلاً بعينٍ حائرهْ
- 47حتّى انكسرتُ إلى نهايات المدى◆ورأيتُ أشلائي يقشّرها ملوكٌ يولمون الأرض فاكهةً
- 48لمائدة السّوادْ◆فأقمتُ في ذاتي، أطأطىء زهرتي وأقول:يا...
- 49يا ضَيعةَ الشهداء في حرب الكلامِ.◆فولولتْ خَلْفي نساءُ الرّوح: يا...
- 50يا حسرةَ الأبناء ينتظرون عودة جدِّهم من (أورشليمْ)◆وكتبتُ... حتّى أنَّ شيباً في جدار القلب يبزغُ
- 51أو ضموراً في يد الأفراح،◆أو قبراً تفتَّحَ في ابتهالاتي الشَّريدهْ
- 52عارٌ يؤرّخني... وكيف تقومُ من عارٍ قصيدهْ؟◆لا سرَّ بعد الآن... طوبى للخيانةِ، يا صغارُ ويا ثكالى
- 53العهرُ أوضَحُ من بكاء الشمس، فلنُزِلِ الظِّلالا◆ولتنكشفْ هذي السَّتائرُ، خلفها وطن من التَّوراةِ يُبْعَثُ،
- 54أمّةٌ بجماجم الأمواتِ تعبَثُ،◆خلفها قُبَلٌ مؤدلَجَةٌ ترسَّبَ ماؤها في نهرنا اليوميِّ
- 55طوبى للوضوح أقولُ◆يا لُغتي تهاديْ مثل موكب شاعر
- 56مُزجت خلاياه بإيقاع القرَفْ...◆غسل المغنيّ كفَّه من ناي لذّته وأعراسِ التَّرفْ
- 57كل الوصايا تحت كعب السيّد الكونيِّ،◆ألواحُ الخزَفْ
- 58نُقشت عليها سيرةُ الشّهداء، باعَتْها المليكةُ في مزادٍ◆تنحني فيه تويجات الشَّرفْ...
- 59لا سرّ بعد الآن، فكرتُنا القديمةُ فحمةٌ◆لن تستردّ الدفءَ في هذا الشتاءِ المعدنيّْ
- 60إذ غابَ بستانَ الغمام،◆وباع قصرُ البرقِ لؤلؤه لعاصفة الرّمادْ
- 61وتوحَّد الرّوح الشَّقيُّ بذاتِهِ وتراجَعَ الرُّوحُ الشَّقيّْ.◆بيدي أشرتُ إلى القوافل: أبطئي...
- 62لرنينِ أجراسِ القوافِلِ أنحني حزناً،◆يسيرُ حُداتُها متذمّرين من الغبارِ،
- 63أقولُ ليس غبارُكُمْ ذهباً، هو الكيمياءُ تنفُثُ سِحْرهَا◆والطاَّئراتُ تهزّ أشجارَ الصَّلاةِ، فأبطئي...
- 64الأفقُ فارغةٌ يداهُ من النّجومْ◆ومغارةُ الأسطورة الأولى غزاها العنكبوتُ
- 65وليس من نصٍّ يضيءُ سقوطنا العَلَنيَّ،◆هذا ليسَ من لغةٍ،
- 66وهذا ليس لعنةَ جدِّنا المشبوهِ،◆هذا مستطيلُ الهاويةْ
- 67فتقدَّمي يا خيلُ، يا أبراجَ تَمْرٍ يعربيٍّ،◆يا عيونَ مها الفراتِ
- 68ويا بنات الكاظمية◆يا عجائزَ مكَّةَ الأولى
- 69سيكبَرُ مستطيلُ الهاويةْ◆فتقدَّموا.
- 70يا خالق الأحجار قرب دمار بيتكَ◆يا مُعِيدَ العمر من بدء الضَّياعْ
- 71يا هيكَل الإيقاع، يا لغةَ الصّراعْ◆لا تقنطوا من رحمة الأعداءِ،
- 72سوف يشّوهون سماءّنا النَّجميَّةَ الأبعادِ،◆لكن لن يمدّوا في انهيار الحلم جسراً...
- 73سوف ينتقلون من سرٍّ إلى علنٍ،ومن ورقٍ إلى وطن،◆ولكن لن نراهم خارجَ الغُرفِ البعيدةِ عن أغانينا...
- 74ولا... لا تقنطوا من طعنة العشّاقِ،◆عرشُهُمُ المزيَّنُ بالجماجمٍ سوف يُسْقِطُ
- 75في جموع الجوعِ تفّاحاً من الكلماتِ،◆هل ننسى بأنَّا ذاتً معركة خسرْنا ربَّنا
- 76لتفوز أنهارٌ بشطآنِ الأَبَدْ◆أبدٌ... أبدْ
- 77وأنا هنا ولدٌ يسيرُ على رماد الحبِّ، حافيةٌ أصابعهُ◆وعاريةٌ رؤاهُ،
- 78كان يأتي في غزال الحلم،◆أغلقت الحدائق عطرها وتمايَلَتْ سكرى على
- 79سُورِ الدّفاع عن الأفاعي...◆عد نحوَ أمّكَ، هذه أرض الخَزَرْ
- 80عد نحوَ مهدكَ وارم من يدك القَمَرْ◆مستنقعُ الثورات نحنُ، ونحن جسرُ الغيم محمولاً
- 81على حَجَرَينْ كانا تائهيْنِ عن الحَجَرْ◆الأرضُ والقمحُ المقدَّسُ، والتّراثُ المخمليُّ،
- 82ومهرةُ الرَّغباتِ... هذا كلّه زبدٌ، زبدْ◆عُدْ يا ولدْ
- 83ضاعَ البلدْ◆بيدي أشرتُ إلى البلادِ،
- 84وتلكَ طائفةٌ من الهذيان تسحبُني إلى أوكارها◆مدَّدتُ أعضائي على حَبْلِ الغسيلِ، رأيتُ حبلَ المشنَقهْ
- 85خاطبتُ ربَّ اللذَّة الخرساء عن ميعاديَ البحري، حطَمَ زورقَهْ◆ووضعتُ أنفي في ركام العطرِ،
- 86كانتْ حلمةُ الأنثى تنزّ مشقَّقَهْ◆ما كان لي صوتٌ ليقطفَهُ غنائي
- 87أين أُخْفي كلَّ هذا اليأسِ؟◆لولاه رقصتُ على الذَّهَبْ
- 88وحشوتُ ظلَّ الطِّفل فاكهةً وحلوى،◆أو رميتُ على مخيَّمه اللّعَبْ
- 89لولا انهمارُ اليأس من أكتاف هذا العمرِ... لا،◆لا، لستُ خاتمةً لأصقاعِ البلاد،
- 90خذي سوايَ فلنْ أمددَ جرحيَ الأبديَّ فوق الطَّاولَةْ◆لا، لستُ حنجرةً لمنْ باعَتْ أساورها أمامي
- 91واستقالتْ من هيامي،◆وأنا نبيٌّ، لا إلهٌ في نهاري
- 92والشّوك أغلَقَ باب غاري◆وحدي أضاجعُ حلمي العاري، وآكلُ من غباري...
- 93بيدي أشيرُ إلى المكانْ:◆هل مِنْ هنا مرّتْ قوافلُهم؟ وهل كذبَتْ أساطيرُ الرجوعِ
- 94وأوقفَتْ نبض الرهانْ؟◆أم جفّ نعناعُ الضَّمائر، وانتشى حقلُ الزّؤانْ.
- 95
مَنْ سوف يسندني إذا لأرجَّ أدمغةَ الزّمانْ؟...