تَعقيبٌ على حَادِثَةِ قِطارِ الصَّعيد
عبدالعزيز جويدة62 بيت
- 1والتي راح ضحيتها مئات القتلى حرقًا◆هَذي البلادُ لِمَنْ ؟
- 2لكنَّنا ـ أبناءَها ـ◆لم نَلقَ غيرَالضَّنْ ؟
- 3وأبي الذي وَجَدَ الحياةَ◆صَعيبةً ، وكئيبةً ..
- 4حَملَ المَتاعْ◆وسألتُهُ عندَ الوداعْ
- 5فلأينَ تذهبُ يا أبي ؟◆دَمعَتْ عُيوني،
- 6اهتَزَّ قلبي◆حينَ قالَ : القاهرةْ
- 7بلدُ المآذنِ والكنائسْ◆فهُناكَ سيِّدُنا "الحُسين" ..
- 8و"السَّيِّدَةْ"◆مِن نسلِ أطهرِ طاهرَةْ
- 9سأزورُهم عندَ الوصولْ◆ولسوفَ أقرأُ للجميعِ الفاتِحةْ
- 10أبتي .. وماذا سوفَ تعملُ◆إن وصلتَ القاهرةْ ؟
- 11يا ابني سأعملُ أيَّ شيءْ◆سأكونُ شيَّالاً ..
- 12سأكونُ بوَّابًا ،◆سأكونُ "سَرِّيحًا" ...
- 13يا ابني أتعرفُ◆ما تكونُ القاهرةْ ؟
- 14للصبحِ تبقى ساهرةْ◆فيها المطاعمُ ، والملاهي ،
- 15والضِّفافُ الساحرةْ◆فيها البيوتُ الفاخرةْ
- 16في أيِّ وقتٍ عامرةْ◆ولسوفَ أُرسلُ كلَّ شهرٍ بالبريدْ
- 17مِائَتَي جُنيهٍ أو يَزيدْ◆فهناكَ يا ابني مَنطقةْ..
- 18بابِ الحديدْ◆كلَّ الصَعيدْ
- 19كلَّ الصَعيدِ..◆نَعم وربِّي يا بُنَيْ
- 20فيها تَجدْ ..◆أنا كنتُ أمشي،
- 21كانَ يركبُ فوقَ ظَهرِ حِمارِنا◆وعَليَّ جِلبابٌ مُمزَّقْ
- 22قد كانَ يَلفَحُني الغُبارْ◆وجميعُ أهلي في الحقولِ يُلوِّحونَ :
- 23وأبي يَردُّ ..◆يَردُّ آلافَ التَّحايا بابتسامةْ
- 24أنا مِن بُكائي لستُ أسمعْ◆فلِمن ستترُكُنِي .. أبي ؟
- 25ومتى سترجِعْ ؟◆وأنا الذي قد كنتُ
- 26في الكُتَّابِ من عامينِ .. لكنْ◆في ليلةٍ نادَى أبي
- 27نادى وصرَّحَ : يا بُنَيْ◆هذي ظُروفي لا تُساعِدْ
- 28لا وقتَ للكتَّابِ يا وَلَدي◆كانَ الطريقُ إلى المحطَّةِ باهِتًا
- 29وأنا أُجرجِرُ في أسى قدَمي◆ووحدي أستجيرُ
- 30وصَلَ القِطارْ◆متَهالِكًا ..
- 31كتَبوا على الجُدرانِ للذكرَى◆وسَهمًا شَقَّ قلبيهِمْ ،
- 32والأرضُ خوفْ◆وجُموعُ ناسٍ هائلةْ
- 33ومُعانِقون ،◆ومُودِّعون ،
- 34وبقيَّةٌ من دَمعِهم◆للمرَّةِ الأولَى أرَى ..
- 35شكلَ القِطارْ ،◆لونَ القطارْ ،
- 36طولَ القطارْ ،◆وأرى عذابَكَ يا انتِظارْ
- 37وأشمُّ ريحَ العائدينَ منَ السفرْ◆عَرَقًا ، غُبارْ
- 38عَرَباتُهُ ، ومَقاعدُهْ،◆منها تَهُبُّ روائحٌ
- 39وكأنَّها رَوَثُ البهائمْ◆صافحتُ في صمتٍ أبي
- 40ورَجعتُ وحدي في الطريقْ◆فوقَ الحِمارِ
- 41مرَّتْ سنينْ ..◆وأبي الذي ودَّعتُهُ
- 42جاءَ الألوفُ مُسافِرينَ◆ويقصِدونَ القاهرةْ
- 43ووصلتُ سِنَّ العاشرةْ◆وأبي الذي بالقاهرةْ
- 44أهدى خطابًا موجزًا..◆"بعدَ التحيةِ والسلامْ
- 45خَتْمُ الكلامْ ..◆ووقفتُ وحدي
- 46بالمحطَّةِ في انتِظارِهْ◆أمِّي ، وسِتَّةُ أخوةٍ بالبيتِ
- 47كانوا في انتِظارِهْ◆متشوقينَ لرؤيَتِهْ
- 48كم مَرَّتِ الأعوامُ دونَ لقائِهِ !◆كنَّا بِها مثلَ اليَتامى
- 49والحياةُ كمقبَرَةْ◆أمي تُغنِّي والصغارُ وراءَها
- 50يتشاجَرون ..◆ماذا سيحملُ مِن هدايا القاهرةْ !!
- 51مِن شارعِ "الموسكي"◆سَيأتي بالحَقائبِ عامرةْ
- 52مَن ذا الذي سيُقَبِّلُهْ◆ومَنِ الذي سيظلُّ مُختبئًا وراءَ البابِ
- 53ومَن الذي سيُناولُهْ ..◆جِلبابَهُ ، ومَداسَهُ ، ويُدَلِّلُهْ ...
- 54قد كنتُ وَحدي في انتِظارِهْ◆صمتٌ طويلٌ وانتِظارْ
- 55وَصَلَ القطارْ ..◆صَوتُ القطارْ ..
- 56نَفسُ القطارْ ..◆آتٍ يَشُقُّ الليلَ شقًّا ، والغُبارْ
- 57وَقفَ القطارْ ..◆فَرَغَ القطارْ ..
- 58وأنا أُفتِّشُ في وُجوهِ القادمينَ◆الحالِمينَ ، الضائعينَ ..
- 59الحاملينَ الحُزنَ بينَ الأمتِعَةْ◆لكنَّ عيني لم تَرَهْ
- 60وسألتُ مَن كانوا مَعَهْ ...◆الصوتُ نارْ ..
- 61والأرضُ نارْ ..◆والكونُ نارْ
- 62وسطَ الصراخِ أو العَويلِ أو الشِّجارِ◆قالوا: قدِ احتَرَقَ القِطارْ