يا قدس

عبد الرحمن العشماوي

79 verses

  1. 1
    ما كلُّ مَنْ نطقوا الحروفَ أبانوا◆فلقد يَذوبُ بما يقولُ لسانُ
  2. 2
    لغة الوفاءِ شريفةٌ كلماتُها◆فيها عن الحبِّ الأصيلِ بَيانُ
  3. 3
    يسمو بها صدقُ الشعور إلى الذُّرا◆ويزُفُّ عِطْرَ حروفها الوجدانُ
  4. 4
    لغةٌ تَرَقْرَقَ في النفوس جمالُها◆وتألَّقتْ بجلالها الأَذهانُ
  5. 5
    يجري بها شعري إليكم مثلما◆يجري إلى المتفضِّل العِرْفانُ
  6. 6
    لغةُ الوفاء، ومَنْ يجيد حروفَها◆إلا الخبير الحاذق الفنَّانُ؟
  7. 7
    أرسلتُها شعراً يُحاط بموكبٍ◆من لهفتي، وتزفُّه الألحانُ
  8. 8
    ويزفُّه صدقُ الشعور وإِنَّما◆بالصدق يرفع نفسَه الإِنسانُ
  9. 9
    أرسلتُ شعري والسَّفينةُ لم تزلْ◆في البحر، حار بأمرها الرُّبَّانُ
  10. 10
    والقدس أرملةٌ يلفِّعها الأسى◆وتُميت بهجةَ قلبها الأحزانُ
  11. 11
    شلاَّلُ أَدْمُعِها على دفَقاته◆ثار البخار فغامت الأَجفانُ
  12. 12
    حسناءُ صبَّحها العدوُّ بمدفعٍ◆تَهوي على طلقاته الأركانُ
  13. 13
    أَدْمَى مَحاجرها الرَّصاص ولم تزلْ◆شمَّاءَ ضاق بصبرها العُدوانُ
  14. 14
    لْقى إليها السَّامريُّ بعجله◆وبذاتِ أَنواطٍ زَهَا الشَّيْطَانُ
  15. 15
    نَسي المكابرُ أنَّ عِجْلَ ضلالِه◆سيذوب حين َتَمُّسه النيرانُ
  16. 16
    حسناءُ، داهمَها الشِّتاءُ، ودارُها◆مهدومةٌ، ورضيعُها عُريانُ
  17. 17
    وضَجيج غاراتِ العدوِّ يَزيدها◆فَزَعاً تَضَاعف عنده الَخَفقانُ
  18. 18
    بالأمسِ ودَّعها ابنُها وحَليلُها◆وابنُ اْختها وصديقُه حسَّانُ
  19. 19
    واليوم صبَّحتِ المدافعُ حَيَّها◆بلهيبها، فتفرَّق الجيرانُ
  20. 20
    باتت بلا زوجٍ ولا اِبنٍ ولا◆جارٍ يَصون جوارَها ويُصَانُ
  21. 21
    يا ويحَها مَلَكتْ كنوزاً جَمَّة◆وتَبيت يعصر قلبَها الِحرْمانُ
  22. 22
    تَستطعم الجارَ الفقيرَ عشاءَها◆ومتى سيُطعم غيرَه الُجوْعَانُ
  23. 23
    صارتْ محطَّمةَ الرَّجاء، وإنَّما◆برجائه يتقوَّت الإِنسانُ
  24. 24
    يا قدسُ يا حسناءُ طال فراقُنا◆وتلاعبتْ بقلوبنا الأَشجانُ
  25. 25
    من أين نأتي، والحواجزُ بيننا:◆ضَعْفٌ وفرقةُ أُمَّةٍ وهَوانُ؟
  26. 26
    من أين نأتي، والعدوُّ بخيله◆وبرَجْلهِ، متحفِّزٌ يَقْظَانُ؟
  27. 27
    ويَدُ العُروبةِ رَجْفَةٌ ممدودةٌ◆للمعتدي وإشارةٌ وبَنانُ؟
  28. 28
    ودُعاةُ كلِّ تقُّدمٍ قد أصبحوا◆متأخرين، ثيابُهم أَدْرَانُ
  29. 29
    متحدِّثون يُثَرْثِرُون أشدُّهم◆وعياً صريعٌ للهوى حَيْرانُ
  30. 30
    رفعوا شعارَ تقدُّمٍ، ودليلُهم◆لِينينُ أو مِيشيلُ أو كاهانُ
  31. 31
    ومن التقدُّم ما يكون تخلُّفاً◆لمَّا يكون شعارَه العصيانُ
  32. 32
    أين الذين تلثَّموا بوعودهم◆أين الذين تودَّدوا وأَلانوا؟
  33. 33
    لما تزاحمت الحوائجُ أصبحوا◆كرؤى السَّراب تضمَّها القيعانُ
  34. 34
    كرؤى السَّرابِ، فما يؤمِّل تائهٌ◆منها، وماذا يطلب الظمآنُ؟
  35. 35
    يا قدس، وانتفض الخليلُ وغَزَّةٌ◆والضِّفتان وتاقت الجولانُ
  36. 36
    وتلفَّت الأقصى، وفي نظراته◆أَلَمٌ وفي ساحاته غَلَيانُ
  37. 37
    يا قُدس، وانبهر النِّداءُ ولم يزلْ◆للجرح فيها جَذْوةٌ ودُخانُ
  38. 38
    يا قدس، وانكسرتْ على أهدابها◆نَظَراتُها وتراخت الأَجفانُ
  39. 39
    يا قُُدْسُ، وانحسر اللِّثام فلاحَ لي◆قمرٌ يدنِّس وجهَه استيطانُ
  40. 40
    ورأيتُ طوفانَ الأسى يجتاحُها◆ولقد يكون من الأسى الطوفانُ
  41. 41
    كادت تفارق مَنْ تحبُّ ويختفي◆عن ناظريها العطف والتَّحنانُ
  42. 42
    لولا نَسائمُ من عطاءِ أحبَّةٍ◆رسموا الوفاءَ ببذلهم وأعانوا
  43. 43
    سَعِدَتْ بما بذلوا، وفوقَ لسانها◆نَبَتَ الدُّعاءُ وأَوْرَقَ الشُّكرانُ
  44. 44
    لكأنني بالقدس تسأل نفسَها◆من أين هذا الهاطلُ الَهتَّانُ؟
  45. 45
    من أين هذا البذلُ، ما هذا النَّدى◆يَهمي عليَّ، ومَنْ هُم الأَعوانُ؟
  46. 46
    هذا سؤال القدس وهي جريحةٌ◆تشكو، فكيف نُجيب يا سَلْمانُ؟
  47. 47
    وتشرَّف التاريخ حين سَمَتْ به◆أخبارُهم، وتوالت الأَزمانُ
  48. 48
    في أرضنا للناس أكبرُ شاهدٍ◆دينٌ ودنيا، نعمةٌ وأَمانُ
  49. 49
    هي دوحةُ ضَمَّ الحجازُ جذورَها◆ومن الرياض امتدَّت الأَغصانُ
  50. 50
    الأصل مكةُ، والمهاجَرُ طَيْبةٌ◆والقدسُ رَوْضُ عَراقةٍ فَينانُ
  51. 51
    شيمُ العروبة تلتقي بعقيدةٍ◆فيفيض منها البَذْلُ والإحسانُ
  52. 52
    للقدس عُمْقٌ في مشاعر أرضنا◆شهدتْ به الآكامُ والكُثْبانُ
  53. 53
    شهدت به آثارُ هاجرَ حينما◆أصغتْ لصوت رضيعها الوُديانُ
  54. 54
    شهدت به البطحاء وهي ترى الثرى◆يهتزُّ حتى سالت الُحْلجانُ
  55. 55
    ودعاءُ إبراهيمَ ينشر عطره◆في الخافقين، وقلبُه اطمئنان
  56. 56
    هذي الوشائج بين مهبط وحينا◆والمسجد الأقصى هي العنوانُ
  57. 57
    هو قِبلةٌ أُولى لأمتنا التي◆خُتمت بدين نبيِّها الأديانُ
  58. 58
    أوَ لَمْ يقل عبدالعزيز وقد رأى◆كيف الْتقى الأحبار والرُّهبانُ
  59. 59
    وأقام بلْفُورُ الهياكلَ كلَّها◆للغاصبين وزمجر البُركان
  60. 60
    وتنمَّر الباغي وفي أعماقه◆حقدٌ، له في صدره هَيجَانُ
  61. 61
    وتقاطرتْ من كلِّ صَوْبٍ أنْفُسٌ◆منها يفوح البَغْيُ والطغيانُ
  62. 62
    وفدوا إلى القدس الشريف، شعارهم◆طَرْدُ الأصيل لتخلوَ الأوطانُ
  63. 63
    وفد اليهود أمامهم أحقادهم◆ووراءهم تتحفَّرُ الصُّلبان
  64. 64
    أوَ لم يقل عبدالعزيز، وذهنُه◆متوقدٌ، ولرأيه رُجْحَانُ
  65. 65
    وحُسام توحيد الجزيرة لم يزلْ◆رَطْباً، يفوح بمسكه الميدانُ
  66. 66
    في حينها نَفضَ الغُبارَ وسجَّلَتْ◆عَزَماتِه الدَّهناءُ والصُّمَّانُ
  67. 67
    أوَ لم يَقُلْ، وهو الخبيرُ وإِنما◆بالخبرةِ العُظْمى يقوم كيانُُ
  68. 68
    مُدُّوا يدَ البَذْلِ الصحيحةَ وادعموا◆شعبَ الإِباءَ فإنهم فُرْسَانُ
  69. 69
    شَعْبٌ، فلسطينُ العزيزةُ أَنبتتْ◆فيه الإباءَ فلم يُصبْه هَوانُ
  70. 70
    شَعْبٌ إذا ذُكر الفداءُ بَدا له◆عَزْمٌ ورأيٌ ثاقبٌ وسنانُ
  71. 71
    شعبٌ إذا اشتدَّتْ عليه مُصيبةٌ◆فالخاسرانِ اليأسُ والُخذلاُن
  72. 72
    لا تُخرجوهم من مَكامنِ أرضهم◆فخروجُهم من أرضهم خُسران
  73. 73
    يا قُدْسُ لا تَأْسَي ففي أجفاننا◆ظلُّ الحبيبِ، وفي القلوبِ جِنانُ
  74. 74
    مَنْ يخدم الحرمين يأَنَفُ أنْ يرى◆أقصاكِ في صَلَفِ اليَهودِ يُهانُ
  75. 75
    يا قُدسُ صبراً فانتصاركِ قادمٌ◆واللِّصُّ يا بَلَدَ الفداءِ جَبَانُ
  76. 76
    حَجَرُ الصغير رسالةٌ نُقِلَتْ على◆ثغر الشُّموخ فأصغت الأكوانُ
  77. 77
    ياقدسُ، وانبثق الضياء وغرَّدتْ◆أَطيارُها وتأنَّقَ البستانُ
  78. 78
    يا قدس، والتفتتْ إِليَّ وأقسمتْ◆وبربنا لا تحنَثُ الأَيمانُ
  79. 79
    واللّهِ لن يجتازَ بي بحرَ الأسى◆إلاَّ قلوبٌ زادُها القرآنُ