(القديح) عرسٌ في السماء
جاسم الصحيح104 verses
- Era:
- العصر الحديث
Dedication
كانت قرية (القُدَيح) في محافظة (القطيف) تحتفل بزفاف إحدى صباياها (فاطمة)، حينما اندلَعَ حريقٌ هائلٌ في مخيَّم الزفاف، والتهمَ سبعينَ ضحيَّةً بين امرأةٍ وصبيَّةٍ وطفلٍ، إضافةً إلى هذه المرثيّة:
- 1جاثٍ بِـبابِكِ يا (قديحُ)◆أُقَبِّلُ العتباتِ محراباً
- 2وأعرجُ في مدارِ الغيبِ نحو السـرمدِ الأَبَدِيِّ◆حيث تَبَتَّلَ الشُهداءُ لِلُّغْزِ العتيقْ
- 3كُلِّي تَـجَمَّعَ في فَمي◆فخرجتُ من شَفَتَيَّ
- 4تقذفُني تناهيدي مع الأَلَمِ الطليقْ◆وأتيتُ مُنتحلاً بنفسجةَ الكآبةِ
- 5أستدرُّ العطرَ جَهْشَتَهُ◆وأستجدي الدموعَ من الرحيقْ
- 6ذَوَّبْتُ في عَسَلِ العَزَاءِ مرارةَ الحزنِ العميقْ◆أَمليكةَ الشهداءِ..
- 7ما زالَ الشقيقُ هُوَ الشقيقْ◆ما زال فيما بيننا
- 8جسـرٌ من الأحزانِ◆منتصبٌ على العهدِ الوثيقْ
- 9عينانِ تتَّحدانِ بالمجهولِ في أقصـى السماءِ◆وروحيَ (الـهَجَرِيَّةُ) الثكلى تخبُّ بِـيَ الطريقْ
- 10ما أرشدَ (الأحساءَ) للأحزانِ!◆يا (سَبَأَ) المآسـي..
- 11إنَّ للأحساءِ في الأحزانِ (هُدْهُدَها) العريقْ◆آتٍ ومِلءُ قصيدتي خُبْزٌ من الرحماتِ
- 12أُطعِمُهُ القبورَ أوِ المنازلَ◆قد تشابـهتِ المنازلُ والقبورُ
- 13كِلاهما فزعٌ وضِيقْ◆والمفرداتُ حمائمٌ سُودٌ
- 14تحومُ على رفاتِ الأبجديَّةِ◆داخلَ الصمتِ السَّحِيقْ
- 15عَصَـرَتْ شـراشفَها على عينيَّ◆وانْسَحَبَتْ على الخدَّينِ
- 16لاهثةً كأنفاسِ الغريقْ◆وعلى مدى خمسينَ رابيةً
- 17لمحتُ مآتمَ الياقوتِ طافحةً بِأنَّاتِ العقيقْ◆مَطَرٌ من الغربانِ
- 18ينعقُ هاطلاً◆في قريةٍ غَرِقَتْ بطوفانِ النعيقْ
- 19كلُّ النُخَيْلاتِ التي شَهِدَتْ مراسيمَ الفجيعةِ◆أَسْدَلَتْ أعذاقَها دوني
- 20لأقطفَ من مجانيها تفاصيلَ (الحريقْ)◆ومضيتُ أقتطفُ المشاهدَ
- 21من عذوقِ النخلِ داميَةَ الرُّطَبْ◆هذا الحصادُ من الأسى
- 22يكفي لإشباعِ القصائدِ عبر آلافِ الحِقَبْ◆والنخلُ.. هذا المؤمنُ الأزليُّ..
- 23لم تزحفْ على شَفَتَيْهِ آفاتُ الكَذِبْ◆قَدَرٌ غريبٌ أَفزَعَ الأبوابَ
- 24واقتحمَ المنازلَ مثل عفريت الغَضَبْ◆لا تسألوا القَدَرَ الغريبَ عن السَّبَبْ
- 25لا تجرحوهُ بمُديةِ العُتْبَى وسكِّينِ العَتَبْ◆في الرحلةِ العمياءِ يعثر في الحُجُبْ
- 26قد أَشْمَسَتْ مِنَّا الجباهُ بفكرةِ الإيمانِ◆وانقطعَ الطريقُ على السُّحُبْ
- 27هاكُمْ تفاصيلَ الفجيعةِ◆منذ شدَّ الليلُ قامتَهُ الفتيَّةَ وانْتَصَبْ
- 28ومليكةُ الشهداءِ◆ترقصُ بين أذرعةِ القَصَبْ
- 29مُختالةً في زحمةِ الألوانِ◆تخطر في قَوَامٍ من لآلئِها
- 30وتشمخُ في جبينٍ بالفُتُوَّةِ مُنْتَصِبْ◆كما الدوالي ينحنينَ على ثُرَيَّاتِ العِنَبْ
- 31تشدُّ طوقاً من زغاردَ حول خاصـرةِ الطَّرَبْ◆لَبِسَ المكانُ أنوثةَ الحِنَّاءِ
- 32وانطلقتْ عصافيرُ الأساورِ◆تغسل الآفاقَ في نَـهَرِ الصَّخَبْ
- 33الجلوةُ الأولى سَتُرفَعُ..◆ها هُوَ الصوتُ الجماعيُّ استطالَ
- 34مُوَحِّداً كلَّ الحناجرِ في الصلاةِ على النبيِّ وآلِهِ:◆(بَلَغَ العُلى بكمالِهِ
- 35كشفَ الدجى بجمالِهِ◆حَسُنَتْ جميعُ خصالِهِ
- 36صلُّوا عليهِ وآلِهِ)◆الجلوةُ الأُولى قدِ اكتملَتْ
- 37وحُمَّى النشوةِ الخضـراءِ تشـربُـها الرؤوسْ◆ولآلئُ الأحلامِ
- 38تُولَدُ من محاراتِ النفوسْ◆هذي صبايا الحيِّ..
- 39كلُّ صبيَّةٍ وَقَفَتْ◆تعدُّ لآلئَ الأحلامِ في دَمِها.. ويرتبكُ العَدَدْ
- 40وكلُّ جديلةٍ من شَعْرِها تمتدُّ في عُمُرِ الأَبَدْ◆وتفيضُ بالرغباتِ خابيةُ الجَسَدْ:
- 41سأتيهُ في فستانِ (فاطمةٍ) غدًا أوْ بَعْدَ غَدْ◆سأُطَرِّزُ الفستانَ بالنجماتِ حرزاً من شياطين الحَسَدْ
- 42سأكونُ أجملَ◆كيْ يئنَّ الماءُ في الأصلابِ من شوقٍ إليَّ ومن كَبَدْ
- 43سأحسُّ رجرجةَ الحقيقةِ بين أضلاعي إذا انعقَدَ الوَلَدْ◆وانشقَّتْ هنا الأحلامُ عن أُفُقٍ..
- 44فأشـرقتِ العروسْ◆حوريَّةً سَمِعَتْ نداءَ الله يدعوها
- 45فأشعلَها الحنينُ إلى الألوهةِ◆مثل شمسٍ باتِّساع الليل
- 46فَرَّتْ من مداراتِ الشموسْ◆عَبَرَتْ حدودَ الغيبِ
- 47من بَشَـريِّـها الفاني إلى أَبَدِيِّـها الباقي◆ورَاحَتْ في فرادسِهِ تجوسْ
- 48هذا زفافٌ لم تَسَعْهُ الأرضُ من فرط القداسةِ◆فاستضافَتْهُ السماءْ
- 49لم يُدْعَ للعرسِ المقدَّسِ◆غير مِسبحةٍ من الأطفالِ
- 50قد نُظِمَتْ بِسِلْكٍ من نِسَاءْ◆وقلادةٍ من أنبياءْ
- 51لم نُدْعَ نحنُ الأشقياءْ◆الموتُ دعوتُنا الخفيَّةُ للطهارةِ والنَقَاءْ
- 52ما شأنُنا بالعرسِ؟!◆كان العرسُ معراجاً
- 53وكُنَّا نحن (صوفِيِّينَ)◆دون صبابةٍ تكفي لإدراك (الفَنَاءْ)
- 54العرسُ ضيفُ الله أَنْزَلَهُ بِجَنَّاتِ البَقَاءْ◆عودوا بنا للنارِ حيث تَوَهَّجَتْ تُحَفُ الإلهْ
- 55فهُنَا شموعُ أصابعٍ◆كانت تُضـيءُ الحَفْلَ.. تَـمنَحُهُ سَنَاهْ!
- 56وهناكَ إكليلٌ من الصلواتِ ذوَّبَهُ تُقَاهْ◆وضفيرةٌ في الرُكْنِ تشهقُ بالحنينِ إلى الحياهْ
- 57هذا (المخيَّمُ) معبدٌ مُتَجَمِّرٌ بالحُبِّ◆فاعتكفوا بهِ يا أيُّـها الشعراءُ
- 58واقتبِسوا معاني الدِفءِ من نجوى لظَاهْ◆لا تندبوهُ..
- 59ولا تُحيلوا المعبدَ القُدْسِـيَّ تابوتاً يُزَخْرِفُهُ الأَدَبْ◆عودوا بِنا للنَّارِ..
- 60نارِ الحربِ ما بين الأمومةِ واللَّهَبْ◆لِـنَشُمَّ رائحةَ الطفولةِ في شـرايين الحَطَبْ
- 61طفلٌ تطاردُهُ الجهاتُ وتستغيثُ به اللُّعَبْ◆وصبيَّةٌ هَرَبَ الصِّبا منها.. وأخطأَها الهَرَبْ!
- 62والأُمُّ تختمُ مهرجانَ رضاعِها القدسـيَّ..◆هذي رضعةُ الحبِّ الأخيرةُ..
- 63ينهض الثديانِ في شَغَفٍ ويحترقانِ من فرط الحَدَبْ◆الأُمُّ تمتشقُ الدعاءَ على ثعابينِ الدخانِ
- 64وترتدي درعاً من الصـرخاتِ◆فيما الحُبُّ في الميدانِ حَاصَـرَهُ الشَّغَبْ
- 65الأمُّ تسقطُ عبر سَهْمٍ◆طاشَ من قوسِ الحقيقةِ واضْطَرَبْ
- 66سَقَطَ المكانُ مُوَزَّعَ الأشلاءِ◆والليلُ الـمُطَهَّمُ عن مَجَرَّتِهِ انقَلَبْ
- 67وتَـهَاوَتِ الأجسادُ جاثيةً على أسمائِها◆حيثُ الوجوهُ بلا وجوهٍ
- 68والملامحُ سِحْنةٌ سوداءُ◆ضَيَّعَتِ الطريقَ إلى العَصَبْ
- 69هذي الصغيرةُ إسْمُها...◆ما إسمُها يا نَخْلُ؟
- 70- عودوا للضفيرةِ◆فالضفيرةُ قد تقودُ إلى النَسَبْ
- 71تلك المليحةُ أصلُها...◆ما أصلُها يا نخلُ؟
- 72- عودوا للأساورِ◆فالأساورُ قد تَدُلُّ على الحَسَبْ
- 73ضَاعَتْ عناوينُ الجنائزِ◆لم نَعُدْ ننعى سوى جُثَثٍ هُنا مجهولةِ الأكفانِ
- 74سَيَّجَها بعَتْمَتِهِ، الحِدَادْ◆وتـهاوتِ الأنسابُ
- 75تبحثُ عن معادنِـها الكريمةِ بينَ أكوامِ الرمادْ◆إنَّ الأرضَ مِـحْنَتُنَا القديمةُ
- 76منذُ شِئْنَا أن نكون كما نريدُ وأنْ نُقَاوِمَ ما يُرَادْ◆يا جهشةَ الـحِنَّاءِ في الفَرَحِ الـمُكَفَّنِ بالسَّوَادْ
- 77لُـمـِّي الرمادَ على الرمادْ◆هذا التَّوَحُّدُ داخلَ المجهولِ أحوجُ ما يكونُ له العِبَادْ
- 78سَقَطَتْ خيولُ الفلسفاتِ◆على دروب الحُزْنِ ما بين الجوانحِ والفؤادْ
- 79وتَفَحَّمَتْ كلُّ الحقائقِ في الأسى◆لم يبقَ إلاَّ الحُبُّ يعبر بين أشلاءِ الضحايا
- 80زَاهِياً بالقولِ:◆لم تَخُنِ الأمومةُ ثَدْيَـهَا أَبَداً
- 81ولم يظمأْ على أحضانِـها طفلُ الجِهادْ◆يا حُبُّ.. يا لُغَةَ العنادْ
- 82هذي (القديحُ)◆منارةٌ تبكي و محرابٌ يُشاطرُها البُكَاءْ
- 83والموتُ مصطافٌ يجول بموكبٍ من كبرياءْ◆ماذا سنصنعُ..
- 84والشوارعُ لم تُفَصَّلْ باتِّسَاعِ الموتِ ؟◆إنَّ الموتَ يجتثُّ المنازلَ كيْ يشقَّ طريقَهُ دونَ انْحِنَاءْ
- 85ما أكثرَ الدُّورَ التي هَرَبَتْ◆لِيعبرَ ذلك المَلِكُ المتوَّجُ بِالفَنَاءْ
- 86وَجَعٌ بأضلاعِ الأزقَّةِ..◆آهِ.. تصـرخُ كلُّ زاويةٍ
- 87وتخمشُ وجهَهَا كَمَداً..◆يحطُّ الموكبُ (القَدَرِيُّ) فوق بِسَاطِهِ اللَّيليِّ..
- 88تأخذُ لعبةُ الشطرنجِ زينتَها◆وتجلسُ فوقَ طاولةِ (القَضَاءْ)
- 89مَنْ يـهزمُ الموتَ الجَبانَ وقد تسلَّحَ بِالخَفَاءْ؟!◆ما زال في ملكوتِهِ
- 90يغتالُ كلَّ عشيَّةٍ قَمَراً◆ويبعثُ غارةً سوداءَ في جُنْدِ الضِياءْ
- 91الموتُ أتقنَ لعبةَ الشطرنجِ◆منذ النقلةِ الأولى من الأجسادِ
- 92في غمراتِ صلصالٍ وماءْ◆يا أيُّها العُرْسُ المقدَّسُ
- 93يا جنيناً سُلَّ من رَحِمِ السعادةِ في يَدَيْ وَلاَّدةٍ عمياءَ◆يا عَرَقَ الأمومةِ في مخاضِ اليأسِ
- 94يا فَرَحاً على وجهِ القوابلِ راح يسـرقُهُ الخُفُوتْ◆تَـمَايَلَتْ في هودجٍ من موتِـها العاري
- 95وزُفَّتْ في القصائدِ بين أبكارِ النُعُوتْ◆تاجٌ من الأَرْزَاءِ كَلَّلَهَا
- 96وحَطَّتْ فوق هودجِها خفافيشُ السكوتْ◆هِيَ في جنازتِـها تسيرُ كَمَنْ يموتُ ولا يموتْ
- 97طَلَعَتْ على التاريخِ◆من أفقِ الشهادةِ فوق أجنحةِ القُنُوتْ
- 98وتساءَل التاريخُ :◆هل هذي بيوتٌ؟!
- 99أم نعوشٌ آمنَتْ بالنُورِ◆فاتِّخَذَتْ لها شكلَ البيوتْ؟!
- 100الوحشةُ الرقطاءُ◆تنهشْ في مفاصلِها، وصمتٌ عنكبُوتْ
- 101هَلْ نحنُ أهلُ الأرضِ؟!◆أمْ محضُ استعاراتٍ بـهذا الدفترِ السُفْلِـيِّ
- 102يكتبُنا ويمحونا الترابْ؟!◆هَلْ هُوَ رتبةُ الفَقْدِ الأخيرةُ في مقاماتِ الغيابْ؟!
- 103يا كاتبَ الأجسادِ في سِفْرِ القبورِ..◆متى سيكتملُ الكتابْ؟
- 104هذا سؤالٌ لم يَزَلْ في جُوعِهِ الأَزَلِـيِّ◆موعوداً بِمائدةِ الجوابْ