أنا دون غيري - برحْلكِ - أوصيْتِني

عبد الناصر الجوهري

59 verses

Era:
العصر الحديث
Dedication

ثمَّ ترمَّل - بعْدُكِ - صبْحُ المدينةِ حين رحلْتِ؛

  1. 1
    فعاود يحْثو السَّواد على رأسهِ◆تذكَّرتُ حين لمحتُ العصافيرَ - أُمِّي -
  2. 2
    تُحوِّطُ صفْصافةً في انتحابْ◆تذكَّرتُ كنتُ أُقبِّلُ وجْهكِ،
  3. 3
    كان جميلًا ،◆وريقكِ مسْكُ الرُّضابْ
  4. 4
    وكنْتُ أظنُّ الفراقَ سرابْ◆أريدُ التَّعلِّمَ منْكِ
  5. 5
    خفايا اختياز جسور البِلَى،◆طبقيَّتهمْ في صراع المعيشةِ،
  6. 6
    سرَّ الدَّعاءِ المُجابْ◆فكيف تناقلْتِ عيشًا مريرًا بنا
  7. 7
    لا تخافين درْبَ الصِّعابْ؟◆تحمَّلتِ أمِّي
  8. 8
    وما تعرفين القراءةَ ،◆وما تعْرفين الكتابةَ،
  9. 9
    فحين تجىءُ مِنَ القريَّةِ الهاشميَّةُ جدَّتنا◆مُسْرعًا كنتُ أجري تجاه القطار ،
  10. 10
    وأقفزُ بين الحواري ،◆ويأخذني طولُ مسْبحةٍ في يديها
  11. 11
    وما سلَّةُ الخوْص إلا احتفالًا ،◆فما نسيتْ طيِّباتُ السَّغابْ
  12. 12
    تذكَّرتُ أخْتي الرَّضيعةَ بين ذراعيكِ ،◆كيف تُشفَّعُ فيكِ
  13. 13
    وتحْملُ روْحكِ بين الرِّحابْ◆وكيف سلكْتِ الحياةَ بلا معْبرٍ،
  14. 14
    كيف احتملْتِ مطايا الخرابْ؟◆وكيف ارتضيتِ اغترابكِ عَنْ قرْيةٍ
  15. 15
    جئْتِ منها ولم ترْجعي◆بعْد فقْدِ الأحبَّةِ ،
  16. 16
    أو بعد أىِّ مُصابْ◆أَمَا زلتِ تخشين أُمِّي نعيقَ الغرابْ؟
  17. 17
    كيف اغتربتِ بتلك المدينة وسط الشَّقا ،◆فلولاكِ ما كان لي أىُّ جذْر انتسابْ
  18. 18
    فأنتِ وشمْتِ القريحةَ - يا دُرَّة الرِّيف - بي ؛◆لم أكنْ شاعرًا،
  19. 19
    ناظمًا شاغلتْهُ المَهَا فاستتابْ◆فكيف مزجْتِ مع الفقْر ينبوعَ تلك الفصاحةِ ؛
  20. 20
    فاشتقتُ بحْرَ العُبابْ؟◆أخالكِ بين السُّطور حروفًا
  21. 21
    ستنْبُتُ فيها المجاز،◆ومسْودَّةٌ لا تُوثِّق غير مرار الغيابْ
  22. 22
    فكيف يُفرِّطُ فيكِ قُساةُ القلوبِ،◆ويُتْركُ جُثْمانُ راحلةٍ دون أىِّ حجابْ؟
  23. 23
    شقيقاى لم يسْتطيعا مُواراة موْتكِ في الاغترابْ◆هُما لكِ لا يسْتحقان انتسابْ
  24. 24
    فرَّطا في وداع الأحبَّةِ ،◆في حين تلك المسافاتُ وارتْ عليكِ الثِّيابْ
  25. 25
    وأنتِ الحبيبةُ تسْتحقين نور الملائكِ حولكِ،◆جئْتُكِ أُمِّي ؛
  26. 26
    لأقرأَ فاتحةً للكتابْ◆وأعلمُ حين أُقصِّرُ ؛
  27. 27
    أنَّكِ تُخْفين عنِّي العتابْ◆وحين ترجَّلتُ خلفكِ كنتُ أشقَّ الطريق
  28. 28
    أزفُّكِ نحو جنان الإيابْ◆وتمضي الجنازةُ بين الدِّيار
  29. 29
    وتفتحُ للموتِ بابْ◆فكلُّ المفارق في الحُزْن بابْ
  30. 30
    تطيَّبتِ أمِّي◆وبين الشَّوارع ريفيَّةٌ تلعبُ الحَجْلةَ وسط الصِّحابْ
  31. 31
    تناقلْتِ بين الحُقول لرعْي الجواميس،◆ما زال صوتكِ بين السَّواقي يصدُّ الذِّئابْ
  32. 32
    تطيَّبتِ أُمِّي؛◆لتأخذكِ الصِّبية الآن..
  33. 33
    مِنْ أجل جنْي العناقيدِ في كرْم همِّ بلغْتيهِ◆أو كرْم ذاك السَّرابْ
  34. 34
    كأنِّي أراكِ بفرْدوسِ ربِّي◆وولدانها طُوِّفتْ بالشَّرابْ
  35. 35
    كأنِّي أراكِ بقصْرٍ الزبرجد فاح مسْكُ البداوةِ منْهُ،◆وبالشُرفاتِ دنتْ هادلاتُ القبابْ
  36. 36
    أراكِ كذا تدْخُلين◆بلا أىِّ مُعْضلةٍ ،
  37. 37
    بلا أي سابقةٍ للعذابْ◆كأنِّي أراكِ بطيَّات ذاك الصِّراط ِ،
  38. 38
    تمرِّين كالبْرق ،◆حيث إلى جنة اللهِ فيها الخلود أنابْ
  39. 39
    تشمِّين زهْر السُّرور◆وبابُ الفراديس يُفتحُ ،
  40. 40
    ذوْقي عناقيدَ رحْمتهِ ،◆أو طهورَ الشَّرابْ
  41. 41
    إلى الله روْحُكِ عادتْ لبرزخها◆في حواصل طير الجنان
  42. 42
    مُعلَّقةً بالعرْشِ حيْثُ القناديلُ مأوى مقامٍ،◆أفيضي علىَّ
  43. 43
    فما زال حُزْنكِ ساعي البريد ،◆ويحملُ منْكِ إلىَّ خطابْ ؟
  44. 44
    وألْسنةُ الأمس تلهثُ خلْفي◆دخانٌ قريبٌ يسبِّبُ كل اشتعال الحرائق،
  45. 45
    مُنْتظرًا للثقابْ؟◆يُضيِّعُ مكْيالُ إرث النِّصابْ
  46. 46
    ويفْتحُ للبلديَّةِ كشْفَ حسابْ◆فأفْلتِّ كيف مِنَ الكيْدِ ؛
  47. 47
    والكيْدُ كان بكل الصَّنابير أمسْى مُذابْ؟◆فشبَّ اليتامى وراءكِ قد أفْطمتْهم ليالي الشَّقاء
  48. 48
    على عضَّةٍ للضُّرُوس ،◆تُعيدين لي ضحكةً
  49. 49
    عانقتْ ثغْرَ ذاك اللَّمَى المُسْتطابْ◆قلادتكِ الذَّهبيَّةُ قد ضيَّعتها سنونُ اغترابكِ ..
  50. 50
    وقْت الشَّبابْ◆أنا دون غيري - بـــرحْلكِ - أوْصيْتني
  51. 51
    حين أُسْقطَ منْكِ شغافٌ مِنَ العُمْر،◆آثرتِ برْزخَ كشْف الحجابْ
  52. 52
    هُنا طفلتاىَ صرخْنَ عليكِ،◆ويرْغمْن شوقَ الفؤادِ على الاحتسابْ
  53. 53
    فــأينكِ والدَّارُ ثكْلى لفقْد الأحبَّةِ أُمِّي◆سألتُ -وربّكِ - عنْكِ الجِرارَ،
  54. 54
    هَوَى العتباتِ،◆وما بادلتْني الجوابْ
  55. 55
    سألتُ القوافي وشطْرىَّ بيْتي المُنغَّم◆كيف استبنْتِ بحدْسكِ بئر الغيابْ
  56. 56
    غدًا تسْتريحُ خُطاكِ ،◆وربَّاتُ تلك الحِجال تلمْلمُ قشَّكِ،
  57. 57
    لا تسْتطيعُ صعود الأعالي،◆فقد أعْجزتْ كل تلك الرِّقابْ؟
  58. 58
    لا مُرَّ أوْدعكِ الأمْس راىَ السَّلامةِ ،◆اطْمئنِّي وصاياكِ صارتْ
  59. 59

    حدائقَ ملْء السَّحابْ.