الخيط المشدود في شجرة السرو
نازك الملائكة92 بيت
- العصر:
- العصر الحديث
- 1في سوادِ الشارعِ المُظلم والصمتِ الأصمِّ◆حيثُ لا لونَ سوى لونِ الدياجي المدلهمِّ
- 2حيثُ يُرخي شجرُ الدُفلى أساهُ◆فوقَ وجهِ الأرضِ ظلاَّ ،
- 3قصةٌ حدّثني صوتٌ بها ثم اضمحلا◆وتلاشتْ في الدَّياجي شفتاهُ
- 4قصةُ الحبّ الذي يحسبه قلبكَ ماتا◆وهو ما زالَ انفجاراً وحياةَ
- 5وغداً يعصرُكَ الشوقُ إليَّا◆وتناديني فتَعْيَـى ،
- 6تَضغَظُ الذكرى على صَدركَ عِبئا◆من جنونٍ ، ثم لا تلمُسُ شيئا
- 7أيُّ شيءٍ ، حُلمٌ لفظٌ رقيقُ◆أيُّ شيءٍ ، ويناديكَ الطريقُ
- 8ويراكَ الليلُ في الدَّرْبِ وحيداً◆تسألُ الأمسَ البعيدا
- 9ويراكَ الشارعُ الحالِمُ والدُفْلى ، تسيرُ◆لونُ عينيكَ انفعالٌ وحبورُ
- 10وعلى وجهك حبٌّ وشعورُ◆كلّ ما في عمقِ أعماقِكَ مرسومٌ هناكْ
- 11وأنا نفسي أراكْ◆من مكاني الداكن الساجي البعيدْ
- 12وأرى الحُلْمَ السَّعيدْ◆خلفَ عينيكَ يُناديني كسيرا
- 13..... وترى البيتَ أخيرا◆بيتنا ، حيثُ التقينا
- 14عندما كانَ هوانا ذلك الطفلَ الغَرِيرا◆لونُهُ في شفتَينا
- 15وارتعاشاتُ صِباهُ في يَدَيْنَـا◆وترى البيتَ فتبقى لحظةً دونَ حِراكْ :
- 16" ها هو البيتُ كما كان ، هناك◆لم يزلْ تَحجبُهُ الدُفْلَى ويَحنو
- 17فوقَهُ النَّارنجُ والسروُ الأغنُّ◆وهنا مجلسنا ...
- 18ماذا أُحسُّ ؟◆حيرةٌ في عُمق أعماقي ، وهمسُ
- 19ونذيرٌ يتحدَّى حُلمَ قلبي◆ربما كانت .. ولكن فِيمَ رُعْبِي؟
- 20هي ما زالتْ على عَهد ِهَوَانا◆هي ما زالتْ حَنانا
- 21وستلقاني تحاياها كما كنا قديما◆وستلقاني ... " .
- 22وتمشي مطمئناً هادئاً◆في الممرِّ المظلم الساكن ، تمشي هازئا
- 23بِهتافِ الهاجسِ المنذر بالوَهْم الكذوبِ :◆" ها أنا عُدت وقد فارقتُ أكداسَ ذنوبي
- 24ها أنا ألمحُ عينيكِ تُطِلُّ◆ربما كنتِ وراءَ البابِ ، أو يُخفيكِ ظلُّ
- 25ها أنا عُدتُ، وهذا السلَّمُ◆هو ذا البابُ العميقُ اللونِ ، ما لي أُحجمُ ؟
- 26لحظةً ثم أراها◆لحظةً ثم أعي وَقْعَ خُطاها
- 27ليكن.. فلأطرقِ البابَ ... "◆وتمضي لَحَظَاتْ
- 28ويَصِرُّ البابُ في صوتٍ كئيبِ النبراتْ◆وتَرى في ظُلمةِ الدهليزِ وجهاً شاحبا
- 29جامداً يعكسُ ظلاً غاربا :◆" هلْ .. ؟ " ويخبو صوتُكَ المبحوحُ في نَبْرٍ حزينْ
- 30لا تقولي إنها... "◆" يا للجنونْ !
- 31أيها الحالِمُ ، عَمَّن تسألُ ؟◆إنها ماتتْ "
- 32وتمضي لحظتانْ◆أنت ما زلتَ كأنْ لم تسمعِ الصوتَ المثُيرْ
- 33جامداً ، تَرْمُقُ أطرافَ المكانْ◆شارداً ، طرفُك مشدودٌ إلى خيطٍ صغيرْ
- 34شُدَّ في السرْوة لا تدري متى ؟◆ولماذا ؟ فهو ما كانَ هناك
- 35منذُ شهرينِ ، وكادتْ شفتاكْ◆تسألُ الأختَ عن الخيطِ الصغيرْ
- 36ولماذا علَّقوهُ ؟ ومتى ؟◆ويرنُّ الصوتُ في سمعكَ : " ماتت.."
- 37"إنها ماتتْ.." وترنو في برودِ◆فترَى الخيطَ حِبالاً من جليدِ
- 38عقدتها أذرُعٌ غابت ووارتها المَنُونْ◆منذ آلافِ القُرونْ
- 39وتَرى الوجهَ الحزينْ◆ضخَّمتْهُ سحُبُ الرُّعب على عينيكَ . "ماتت.."
- 40هي " ماتتْ " لفظةٌ من دونِ معنى◆وصَدى مطرقةٍ جوفاءَ يعلو ثم يَفْنَى
- 41ليسَ يعنيكَ تَواليه الرتيبُ◆كلّ ما تُبصرُهُ الآنَ هو الخيطُ العجيبُ
- 42أتراها هي شَدَّتهُ ؟ ويعلو◆ذلك الصوتُ المُملُّ
- 43صوتُ " ماتتْ " داوياً لا يضمحلُّ◆يملأُ الليلَ صُراخاً ودويّا
- 44" إنَّها ماتت " صدى يهمسهُ الصوتُ مليّا◆وهُتافٌ رددتُه الظلماتُ
- 45ورَوَتْهُ شجراتُ السروِ في صوتٍ عميقِ◆" أنّها ماتت " وهذا ما تقولُ العاصفاتُ
- 46" إنّها ماتتْ " صَدىً يصرخُ في النجمِ السحيقِ◆وتكادُ الآنَ أنْ تسمعهُ خلفَ العروقِ
- 47صوتُ ماتتْ رنَّ في كلِّ مكانِ◆هذه المطرقةُ الجوفاءُ في سَمع الزمانِ
- 48صوتُ " ماتت " خانقٌ كالأفعوانِ◆كلُّ حرفٍ عصبٌ يلهثُ في صدركَ رُعبا
- 49ورؤى مشنقةٍ حمراء لا تملكُ قلبا◆وتَجَنِّي مِخلبٍ مختلجٍ ينهش نَهشا
- 50وصدى صوتٍ جحيميٍّ أجَشَّا◆هذه المطرقةُ الجوفاءُ : " ماتت "
- 51هي ماتتْ ، وخلا العالَمُ منها◆وسُدَىً ما تسألُ الظلمةَ عنها
- 52وسُدَىً تُصغي إلى وقعِ خطاها◆وسُدَىً تبحثُ عنها في القمر
- 53وسُدَىً تَحْلمُ يوماً أن تراها◆في مكانٍ غير أقباءِ الذِّكَرْ
- 54إنَّها غابت وراء الأنْجُمِ◆واستحالتْ ومضةً من حُلُمِ
- 55ثم ها أنت هنا، دونَ حراكْ◆مُتعَبَـاً ، تُوشِكُ أن تنهارَ في أرض الممرِّ
- 56طرفُكَ الحائرُ مشدودٌ هناكْ◆عند خيطٍ شُدَّ في السَّرْوَةِ، يطوي ألف سِرِّ
- 57ذلك الخيطُ الغريبْ◆ذلك اللغزُ المُريبْ
- 58إنَّـه كلُّ بقايا حبِّكَ الذاوي الكئيبْ .◆ويَراكَ الليلُ تَمشي عائدا
- 59في يديك الخيطُ ، والرعشةُ ، والعِرْقُ المُدَوِّي◆" إنَّها ماتتْ .. " وتمضي شاردا
- 60عابثاً بالخيط تطويهِ وتَلوي◆حول إبْهامِكَ أُخراهُ ، فلا شيء سواهُ ،
- 61كلُّ ما أبقى لك الحبُّ العميقُ◆هو هذا الخيطُ واللفظُ الصفيقُ
- 62لفظُ " ماتتْ " وانطوى كلُّ هتافٍ ما عداه◆فوق وجه الأرض ظلاّ ,
- 63وتناديني فتعيى ,◆تضغط الذكرى على صدرك عبئا
- 64من جنون , ثم لا تلمس شيئا◆أيّ شيء , حلم لفظ رقيق
- 65أيّ شيء , ويناديك الطريق◆ويراك الليل في الدرب وحيدا
- 66ويراك الشارع الحالم والدفلى , تسير◆وأرى الحلم السعيد
- 67.....وترى البيت أخيرا◆بيتنا , حيث التقينا
- 68"ها هو البيت كما كان , هناك◆لم يزل تحجبه الدفلى ويحنو..
- 69فوقه النرنج والسرو الأغنّ◆وهنا مجلسنا..
- 70حيرة في عمق أعماقي , وهمس◆ربما كانت..ولكن فيم رعبي ؟
- 71هي ما زالت على عهد هو أنا◆وستلقاني....." .
- 72في الممر المظلم الساكن , تمشي هازئا◆" ها أنا وقد فارقت أكداس ذنوبي
- 73ربما كنت وراء الباب , أو يخفيك ظلّ◆ها أنا عدت , وهذا السلّم
- 74هو ذا الباب العميق اللون , مالي أحجم ؟◆ليكن ...فلأطرق الباب .."
- 75جامدا يعكس ظلاّ غاربا :◆" هل..؟ ويخبو صوتك المبحوح في نبر حزين
- 76لا تقولي إنها.."◆" يا للجنون
- 77أيها الحالم , عمّن تسال ؟◆أنها ماتت"
- 78جامدا , ترمق أطراف المكان◆شاردا , طرفك مشدود إلى خيط صغير
- 79منذ شهرين..وكادت شفتاك◆ولماذا علقّوه ؟ ومتى ,
- 80ويرنّ الصوت في سمعك: "ماتت.."◆ضخّمته سحب الرّعب على عينيك "ماتت.."
- 81هي "ماتت.." لفظة من دون معنى◆كل ما تدركه الآن هو الخيط الغريب
- 82صوت "ماتت.." داويا , لا يضمحلّ◆يملأ الليل صراخاً ودوياً
- 83"إنها ماتت" صدى يهمسه الصوت مليا◆"إنها ماتت" وهذا ما تقول العاصفات
- 84"إنها ماتت" صدى يصرخ في النجم السحيق◆صوت " ماتت" خانق كالأفعوان
- 85وتجني مخلب مختلج ينهش نهشا◆وصدى صوت جحيميّ أجشا
- 86هذه المطرقة الجوفاء : "ماتت"◆هي ماتت , وخلا العالم منها
- 87في مكان غير أقباء الذكر◆إنها غابت وراء الأنجم
- 88ثم ها أنت هنا , دون حراك◆متعبا , توشك أن تنهار في أرض الممرّ
- 89عند خيط شدّ في السروة , يطوي ألف سرّ◆أنه كلّ بقايا حبّك الذاوي الكئيب
- 90في يديك الخيط , والرعشة , والعرق المدوّي◆"إنها ماتت.." وتمضي شاردا
- 91حول إبهامك أخراه , فلا شيء سواه ,◆هو هذا الخيط، واللفظ الصفيق
- 92
لفظ " ماتت" وانطوى كلّ هتاف ما عداه