زر السجن في بغداد زورة راحم

معروف الرصافي

51 بيت

العصر:
العصر الحديث
البحر:
بحر الطويل
حفظ كصورة
  1. 1
    زُر السجن في بغداد زورة راحم◆لتَشهَد للأنكاد أفجع مشهد
  2. 2
    محلّ به تهفو القلوب من الأسى◆فإن زرتَه فاربط على القلب باليد
  3. 3
    مربَّع سور قد أحاط بمثله◆محيط بأعلى منه شِيدَ بقرمد
  4. 4
    وقد وصلوا ما بين ثان وثالث◆بمعقود سقف بالصخور مُشيَّد
  5. 5
    وفي ثالث الأسوار تشجيك ساحةٌ◆تمور بتيّار من الخسف مُزبِد
  6. 6
    ومن وسط السور الشَماليّ تنتهي◆إليها بمسدود الرتاجين مُوصَد
  7. 7
    هي الساحة النكراء فيها تلاعبَتْ◆مخاريق ضيم تخلِط الجِدّ بالدَد
  8. 8
    ثلاثون متراً في جدار يحيطها◆بسمكٍ زهاءِ العشر في الجو مُصعِد
  9. 9
    تواصلت الأحزان في جنباتها◆بحيث متى يبَلَ الأسى يَتَجدَّد
  10. 10
    تَصَعَّدَ من جوف المراحيض فوقها◆بخار إذا تَمرُرْ به الريح تَفْسُد
  11. 11
    هناك يودّ المرء لوقاءَ نفسَه◆وأطلقها من أسر عيشٍ مُنكَّد
  12. 12
    فقف وسطها وانظر حوالَيْك دائراً◆إلى حُجَر قامت على كل مُقْعَد
  13. 13
    مقابر بالأحياء غصَّتْ لُحُودُها◆بخمس مئين أنفس أو بأزيد
  14. 14
    وقد عَمِيَتْ منها النوافذ والكُوى◆فلم تكتحل من ضوء شمس بمروَد
  15. 15
    تظنّ إذا صدرَ النهار دخلتَها◆كأنّك في قِطع من الليل أسود
  16. 16
    فلو كان للعُبّاد فيها إقامةٌ◆لصلَّوا بها ظهراً صلاة التَهَجُّد
  17. 17
    يزور هبوبُ الريح إلاّ فناءها◆فلم تَحْظَ من وصل النسيم بمَوْعد
  18. 18
    تَضيق بها الأنفاس حتى كأنما◆على كل حيزوم صفائح جَلْمَد
  19. 19
    وحتى كأن القوم شُدَّتْ رقابهم◆بحبل خِناق مُحكَم الفتل مُحصَد
  20. 20
    بها كل مخطوم الخشام مذلّلٍ◆متى قِيد مجروراً إلى الضيم ينقد
  21. 21
    يَبيت بها والهمّ ملءُ إهابه◆بليلةِ مَنْبُول الحشا غير مُقصَد
  22. 22
    يُميت بمكذوب العزاء نهاره◆ويحيي الليالي غيرَ نوم مُشَرَّد
  23. 23
    يَنُوءُ بأعباء الهوان مقيَّداً◆ويكفيه أن لو كان غير مقيّد
  24. 24
    وتَقْذِفهم تلك القبور بضغطها◆عليهم لحرّ الساحة المتوقِّد
  25. 25
    فيرفع بعض من حصير ظلالةً◆ويجلس فيها جلسة المتعبّد
  26. 26
    وليس تقيه الحرّ إلا تَعِلّةً◆لنفس خلت من صبرها المتبدّد
  27. 27
    وبالثوب بعض يستظِلُّ وبعضهم◆بنسج لعاب الشمس في القَيْظ يرتدي
  28. 28
    فمن كان منهم بالحصير مُظَّللاً◆يعدّونه ربّ الطِراف الممدّد
  29. 29
    تراهم نهار الصيف سُفْعاً كأنهم◆أثافيّ أصلاها الطُهاة بمَوْقِد
  30. 30
    وجوه عليها للشُحوب ملامح◆تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
  31. 31
    وقد عمّهم قَيد التعاسة مُوثَقاً◆فلم يتميّز مُطلَق عن مقيّد
  32. 32
    فسيّدهم في عيشه مثل خادم◆وخادمهم في ذُلّةِ مثل سيّد
  33. 33
    يخوضون في مستنقع من روائح◆خبائثَ مهما يَزْدَدِ الحرُّ تَزْدَد
  34. 34
    تدور رؤس القوم من شمّ نَتْنها◆فمَن يك منهم عادم الشمّ يُحسَد
  35. 35
    تراهم سكارى في العذاب وما هم◆سكارى ولكن من عذاب مُشدَّد
  36. 36
    وتحسبَهم دوداً يعيش بحمأة◆وما هو من دود بها متولِّد
  37. 37
    ألا رب حرّ شاهد الحكم جائراً◆يقود بنا قَوْد الذَلول المعبَّد
  38. 38
    فقال ولم يَجهَر ونحن بمنتدىً◆به غير مأمون الوشاية ينتدى
  39. 39
    على أي حكم أن لأية حكمة◆ببغداد ضاع الحقُّ من غير منشد
  40. 40
    فأدنيت للنجوى فمي نحو سمعه◆وقلت لأن العدل لم يتبغدد
  41. 41
    رعى الله حيّاً مستباحاً كأنه◆من الذُعر أسراب النَعام المطرَّد
  42. 42
    وما صاحب البيت الحقير بناؤها◆بأفزع من ربّ البّلاط الممرَّد
  43. 43
    وما ذاك إلاّ أنهم قد تخاذلوا◆ولم ينهضوا للخصم نهضة مُلِبد
  44. 44
    فناموا عن الجُلَّى ونمتُ كنومهم◆سوى نَوْحةٍ مني بشعر مغرِّد
  45. 45
    وهل أنا إلا من أولئك أن مشوا◆مشيت وأن يَقعُد أولئك أقعد
  46. 46
    وكمُ رمتُ أيقاظاً فأعيا هُبُوبُهم◆وكيف وعزم القوم شارب مُرقِد
  47. 47
    نهوضاً نهوضاً أيها القوم للعلا◆لتبنوا لكم بنيان مجدٍ مُوَطَّد
  48. 48
    تقدمنا قوم فأبْعَدَ شوطُهم◆وقد كان عنا شوطهم غيرَ مُبْعِد
  49. 49
    وسدّ علينا الاعتشافُ طريقَنا◆فأجحف بالغَوْريّ والمتنجِّد
  50. 50
    أفي كل يوم يزحف الدهر نحونا◆بجندٍ من الخطب الجليل مجنَّد
  51. 51
    فيا ربّ نَفِّس من كروب عظيمة◆ويا ربّ خفّف من عذاب مشدَّد