ينقب عن دولة نائمة

محمود درويش

96 بيت

العصر:
العصر الحديث
حفظ كصورة
  1. 1
    هنا، عند مُنْحَدَراتِ التلالِ، أمام الغروبِ وفُوَّهَة الوقت،قُرْبَ بساتينَ مقطوعةِ الظلِّ،
  2. 2
    نفعلُ ما يفعلُ السجناءُ،نُرَبِّي الأمَلْ.
  3. 3
    بلادٌ علي أُهْبَةِ الفجر. صرنا أَقلَّ ذكاءً،أَنَّا نُحَمْلِقُ في ساعة النصر:
  4. 4
    هنا، بعد أَشعار أَيّوبَ لم ننتظر أَحداًأَلسماءُ رصاصيّةٌ في الضُحى
  5. 5
    هنا، لا أَنايقولُ على حافَّة الموت:
  6. 6
    حُرٌّ أَنا قرب حريتي. وغدي في يدي.سوف أَدخُلُ عمَّا قليلٍ حياتي،
  7. 7
    وأختارُ لاسمي حروفاً من اللازوردْبين تذكُّرِ أَوَّلها.
  8. 8
    ونسيانِ آخرِها.هنا، عند مُرْتَفَعات الدُخان، على دَرَج البيت،
  9. 9
    لا وَقْتَ للوقت.نفعلُ ما يفعلُ الصاعدون إلى الله:
  10. 10
    هُوَ: أن لا تعلِّق سيِّدةُ البيت حَبْلَ الغسيللا صدىً هوميريٌّ لشيءٍ هنا.
  11. 11
    لا صدىً هوميريّ لشيء. هنا جنرالٌيُنَقِّبُ عن دَوْلَةٍ نائمةْ
  12. 12
    يقيسُ الجنودُ المسافةَ بين الوجود وبين العَدَمْبمنظار دبّابةٍ
  13. 13
    نقيسُ المسافَةَ ما بين أَجسادنا والقذائفِ بالحاسّة السادسةْ.أَيُّها الواقفون على العَتَبات ادخُلُوا،
  14. 14
    فقد تشعرون بأنكمُ بَشَرٌ مثلنا.أَيها الواقفون على عتبات البيوت!
  15. 15
    نطمئنَّ إلى أَنناأُفكِّر، من دون جدوى:
  16. 16
    بماذا يُفَكِّر مَنْ هُوَ مثلي، هُنَاكَعلى قمَّة التلّ، منذ ثلاثةِ آلافِ عامٍ،
  17. 17
    وتنتعشُ الذاكرةْبيضاءَ بيضاءَ، تغسِلُ خَدَّ السماء
  18. 18
    بأجنحةٍ حُرَّةٍ، تستعيدُ البهاءَ وملكيَّةَالجوِّ واللَهْو. أَعلى وأَعلى تطيرُ
  19. 19
    حقيقيّةٌ قال لي رَجَلٌ عابرٌ بين قنبلتينقَيْدَ التَشَابُهِ
  20. 20
    عمَّا قليلٍ سأعرفُ إن كان هذاأوَ يعرفُ الأصدقاءُ الحميمون أنَّ القصيدةَ
  21. 21
    مَرَّتْ، وأَوْدَتْ بشاعرهاإلي ناقدٍ: لا تُفسِّر كلامي
  22. 22
    يحاصرني في المنامِ كلاميويكتبني ثم يتركني باحثاً عن بقايا منامي
  23. 23
    شَجَرُ السرو، خلف الجنود، مآذنُ تحميالسماءَ من الانحدار. وخلف سياج الحديد
  24. 24
    جنودٌ يبولون ـ تحت حراسة دبَّابة ـوالنهارُ الخريفيُّ يُكْملُ نُزْهَتَهُ الذهبيَّةَ في
  25. 25
    شارعٍ واسعٍ كالكنيسةِ بعد صلاة الأَحدنحبُّ الحياةَ غداً
  26. 26
    عندما يَصِلُ الغَدُ سوف نحبُّ الحياةكما هي، عاديّةً ماكرةْ
  27. 27
    رماديّة أَو مُلوَّنةً.. لا قيامةَ فيها ولا آخِرَةْوإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
  28. 28
    خفيفاً على القلب والخاصرةْفلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
  29. 29
    من فَرَحٍ .. مَرَّتَينْ!لم يَبْقَ لي عَمَلٌ في اللٌّغَةْ
  30. 30
    إلي قاتلٍ: لو تأمَّلْتَ وَجْهَ الضحيّةْوفكَّرتَ، كُنْتَ تذكَّرْتَ أُمَّك في غُرْفَةِ
  31. 31
    الغازِ، كُنْتَ تحرَّرتَ من حكمة البندقيَّةْوغيَّرتَ رأيك: ما هكذا تُسْتَعادُ الهُويَّةْ
  32. 32
    إلى قاتلٍ آخر: لو تَرَكْتَ الجنينَ ثلاثين يوماً،إِذَاً لتغيَّرتِ الاحتمالاتُ:
  33. 33
    قد ينتهي الاحتلالُ ولا يتذكَّرُ ذاك الرضيعُ زمانَ الحصار،فيكبرُ طفلاً معافي،
  34. 34
    تارِيخَ آسيا القديمَ.وقد يقعان معاً في شِباك الغرام.
  35. 35
    وقد يُنْجبان اُبنةً (وتكونُ يهوديَّةً بالولادةِ).ماذا فَعَلْتَ إذاً ؟
  36. 36
    صارت ابنتُكَ الآن أَرملةً،والحفيدةُ صارت يتيمةْ ؟
  37. 37
    وكيف أَصَبْتَ ثلاثَ حمائمَ بالطلقة الواحدةْ ؟ضَرُوريَّةً، لا لضْبطِ النَغَمْ
  38. 38
    تقشِّرُهُ البرتقالةُ والمرأةُ الواعدة.هُوَ الانتظارُ على سُلَّمٍ مائلٍ وَسَطَ العاصفةْ
  39. 39
    وَحيدونَ، نحن وحيدون حتى الثُمالةِلنا أخوةٌ خلفَ هذا المدى.
  40. 40
    أخوةٌ طيّبون. يُحبُّوننا. ينظرون إلينا ويبكون.ثم يقولون في سرِّهم:
  41. 41
    ليت هذا الحصارَ هنا علنيٌّ.. ولا يكملون العبارةَ:لا تتركونا وحيدين، لا تتركونا.
  42. 42
    خسائرُنا: من شهيدين حتى ثمانيةٍ كُلَّ يومٍ.وعَشْرَةُ جرحى.
  43. 43
    وعشرون بيتاً.وخمسون زيتونة
  44. 44
    بالإضافة للخَلَل البُنْيويّ الذيسيصيب القصيدةَ والمسرحيَّةَ واللوحة الناقصةْ
  45. 45
    في الطريق المُضَاء بقنديل منفيأَرى خيمةً في مهبِّ الجهاتْ:
  46. 46
    الجنوبُ عَصِيٌّ على الريح،والغربُ هُدْنَةُ قتلي يَسُكُّون نَقْدَ السلام،
  47. 47
    وأَمَّا الشمالُ، الشمال البعيدإنه مَجْمَعُ الآلهةْ
  48. 48
    قالت امرأة للسحابة: غطِّي حبيبيفإنَّ ثيابي مُبَلَّلةٌ بدَمِهْ
  49. 49
    مُشْبَعاً بالخُصُوبةِ، كُنْ شَجَرامُشْبعاً بالرُطُوبةِ، كُنْ حَجَرا
  50. 50
    في منام الحبيبة، كُنْ قَمراهكذا قالت امرأةٌ
  51. 51
    لابنها في جنازتهأيَّها الساهرون ! أَلم تتعبوا
  52. 52
    من مُرَاقبةِ الضوءِ في ملحناومن وَهَج الوَرْدِ في جُرْحنا
  53. 53
    أَلم تتعبوا أَيُّها الساهرون ؟واقفون هنا. قاعدون هنا. دائمون هنا. خالدون هنا.
  54. 54
    ولنا هدف واحدٌ واحدٌ واحدٌ: أن نكون.ومن بعده نحن مُخْتَلِفُونَ على كُلِّ شيء:
  55. 55
    على صُورة العَلَم الوطنيّ (ستُحْسِنُ صُنْعاً لو اخترتَ يا شعبيَ الحيَّ رَمْزَ الحمار البسيط).ومختلفون علي كلمات النشيد الجديد
  56. 56
    (ستُحْسِنُ صُنْعاً لو اخترتَ أُغنيَّةً عن زواج الحمام).ومختلفون علي واجبات النساء
  57. 57
    (ستُحْسِنُ صُنْعاً لو اخْتَرْتَ سيّدةً لرئاسة أَجهزة الأمنِ).مختلفون على النسبة المئوية، والعامّ والخاص،
  58. 58
    مختلفون على كل شيء. لنا هدف واحد: أَن نكونومن بعده يجدُ الفَرْدُ مُتّسعاً لاختيار الهدفْ.
  59. 59
    عندما أَتحرّرُ أَعرفُ أنَّ مديحَ الوطنْمِهْنَةٌ مثل باقي المِهَنْ !
  60. 60
    قَليلٌ من المُطْلَق الأزرقِ اللا نهائيِّوتنظيف حَمأةِ هذا المكان
  61. 61
    على الروح أَن تترجَّلْوتمشي على قَدَمَيْها الحريريّتينِ
  62. 62
    قديمين يقتسمانِ الرغيفَ القديمثم تذهب أَيَّامُنا في اتجاهَيْنِ مُخْتَلِفَينْ:
  63. 63
    أَنا ما وراءَ الطبيعةِ. أَمَّا هِيَفتختار أَن تجلس القرفصاء على صخرة عاليةْ
  64. 64
    إلى شاعرٍ: كُلَّما غابَ عنك الغيابْتورَّطتَ في عُزْلَة الآلهةْ
  65. 65
    فكن ذاتَ موضوعك التائهةْو موضوع ذاتكَ. كُنْ حاضراً في الغيابْ
  66. 66
    يَجِدُ الوقتَ للسُخْرِيَةْ:هاتفي لا يرنُّ
  67. 67
    ولا جَرَسُ الباب أيضاً يرنُّفكيف تيقَّنتِ من أَنني
  68. 68
    لم أكن ههنا !في انتظارِكِ، لا أستطيعُ انتظارَكِ.
  69. 69
    ولا الاستماعَ إلى أُمِّ كلثوم أَو ماريّا كالاس وغيرهما.في انتظارك تمشي العقاربُ في ساعةِ اليد نحو اليسار
  70. 70
    إلي زَمَنٍ لا مكانَ لَهُ.في انتظارك لم أنتظرك، انتظرتُ الأزَلْ.
  71. 71
    يَقُولُ لها: أَيّ زهرٍ تُحبِّينَهُفتقولُ: القُرُنْفُلُ .. أَسودْ
  72. 72
    يقول: إلى أَين تمضين بي، والقرنفل أَسودْ ؟وتقولُ: وأَبْعَدَ … أَبْعدَ … أَبْعَدْ
  73. 73
    سيمتدُّ هذا الحصار إلى أَن يُحِسَّ المحاصِرُ، مثل المُحَاصَر،صِفَةٌ من صفات البشرْ.
  74. 74
    لا أُحبُّكَ، لا أكرهُكْ ـقال مُعْتَقَلٌ للمحقّق: قلبي مليء
  75. 75
    بما ليس يَعْنيك. قلبي يفيض برائحة المَرْيَميّةِ.قلبي بريء مضيء مليء،
  76. 76
    ولا وقت في القلب للامتحان. بلى،لا أُحبُّكَ. مَنْ أَنت حتَّى أُحبَّك؟
  77. 77
    هل أَنت بعضُ أَنايَ، وموعدُ شاي،وبُحَّة ناي، وأُغنيّةٌ كي أُحبَّك؟
  78. 78
    لكنني أكرهُ الاعتقالَ ولا أَكرهُكْهكذا قال مُعْتَقَلٌ للمحقّقِ: عاطفتي لا تَخُصُّكَ.
  79. 79
    عاطفتي هي ليلي الخُصُوصيُّليلي الذي يتحرَّكُ بين الوسائد حُرّاً من الوزن والقافيةْ !
  80. 80
    جَلَسْنَا بعيدينَ عن مصائرنا كطيورٍتؤثِّثُ أَعشاشها في ثُقُوب التماثيل،
  81. 81
    أَو في المداخن، أو في الخيام التينُصِبَتْ في طريق الأمير إلي رحلة الصَيّدْ
  82. 82
    على طَلَلي ينبتُ الظلُّ أَخضرَ،والذئبُ يغفو علي شَعْر شاتي
  83. 83
    ويحلُمُ مثلي، ومثلَ الملاكْبأنَّ الحياةَ هنا … لا هناكْ
  84. 84
    رُبَّما مَسَّها خَلَلٌ طارئٌفأصيبَ الخياليُّ بالواقعيِّ،
  85. 85
    ولكنها لا تغيِّرُ حبكتها.عدَّلَتْهُ بجرَّافةٍ.
  86. 86
    فالحقيقةُ جاريةُ النصِّ، حَسْناءُ،بيضاءُ من غير سوء
  87. 87
    إلى شبهِ مستشرقٍ: ليكُنْ ما تَظُنُّ.لنَفْتَرِضِ الآن أَني غبيٌّ، غبيٌّ، غبيٌّ.
  88. 88
    ولا أَلعبُ الجولف.ولا أَستطيعُ قيادةَ طيّارةٍ!
  89. 89
    لو كُنْتَ غيرَكَ، لو كنتُ غيري،لكُنَّا صديقين يعترفان بحاجتنا للغباء.
  90. 90
    أَما للغبيّ، كما لليهوديّ في تاجرِ البُنْدُقيَّةقلبٌ، وخبزٌ، وعينان تغرورقان؟
  91. 91
    في الحصار، يصير المكانُ زماناًتخلَّف عن أَمسه وَغدِهْ
  92. 92
    أَو مُقَدَّسَةٌ، زانيةْلا نُبالي كثيراً بسحر الصفات
  93. 93
    فقد يُصْبِحُ الفرجُ، فَرْجُ السماواتِ،أَلشهيدُ يُحاصرُني كُلَّما عِشْتُ يوماً جديداً
  94. 94
    ويسألني: أَين كُنْت ؟ أَعِدْ للقواميس كُلَّ الكلام الذي كُنْتَ أَهْدَيْتَنِيه،وخفِّفْ عن النائمين طنين الصدى
  95. 95
    الشهيدُ يُعَلِّمني: لا جماليَّ خارجَ حريتي.الشهيدُ يُوَضِّحُ لي: لم أفتِّشْ وراء المدى
  96. 96

    عن عذارى الخلود، فإني أُحبُّ الحياةَ .