مأساة الشاعر

نازك الملائكة

117 بيت

العصر:
العصر الحديث
البحر:
نثريه
حفظ كصورة
  1. 1
    قد هبطنا في شاطىء الشعر والفن◆فماذا فيه من الأفراح؟
  2. 2
    ها هو الشاعر الكئيب وحيدا◆تحت سمع الآصال والأصباح
  3. 3
    أبدا ساهم يراقب أيّا◆م حياة لا تنقضي بلواها
  4. 4
    لا يرى الواهمون غير ضحاها◆ويعيش الفّنان تحت دجاها
  5. 5
    يرقب الأشقياء في ظلمة العيـ◆ـش ويبكي لهم بكاء غبين
  6. 6
    ويصوغ الألحان يرثى لبلوا◆هم ويبكي على الوجود الحزين
  7. 7
    طالما بات ساهد الطرف حيرا◆ن يسرّ الظلام أحزان شاعر
  8. 8
    لا يرى في الحياة إلا وجودا◆ظلّلته يد الشقاء العاصر
  9. 9
    أبدا لا يرى سوى مسرح المأ◆ساة بين الدموع والتنهيد
  10. 10
    وستارا من الدجى يتجلّى◆كلّ يوم عن مّيت ووليد
  11. 11
    واكتئابا يمشي على صور الكو◆ن جميعا ولوعة وشقاء
  12. 12
    ودموعا تلوح في كل عينيـ◆ـن ودهرا يخادع الأحياء
  13. 13
    ليس يلقى الحياة إلا حزين الـ◆ـقلب حيران في هموم الحياة
  14. 14
    كلما أنّ بائس ذرف الشا◆عر دمع الأسى على المأساة
  15. 15
    وإذا أذبل الجليد زهو الـ◆ـلوز ران الأسى العميق عليه
  16. 16
    وإذا ماتت البلابل ظمأى◆جال دمع الرثاء في مقلتيه
  17. 17
    فهو قلب قد صيغ من رقّة الزهـ◆ـر وعين قد طهّرت بالدموع
  18. 18
    وحياة حسّاسة ليس يدري◆سرّها غير شاعر مطبوع
  19. 19
    هي عمر ظمآن تعصره العُزْ◆لة عصرا, يمرّ كالآزال
  20. 20
    في سكون لا صوت يسمع فيه◆غير صوت الصرّار تحت الليالي
  21. 21
    غير همس الحمام في الجبل المو◆حش أو لحن بلبل مهجور
  22. 22
    وحفيف الأشجار في قبضة الر◆يح وصوت الرعود في الديجور
  23. 23
    غير همس الأشباح ملء دجى الشا◆عر في ليله الطويل الجديب
  24. 24
    يتلقّى الأشعار عنها ويحيا◆أبدا في حمى الأسى والشحوب
  25. 25
    أيها الشاعر الذي يسهر الليـ◆ـل وحيدا مستغرقا في الجمود
  26. 26
    محرقا روحه بخورا على حبّ◆(أبولو) ووحيه المنشود
  27. 27
    ساهدا حانيا على القلم الشا◆عر يرثي الدجى ويبكي السنينا
  28. 28
    راسما للحياة صورتها المرّ◆ة بين الجياع والبائسينا
  29. 29
    أطفىء الضوء أيّها الشاعر المتـ◆ـعب وارحم فؤادك الموجوعا
  30. 30
    كاد يخبو ضوء السراج وتأتي◆ظلمات الدجى عليه جميعا
  31. 31
    رقد العالم المعذّب تحت الـ◆ـليل فارقد واترك بقايا النشيد
  32. 32
    حسبك الآن ما سهرت مع الحا◆رس ترثي لليله المكدود
  33. 33
    قد أوى الحارس الكئيب إلى الكو◆خ إلى غمضة الكرى والطيوف
  34. 34
    فكفى يا حزين عطفا على الكو◆ن ورفقا بقلبك الملهوف
  35. 35
    عجبا كيف تسهر الشاعر الملـ◆ـهم أحزان من عن الحزن ناموا
  36. 36
    كيف ترقا مدامع الورد في الحقـ◆ـل ويبكي على أساها الحمام
  37. 37
    آه يا شاعري المعذّب ماذا؟◆أكذا تصرف الحياة غبينا؟
  38. 38
    في سبيل الوحي السماويّ تحيا◆شاحب الوجه متعبا محزونا
  39. 39
    بعت بالشعر لهو أيّامك الظمأ◆ى وعفت الحياة عينا وقلبا
  40. 40
    ونذرت الشباب والحبّ للفنّ◆لتحيا على الجراح محبّا
  41. 41
    ليس يعنيك أن ترافقك الأحـ◆ـزان ما دمت ملهما صدّاحا
  42. 42
    ليس يرضيك غير تغّنيـ◆ـه وإن صغته أسى ونواحا
  43. 43
    ليس تعطي الحياة للشاعر المجـ◆ـد إذا لم يذق هموم الحياة
  44. 44
    ليس تسمو الأرواح إن لم تطهّر◆ها معاني الدموع والآهات
  45. 45
    فإذا أشحب الأسى وجنة الشا◆عر أو بات ليلة أوّاها
  46. 46
    وإذا عضّ قلبه مخلب الحز◆ن وضاقت حياته بأساها
  47. 47
    خاطبته الحياة : يا شاعري الملـ◆ـهم يا ابن الشحوب والآلام
  48. 48
    النجوم الوضاء لا تبعث السحـ◆ـر إذا لم يسدل ستار الظلام
  49. 49
    والذي يجمع الزهور يدوس الـ◆الشوك يا شاعري ويمشي عليه
  50. 50
    والذي يعشق الطبيعة لا يثـ◆ـقل صمت الدجى على مسمعيه
  51. 51
    فاحتمل ما استطعت أحزان عمر◆هو لولا الأحزان ما كان شيّا
  52. 52
    وادفن النور في جفونك ميتا◆وابعث الشعر من فؤادك حّيا
  53. 53
    غنّ هذا العذاب صف لحياة النـ◆ـاس ماذا يبكي فؤاد الشاعر
  54. 54
    صف لهم كيف يصرف العمر حيرا◆ن ويحيا على أساه العاصر
  55. 55
    صف لهم ذلك الصراع صراع الـ◆ـفكر والقلب في ظلام الحياة
  56. 56
    كلّما أخفت النعيم صراخ الـ◆ـقلب ضج الفكرالأبيّ العاتي
  57. 57
    فهما في حياته نبع أحزا◆ن يردّ الحياة أفقا كئيبا
  58. 58
    وهما الثائران لا بدّ من صو◆تهما وليكن دما ولهيبا
  59. 59
    شرعة الفكر أن يغرّد بالشعـ◆ـر ويشدو وإن يكن محزونا
  60. 60
    ومناه السموّ للعالم الأعـ◆ـلى وأن يلق في الطريق المنونا
  61. 61
    فهو أفق حرّ يريد حياة الـ◆ـعقل في معزل عن الإحساس
  62. 62
    وسواء لديه أن يشجب الشا◆عر أو أن تقسو عليه المآسي
  63. 63
    أفليس الشحوب والألم العا◆صر نبعا للشعر والألحان
  64. 64
    أو لا تقنع الحياة من الشا◆عر باللحن في حمى الحرمان؟
  65. 65
    فيم كان الصراع يبعثه القلـ◆ـب إذن فيم؟ فيم لا يطمئن
  66. 66
    فيم يأبى الحياة في وحشة العز◆لة والفكر فيم يمضي يئن؟
  67. 67
    هكذا تصرخ الخواطر بالشا◆عر في ليله, فإن جاء فجر
  68. 68
    ورأى الراعي الصبيّ يسوق الـ◆ـغنم الظامئات لم يبق شعر
  69. 69
    ومضى القلب صارخا أين حّبي؟◆أين لهوي؟ وفيم أبقى أسيرا
  70. 70
    أبدا لا أني أضحّي بأفرا◆حي، وأحيا ذاك الحزين الكسيرا
  71. 71
    من بكائي تصوغ شعرك للكو◆ن ومنّي المنى ومنّي الحنين
  72. 72
    من دمي هذه الملاحم فارحمـ◆ـني أنا العاشق الشجي المغبون
  73. 73
    انطلق بي دعني أذق فرحة الحبّ◆لعلي من الشقاء أفرّ
  74. 74
    ما غناء الأشعار يا شاعري المتـ◆ـعب إن كانت الحياة تمرّ؟
  75. 75
    ليس يغني عنك النشيد إذا متّ◆حزينا وليس يرويك لحن
  76. 76
    لا تقل في غدٍ غدٌ ندم قا◆س على ما مضى ويأس وحزن
  77. 77
    تحت ثقل الثرى وفي وحشة المو◆ت سيخبو هذا النشيد ويفنى
  78. 78
    فإذا لحنك الذي صغته يأ◆سا وحزنا للناعمين يغّني
  79. 79
    وسَتُنْسَى أنت الذي ملأ الدنـ◆ـيا جمالا ومات ظمآن جهما
  80. 80
    وسيبلى التراب ما يتبّقى◆منك يا مستطار لحما وعظما
  81. 81
    ثم ماذا ؟ غدا يقولون قد كا◆ن فتى بيننا طواه الهزال؟
  82. 82
    ما رأينا منه سوى طيف إنسا◆ن فقدناه واصطفاه الخيال
  83. 83
    سيقولون شاعر ركبته◆لوثة فانزوى وعاش غريبا
  84. 84
    أبدا يرقب الفضاء يصيد النـ◆ـجم أو يحصد الظلام الكئيبا
  85. 85
    يرمق الزهر من بعيد وفي عيـ◆ـنيه أحلام عاشق ولهان
  86. 86
    جامدا قانعا بعذريّ حبّ◆يكتفي بالعطور والألوان
  87. 87
    أيها الشاعر السجين كفانا◆غربة في حياتنا ووجوما
  88. 88
    حسبك الآن ما خضعت لصوت◆العقل وارحم شبابك المحروما
  89. 89
    ويمرّ النهار والشاعر المغـ◆ـبون حيران بين فكّي أساه
  90. 90
    بين همس الصوتين يحيا كئيبا◆ويناجي طيوفه ومناه
  91. 91
    فإذا جاش قلبه بمعاني الـ◆ـيأس ألقى أحزانه في النشيد
  92. 92
    لائذا باليراع يسكب فيه◆ما يعاني من العذاب الشديد
  93. 93
    ساكبا روحه على كل بيت◆ناحتا من فؤاده الألحانا
  94. 94
    راضيا بالشحوب والسقم حبا◆لأبولو مستسهلا ما كانا
  95. 95
    كلّ بيت من شعره يتقاضا◆ه شحوبا ورعشة وسقاما
  96. 96
    فهو في لحنه يذيب صباه◆ويضيع الشباب والأحلاما
  97. 97
    ثم ماذا؟ سرعان ما يزأر الإعـ◆ـصار, والزهرة الجميلة تذوي
  98. 98
    وإذا الضوء في الأعاليّ يخبو◆وإذا النجمة الوضيئة تهوي
  99. 99
    ويغيب الضياء في ليل قبر◆ليس تبكي له سوى الأمطار
  100. 100
    ليس يرثيه غير ذاوي صباه◆وبقايا القيثار والأشعار
  101. 101
    ذلك الشاعر الذي كان يحيا◆عمره باكيا على كلّ باك
  102. 102
    ذلك العاطف النبيل على الأحـ◆ـزان ذاك الملقى على الأشواك
  103. 103
    نبذته الأيام في قبره المو◆حش تحت الرياح والظلمات
  104. 104
    حيث لا آهة يصعّدها قلـ◆ـب ولا دمعة على المأساة
  105. 105
    هكذا في العذاب تمضي حياة الشـ◆ـاعر الملهم الرقيق وتنسى
  106. 106
    هكذا يملأ الوجود جمالا◆ويذوق الآلام كأسا فكأسا
  107. 107
    هكذا كلّ شاعر فارحلي بي◆يا سفيني عن عالم الشعراء
  108. 108
    ولندعهم في ذلك الشجن العا◆صف بين الآهات والأدواء
  109. 109
    ولنسر في بحر الحياة كما كنّـ◆ـا ونلقي المرسى على كل ساحل
  110. 110
    ربما يا سفين نلقى ضياء◆يتجلّى بعد الظلام القاتل
  111. 111
    ظّللته يد الشقاء العاصر◆وستارا من الدجى يتجّلى
  112. 112
    فهو قلب قد صيغ من رّقة الزه◆يتلّقى الأشعار عنها ويحيا
  113. 113
    رس ترثي لليلة المكدود◆ونذرت الشباب والحبّ للفن
  114. 114
    لتحيا على الجراح محّبا◆كّلما أخفت النعيم صراخ ال
  115. 115
    أبدا لا أني أضّحي بأفرا◆حي وأحيا ذاك الحزين الكسيرا
  116. 116
    ن ومنّي المنى ومّني الحنين◆وستنسي أنت الذي ملأ الدن
  117. 117

    يا سفينتي عن عالم الشعراء