نهارَ الثُّلاثاء

محمود درويش

123 بيت

العصر:
العصر الحديث
البحر:
التفعيله
حفظ كصورة
  1. 1
    نهارَ الثُّلاثاء, والجوُّ صافٍ, أَسيرُ◆علي شارعٍ جانبيّ مُغَطّى بسقف من
  2. 2
    الكستناء... أسير خفيفاً خفيفاً كأني◆تبخَّرتُ من جسدي, وكأني علي موعد
  3. 3
    مع إحدى القصائد. أنظر في ساعتي◆شارداً. أتصفَّحُ أوراق غيم بعيد
  4. 4
    تدوِّن فيه السماءُ خواطرَ عليا, أُقلِّبُ◆أحوال قلبي علي شجر الجوز: خال ٍ
  5. 5
    من الكهرباء ككوخ صغير علي شاطىء◆البحر. أسْرَعَ, أبطأَ, أسرعَ أمشي.
  6. 6
    أحدِّق في اللافتات علي الجانبين...◆ولا أحفظ الكلمات. أدندن لحناً
  7. 7
    بطيئاً كما يفعل العاطلون عن العمل:◆((النهر كالمهر يجري إلى حتفه / البحرِ
  8. 8
    والطيرُ تختطف الحَبَّ من كتِفِ النهر))◆أَهجس، أَهمس في السرّ: عِشْ
  9. 9
    غدك الآن! مهما حَييتَ فلن تبلغ◆الغَدَ.... أرضَ للغد، واحلُمْ
  10. 10
    ببطء , فمهما حلمت ستدرك أنَّ◆الفراشة لم تحترق لتضيئك /
  11. 11
    أَمشي خفيفاً خفيفاً. وأَنظر حولي◆لعلِّي أرى شَبَهاً بين أوصاف نفسي
  12. 12
    وصفصاف هذا الفضاء فلا أَتبيّن◆شيئاً يشير إليَّ
  13. 13
    [إذا لم يُغَنَّ الكناريُّ◆يا صاحبي لَكَ... فاعلمْ
  14. 14
    بأنك سجان نفسك ، إن◆لم يُغَنّ الكناريُّ]
  15. 15
    لا أَرضَ ضيِّقةً كأصيص الورود◆كأرضك أنتَ... ولا أرضَ واسعةً
  16. 16
    كالكتاب كأرضك أنت.. ورؤياك◆منفاك في عالم لا هُويَّة للظلّ
  17. 17
    فيه، ولا جاذبيّة /◆تمشي كأنك غيرك /
  18. 18
    لو أستطيع الحديث إلى أَحد في◆الطريق لقُلْتُ: خصوصيِّتي هي ما
  19. 19
    لا يدلُّ عليَّ، وما لا يُسَمِّى◆من الموت حلماً، ولا شيء أكثر /
  20. 20
    لو أستطيع الحديث إلى امرأة◆في الطريق لقلتُ: خصوصيتي لا
  21. 21
    تثير انتباهاً: تكلُّسُ بعض الشرايين◆في القدمين، ولا شيء أكثر، فامشي
  22. 22
    الهوينى معي مثل مشي السحابة◆"لا هي رَيْثٌ... ولا عجل" ...
  23. 23
    لو أستطيع الحديث إلى شبح الموت◆خلف سياج الأضاليا لقلتُ: وُلدنا
  24. 24
    معاً توأمين، أَخي أنت يا قاتلي،◆يا مهندس دربي على هذه الأرض...
  25. 25
    أمي وأمِّك، فارمِ سلاحكَ /◆لو أستطيع الحديث إلى الحُبِّ، بعد
  26. 26
    الغداء، لقلت له: حين كنا◆فَتيَّين كنا لُهَاثَ يدين على زَغَب
  27. 27
    المفردات، وكُنْتَ قليل الصفات، كثيرَ◆الحراك، وأوضحَ: فالوجه وَجْهُ
  28. 28
    ملاكٍ يجيء من النوم، والجسم◆كَبْشٌ بقُوَّة حُمَّى. وكنت تُسمَّى
  29. 29
    كما أَنت "حباً" فيُغْمى علينا◆ويُغمى على الليل /
  30. 30
    أمشي خفيفاً، فأكبر عَشْرَ دقائقَ،◆عشرين، ستِّين... أَمشي وتنقص
  31. 31
    قيَّ الحياةُ على مهلها كسُعالٍ خفيف.◆أفكِّر: ماذا لو أني تباطأتُ، ماذا
  32. 32
    لو أني توقّفْتُ؟ هل أوقف الوقت؟◆هل أربك الموت؟ أسخر من فكرتي،
  33. 33
    ثم أسأل نفسي: إلى أين تمشين◆أيتها المطمئنة مثل النعامة؟ أَمشي
  34. 34
    كأن الحياة تعدِّل نقصانها بعد حين.◆ولا أتلفت خلفي، فلن أستطيع
  35. 35
    الرجوع إلى أي شيء، ولا أستطيع◆ولو أستطيع الحديث إلى الربِّ قلت:
  36. 36
    إلهي إلهي! لماذا تخليتَ عني؟◆ولستُ سوى ظلِّ ظلك في الأرض،
  37. 37
    كيف تخلَّيْتَ عني، وأَوقعتني في◆فخاخ السؤال: لماذا خلقت البعوض
  38. 38
    إلهي إلهي؟◆وأَمشي بلا موعدٍ، خالياً من
  39. 39
    وعود غدي. أَتذكِّرُ أني نسيتُ،◆وأنسى كما أَتذكِّرُ:
  40. 40
    أنسى غراباً على غصن زيتونةٍ◆أتذكِّر يُقْعَةَ زيتٍ على الثوبِ
  41. 41
    أنسى نداء الغزال إلى زَوْجِه◆أتذكِّرُ خط النمال على الرملِ
  42. 42
    أنسى حنيني إلى نجمةٍ وقعتْ من يدي◆أتذكِّرُ فَرْوَ الثعالبِ
  43. 43
    أنسى الطريق القديم إلى بيتنا◆أتذكِّرُ عاطفةً تشبه المندرينةَ
  44. 44
    أنسى الكلامَ الذي قُلْتُهُ◆أتذكِّر ما لم أَقل بعد
  45. 45
    أنسى روايات جدي وسيفاً على حائطٍ◆أتذكِّر خوفي من النومِ
  46. 46
    أنسى شفاهَ الفتاة التي امتلأت عنباً◆أتذكر رائحة الخسِّ بين الأصابعِ
  47. 47
    أنسى البيوت التي َدوِّنت سيرتي◆أتذكر رَقْمَ الهُويِّةِ
  48. 48
    أنسى حوادث كبرى وهزِّةَ أرض مدمِّرةً◆أتذكِّر تبغ أبي في الخزانة
  49. 49
    أَنسى دروب الرحيل إلى عَدَمٍ ناقصٍ◆أتذكر ضوء الكواكب في أطلس البدو
  50. 50
    أنسى أزيز الرصاص على قرية أَقفرت◆أتذكر صوت الجداجد في الحرش
  51. 51
    أَنسى كما أتذكر، أو أتذكر أني نسيت◆هذا النهار،
  52. 52
    نهار الثلاثاء◆والجوُّ صافٍ ]
  53. 53
    وأَمشي على شارع لا يؤدي إلى◆هدف . رُبَّما أرشدتني خُطَايَ إلى
  54. 54
    مقعد شاغر في الحديقة، أو◆أرشدتني إلى فكرة عن ضياع الحقيقة
  55. 55
    بين الجماليّ والواقعي. سأجلس وحدي◆كأني على موعد مع إحدى نساء
  56. 56
    الخيال. تخيِّلتُ أني انتظرت طويلاً،◆وأني ضجرت من الانتظار، وأني انفجرت:
  57. 57
    لماذا تأخِّرتِ؟ تكذب: كان الزحامُ◆شديداً على الجسر. فاهدأْ. سأهدأُ
  58. 58
    حين تداعب شعري. سأََشعر أنَّ◆الحديقة غرفتنا والظلالَ ستائرُ
  59. 59
    [ إن لم يُغَنِّ الكناريُّ◆بأنك أفرطتَ في النوم
  60. 60
    إن لم يغنِّ الكناريُّ ]◆وتسأل: ماذا تقول؟
  61. 61
    أقول لها: لم يغنّ الكناريُّ لي◆هل تذكُّرتِني يا غريبةُ؟ هل أُشبه
  62. 62
    الشاعر الرعويَّ القديَم الذي توَّجَتْهُ◆النجومُ مليكاً على الليل، ثم تنازل
  63. 63
    عن عرشه حين أَرسلته راعياً◆للغيوم؟ تقول: وهل يشبه اليومُ أَمسِ،
  64. 64
    كأنك أَنتَ...◆[ هناك، على المقعد الخشبي المقابلِ
  65. 65
    بنتٌ يُفتٍّتُها الانتظار◆وتشرب كأس عصير...
  66. 66
    تُلمّع بلّور قلبي الصغير◆وتحمل عني عواطف هذا النهار ]
  67. 67
    وأسألها: كيف جئتِ؟◆تقول: أتيتُ مصادفةً. كنت أمشي
  68. 68
    على شارع لا يؤدي إلى هدفٍ.◆قلت: أمشي كأني على موعد...
  69. 69
    ربما أرشدتني خُطَايَ إلى مقعد شاغر◆في الحديقة، أو أرشدتني إلى فكرة
  70. 70
    عن ضياع الحقيقة بين الخياليِّ والواقعيّ◆وهل أنت تذكرني يا غريب؟
  71. 71
    وهل أُشبه امرأةً الأمس، تلك الصغيرةَ،◆ذات الضفيرةِ، والأغنيات القصيرةِ
  72. 72
    عن حبنا بعد نوم طويل◆أقول: كأنَّكِ أنتِ..
  73. 73
    [ هناك فتىً يدخل الآن◆باب الحديقة،
  74. 74
    يحمل خمساً وعشرين زنبقةً◆للفتاة التي انتظرته
  75. 75
    ويحمل عني فُتُوَّة هذا النهار ]◆صغير هو القلب... قلبي
  76. 76
    كبير هو الحب... حُبيّ◆يسافر في الريح، يهبطُ
  77. 77
    يفرطُ رُمَّانةًً، ثم يسقطُ◆في تيه عينين لوزيتين
  78. 78
    ويصعد من فجر غمَّازتين◆وينسى طريق الرجوع إلى بيته واسمه
  79. 79
    كبير هو الحب /..◆هل كان الذي كُنْتُهُ – هُو؟
  80. 80
    أم كان ذاك الذي لم أكنه –أَنا؟◆تقول: لماذا تحكُّ الغيومُ أَعالي الشجرْ؟
  81. 81
    أقول: لتلتصق الساقُ بالساق◆تحت رذاذ المطرْ
  82. 82
    تقول: لماذا تحملق بي قطَّة خائفةْ؟◆أقول: لكي توقفني العاصفةْ
  83. 83
    تقول: لماذا يحنُّ الغريب إلى أَمسِهِ◆أَقول: ليعتمد الشعر فيه على نفِسهِ
  84. 84
    تقول: لماذا تصير السماءُ رماديَّة اللون◆عند العشيةْ؟
  85. 85
    أقول: لأنك لم تسكبي الماء في المزهريّْة◆تقول: لماذا تبالغ في السخريةْ؟
  86. 86
    أقول: لكي تأكل الأغنيةْ◆قليلاً من الخبز ما بين حين وحين
  87. 87
    تقول: لماذا نحبّ، فنمشي على طُرُقٍ خاليةْ؟◆أقول: لنقهر الموت كثيرا بموت أَقلّ
  88. 88
    وننجو من الهاويةْ◆تقول: لماذا حلمتُ بأني رأيت سُنوُنُوَّة ًفي يدي؟
  89. 89
    أقول: لأنك في حاجةٍ لأَحدْ◆تقول: لماذا تذكِّرني بغد لا أراه
  90. 90
    أقول: لأنك إحدى صفات الأبدْ◆تقول: ستمضي إلى نَفَقِ الليل وحدك
  91. 91
    أقول: سأمضي إلى نفق الليل بعدك◆.. وأَمشي ثقيلاً ثقيلاً، كأني على موعد
  92. 92
    مع إحدى الخسارات. أَمشي وبي شاعر◆يستعدّ لراحته الأبديّةِ في ليل لندن.
  93. 93
    يا صاحبي في الطريق إلى الشام! لم نبلغ◆الشام بعد، تمهّل تمهّل، ولا تجعل
  94. 94
    الياسمينة ثكلى، ولا تمتحنّي، بمرثيَّة:◆كيف أحمل عبء القصيدة
  95. 95
    قصيدةُ من لا يُحبُّونَ وَصْفَ الضباب◆معطفُ الغيم فوق الكنيسة
  96. 96
    سرّ قلبين يلتجئان إلى بََردى◆نخلة السومرية، أمِّ الأناشيد
  97. 97
    ومفاتيحُ قرطبةٍ في جنوب الضباب◆لايُذَيِّل أشعاره باُسمه
  98. 98
    فالفتاة الصغيرة تعرفُهُ◆إن أحسَّتْ بوخز الدبابيس
  99. 99
    والملح في دمها.◆هو، مثلي، يطارده قلبُهُ
  100. 100
    وأنا، مثله، لا أُذيّل باسمي الوصيَّة◆فالريح تعرف عنوان أهلي الجديد
  101. 101
    على سفح هاوية في جنوب البعيد◆وداعاً، صديقي، وداعاً وسلّم على الشام /
  102. 102
    لَستُ فتياً لأحمل نفسي◆على الكلمات، ولست فتيّاً
  103. 103
    لأكمل هذي القصيدةَ /◆أَمشي مع الضاد في الليل –
  104. 104
    تلك خصوصيتي اللغويةُ – أمشي◆مع الليل في الضاد كهلاً يحثّ
  105. 105
    حصاناً عجوزاً على الطيران إلى برج◆إيفل. يا لغتي ساعديني على الاقتباس
  106. 106
    لأحتضن الكون. في داخلي شُرْفَةٌ لا◆يَمُرّ بها أَحَدٌ للتحيَّة. في خارجي عالم
  107. 107
    لا يردُّ التحيُّة. يا لغتي! هل أكون◆أنا ما تكونين؟ أم أنت – يا لغتي –
  108. 108
    ما أكون؟ ويا لغتي دربيني على◆الاندماج الزفافيّ بين حروف الهجاء
  109. 109
    وأعضاء جسمي – أَكن سيّدأ لا صدى.◆دَثّريني بصوفك يا لغتي، ساعديني
  110. 110
    على الاختلاف لكي أبلغ الائتلاف. لِدِيني◆أَلِدْك. أنا ابنك حيناً، وحيناً أبوك
  111. 111
    وأمك. إن كنتِ كنتُ، وإن كُنْتُ◆كنتِ. وسمّي الزمان الجديد بأسمائه
  112. 112
    الأجنبّيةِ يا لغتي، واستضيفي الغريب◆البعيد ونَثْرَ الحياة البسيطَ لينضج
  113. 113
    شعري. فَمَنْ – إن نطقتُ بما ليس◆شعراً – سيفهمني؟ من يكَلّمني
  114. 114
    عن حنينٍ خفيِّ إلى زمن ضائع إن◆نطقتُ بما ليس شعراً؟ ومن – إن
  115. 115
    نطقت بما ليس شعراً – سيعرف◆أرض الغريب؟
  116. 116
    سجا الليل، واكتمل الليل، فاُسْتَيقََظََتْ◆زهرةٌ للتنفس عند سياج الحديقة.
  117. 117
    قلتُ: سأشهد أنَي َما زلت حياً،◆ولو من بعيد. وأني حلمت بأن الذي
  118. 118
    كان يحلم، مثلي، أنا لا سواي...◆وكان نهاري، نهار الثلاثاء رحباً طويلاً،
  119. 119
    وليلي وجيزاً كفصلٍ قصيرٍ أُضيف◆إلى المسرحية بعد نزول الستارة. لكنني
  120. 120
    لن أُسيء إلى أحد...◆إن أضَفْتُ: وكان نهاراً جميلاً،
  121. 121
    كقصةِ حُبٍّ حقيقيةٍ في قطار سريع◆لا تَلُمء غير نفسك.
  122. 122
    إن لم يُغَنِّ الكناريُّ◆يا صاحبي لَكَ
  123. 123

    غنِّ له أَنت ... غَنِّ له]