منفى (2)/ ضباب كثيف على الجسر
محمود درويش126 بيت
- العصر:
- العصر الحديث
- البحر:
- التفعيله
- 1قال لي صاحبي، والضبابُ كثيفٌ◆هل يُعْرَفْ الشيءُ من ضدّهِ؟
- 2قلت: في الفجر يتِّضحُ الأمرُ◆قال: وليس هنالك وقتٌ أَشدّ
- 3التباساً من الفجر،◆فاترك خيالك للنهر /
- 4في زرقة الفجر يُعْدَمُ في◆باحة السجن, أو قرب حرش الصنوبر
- 5شابٌ تفاءل بالنصر /◆في زرقة الفجر ترسم رائحةُ الخبز
- 6خارطةً للحياة ربيعيَّةَ الصيف /◆في زرقة الفجر يستيقظ الحالمون
- 7خفافاً ويمشون في ماء أَحلامهم◆إلى أَين يأخذنا الفجرُ, والفجر
- 8جِسْرٌ، إلى أَين يأخذنا؟◆قال لي صاحبي: لا أريد مكاناً
- 9لأُدفَنَ فيه. أريد مكاناً لأَحيا،◆وأَلعنَهُ إن أردتُ.
- 10فقلت له – والمكان يمرُّ كإيماءة◆بيننا: ما المكان؟
- 11فقال: عُثُورُ الحواسِّ على موطىء◆يا شارعاً ضيقاً كان يحملني
- 12في المساء الفسيح إلى بيتها◆في ضواحي السكينةْ
- 13أما زلت تحفظ قلبيَ◆عن ظهر قلب،
- 14وتنسى دخان المدينة؟◆قلت له: لا تراهن على الواقعىّ
- 15فلن تجد الشيء حياً كصورته في◆انتظارك...
- 16إنَّ الزمان يُدجِّن حتى الجبال◆فتصبح أَعلى, وتصبح أوطأ مما عرفت.
- 17إلى أَين يأخذنا الجسرُ؟◆قال: وهل كان هذا الطريقُ
- 18طويلاً إلى الجسرِ؟◆قلت: وهل كان هذا الضبابُ
- 19كثيفاً على دَرَج الفجرِ؟◆كم سنةً كُنْتَ تشبهني؟
- 20قال: كم سَنَةً كُنْتَ أَنتَ أَنا؟◆قلتُ: لا أَتذكَّرُ
- 21قال: ولا أتذكر أني تذكرت◆غير الطريق
- 22[على الجسر، في بلد آخرٍ◆يعلن الساكسفونُ انتهاءَ الشتاء
- 23على الجسر يعترف الغرباء◆بأخطائهم، عندما لا يشاركهم
- 24أَحَدٌ في الغناء [◆وقلت له: منذ كم سنة نَسْتَحِثُّ
- 25الحمامة: طيري إلى سدرة المنتهى،◆تحت شباكنا، يا حمامة طيري وطيري
- 26فقال: كأني نسيت شعوري◆وقال: وعما قليل نقلِّد أَصواتنا
- 27حين كنا صغيرين. نلثغ بالسين واللام.◆نغفو كزوجي يمام على كرمة ترتدي
- 28البيت. عما قليل تطلُّ علينا الحياةُ◆بديهيَّةً. فالجبال على حالها، خلف
- 29صورتها في مخيلتي. والسماءُ القديمةُ◆صافية اللون والذهن، إن لم
- 30يَخُنّي الخيال، تظلُّ على حالها◆مثل صورتها في مخيّلتي، والهواء
- 31الشهيُّ النقيّ البهيّ يظل على◆حاله في انتظاري.. يظلُّ على حاله.
- 32قلت: يا صاحبي، أَفْرَغتني الطريقُ◆الطويلة من جسدي. لا أحس بصلصاله.
- 33لا أحسُّ بأحواله. كلما سرت طرت.◆خطايَ رؤاي. وأَما ((أنا)) ي، فقد
- 34لَوَّحَتْ من بعيد:◆((إذا كان دربُكَ هذا
- 35فلي عَمَلٌ في الأساطير((◆أيدٍ إلهيَّةٌ دَرَّبتنا على حفر أسمائنا
- 36في فهارس صفصافة. لم نكن واضحين◆ولا غامضين. ولكنَّ أسلوبنا في
- 37عبور الشوارع من زمنٍ نحو آخرَ◆كان يثير التساؤل: مَنْ هؤلاءِ
- 38الذين إذا شاهدوا نخلةً وقفوا◆صامتين، وخرّوا على ظلِّها ساجدين؟
- 39ومن هؤلاء الذين إذا ضحكوا أزعجوا◆على الجسر، في بلد آخر، قال لي
- 40يُعْرَفُ الغرباءُ من النَّظَر المتقطِّع في الماءK◆أو يُعْرَفُون من الانطواء وتأتأة المشي.
- 41فابنُ البلاد يسير إلى هدفٍ واضحٍ◆مستقيمَ الخطى. والغريب يدور على
- 42نفسه حائراً◆قال لي: كُلُّ جسرِ لقاء... على
- 43الجسر أدخل في خارجي, وأسلم◆قلبي إلى نَحْلَةٍ أو سُنُونُوَّةٍ
- 44قلت: ليس تماماً. على الجسر أمشي◆إلى داخلي، وأروِّض نفسي على
- 45الانتباه إلى أمرها. كُلُّ جسرٍ فصام،◆فلا أنت أنت كما كنت قبل قليل،
- 46ولا الكائنات هي الذكريات◆واحدٌ يتشظى إلى اثنين
- 47يا جسْرُ يا جسرُ◆أيّ الشَّتِيتَيْنِ منا أَنا؟
- 48مشينا على الجسر عشرين عاما◆مشينا على الجسر عشرين مترا
- 49ذهاباً إياباً،◆وقلت: ولم يبقَ إلاّ القليل
- 50وقال : ولم يبقَ إلاّ القليل◆وقلنا معاً، وعلى حدة، حالمين:
- 51سأمشي خفيفاً، خُطَايَ على الريحِ◆قوسٌ تدغدغ أرضَ الكمان
- 52سأسمعُ نبض دمي في الحصى◆وعُرُوق المكان
- 53سأسندُ رأسي إلى جذع خَرُّوبٍة،◆هي أُمِّي، ولو أنْكَرَتْني
- 54سأغفو قليلاً، ويحملني طائران صغيران◆أعلى وأعلى... إلى نجمةٍ شرّدَتْني
- 55سأُوقظُ روحي على وَجَعٍ سابق◆قادم كالرسالة، من شرفة الذاكرةْ
- 56سأهتف: ما زلتُ حيّاً، لأنيَ◆أَشعر بالسهم يخترق الخاصرةْ
- 57سأنظر نحو اليمين، إلى جهة الياسمين◆هناك تعلَّمْتُ أُولى أغاني الجسدْ
- 58سأنظر نحو اليسار، إلى جهة البحر◆حيث تعلَّمتُ صَيْدَ الزَّبَدْ
- 59سأكذب مثل المراهق: هذا الحليب◆على بنطلوني ثُمَاَلةُ حُلْمٍ تحرَّش بي... وانتهى
- 60سأنكر أني أُقلِّدُ قيلولة الشاعر◆الجاهليِّ الطويلةَ بين عيون المها
- 61سأشرب من حَنَفيَّة ماء الحديقة حفنةَ◆ماء. وأَعطش كالماء شوقاً إلى نفسِهِ
- 62سأسأل أوّل عابر درب: أَشاهدتَ◆شخصاً على هيئة الطيف، مثلى ، يُفتِّش
- 63سأحمل بيتي على كتفيَّ... وأَمشي◆كما تفعل السلحفاة البطيئةْ
- 64سأصطاد نسراً بمكنسة، ثم أسأل:◆أَين الخطيئة؟
- 65سأبحث في الميثولوجيا وفي الأركيولوجيا◆وفي كل جيم عن اسمي القديم
- 66ستنحازُ إحدى إلهات كَنْعَانَ لي، ثُمَّ◆تحلف بالبرق: هذا هو ابني اليتيم
- 67سأُثني على امرأةٍ أنجبتْ طفلةً◆في الأنابيب. لكنها لا تمتُّ إليها بأيِّ شَيَهْ
- 68سأبكي على رجل مات حين انتَبهْ◆سآخذ سطر المَعَرّيِّ ثم أُعدِّلُه:
- 69جَسَدي خرقَةٌ من تراب، فيا خائطَ◆الكون خِطْني!
- 70سأكتب: يا خالقَ الموت، دعني◆قليلاً.... وشأني !
- 71سأوقظ موتايَ: نحن سواسيةٌ أيها◆النائمون, أما زلتُم مثلنا تحملون
- 72بيوم القيامةْ؟◆سأجمع ما بعثرته الرياحُ من الغَزَل
- 73القُرْطُبيَّ، وأكملُ طَوْقَ الحمامةْ◆سأختار من ذكرياتي الحميماتِ
- 74وَصْفَ الملائم: رائحة الشرشف المتجعّد◆بعد الجِماع كرائحة العشب بعد المطرْ
- 75سأشهد كيف سيخضرُّ وجه الحجرْ◆سيلسعُني وَرْدُ آذارَ, حيث وُلدتُ
- 76للأوّل مَرّةْ◆ستحمل بي زهرةُ الجُلَّنار, وأُولَدُ منها
- 77لآخر مَرَّةْ!◆سأَنأى عن الأمس، حين أُعيد
- 78له إرثه: الذاكرةْ◆سأدنو من الغد حين أطارد قُبَّرةً
- 79سأعرف أَني تأخَّرْتُ عن موعدي◆وسأعرف أنَّ غدي
- 80مَرَّ, مَرَّ السحابِة، منذ قليل،◆ولم ينتظرني
- 81سأعلم أن السماء ستمطر بعد قليل◆أَسير على الجسر /
- 82هل نطأ الآن أرض الحكاية؟ قد◆لا تكون كما نتخيّلُ ((لا هي سَمْنٌ
- 83و لا عَسَلٌ)) والسماء رماديَّةُ اللون.◆والفجر ما زال أزرقَ ملتبساً. ما
- 84هو الزمن الآن؟ جسرٌ يطول◆ويقصُرُ.. فجر يطول ويمكر. ما
- 85الزمن الآن؟ /◆تغفو البلادُ القديمةُ خلف قلاع
- 86سياحيّةٍ. والزمان يهاجر في نجمة◆أَحرقت فارساً عاطفياً. فيا أيها
- 87النائمون على إبر الذكريات! أَلا◆تشعرون بصوت الزلازل في حافر الظبي؟
- 88قلت له: هل أَصابتك حُمَّى؟◆فتابع كابوسه: أَيها النائمون! ألا
- 89تسمعون هسيس القيامة في حبة◆قلت له: هل تكلمني؟ أم تكلِّم
- 90قال: وصلتُ إلى آخر الحلم...◆شاهدتُ نفسي عجوزاً هناك،
- 91وشاهدتُ قلبي يطارد كلبي هناك◆وينبحُ.. شاهدتُ غرفةَ نومي
- 92تُقَهْقِهُ: هل أنتَ حيّ؟ تعال◆لأحمل عنك الهواء وعكازك الخشبيَّ
- 93المرصَّع بالصدف المغربيِّ!! فكيف◆أُعيد البداية، يا صاحبي، من أَنا؟
- 94من أنا دون حُلْم ورفقة أُنثى؟◆فقلت: نزور فتات الحياة, الحياة
- 95كما هي، ولنتدرَّبْ على حُبّ أشياء◆كانت لنا، وعلى حُبّ أشياء ليست
- 96لنا... ولنا إن نظرنا إليها معاً من◆علٍ كسقوط الثلوج على جَبَلٍ
- 97قد تكون الجبال على حالها◆والحقول على حالها
- 98والحياة بديهية ومشاعاً،◆فهل ندخل الآن أرض الحكاية يا
- 99قال لي: لا أُريد مكاناً لأُدفن فيه◆أريد مكاناً لأحيا، وألعنه لو أردت...
- 100وحملق في الجسر: هذا هو الباب.◆باب الحقيقة. لا نستطيع الدخول ولا
- 101نستطيع الخروج◆ولا يُعْرَفُ الشيء من ضدِّهِ
- 102ألممرات مُغْلَقَةٌ◆والسماءُ رماديَّةُ الوجه ضَيِّقَةٌ
- 103ويدُ الفجر ترفع سروال جنديّةٍ◆عالياً عالياً...
- 104وبقينا على الجسر عشرين عاماً◆أكلنا الطعام المعلّب عشرين عاماً
- 105لبسنا ثياب الفصول،◆استمعنا إلى الأغنيات الجديدة،
- 106جَيِّدةِ الصنع،◆من ثكنات الجنود
- 107تزوَّج أولادنا بأميرات منفى◆وغيَّرن أسماءهم،
- 108وتركنا مصائرنا لهواة الخسائر◆في السينما.
- 109وقرأنا على الرمل آثارنا◆لم نكن غامضين ولا واضحين
- 110كصورةِ فجرٍ كثيرِ التثاؤُبِ /◆قلت: أما زال يجرحك الجرح، يا
- 111قال لي: لا أُحسُّ بشيْ◆فقد حوَّلت فكرتي جسدي دفتراً للبراهين،
- 112لا شيء يثبت أَني أنا◆غَيْرُ موتٍ صريحٍ على الجسر،
- 113أَرنو إلى وردة في البعيد◆فيشتعل الجمر
- 114أرنو إلى مسقط الرأس، خلف البعيد◆فيتسع القبرُ /
- 115قلت: تمهل و لا تَمُتِ الآن. إنَّ الحياةَ◆على الجسر ممكنةٌ. والمجاز فسيح المدى
- 116ههنا بَرْزَخٌ بين دنيا و آخرةٍ◆بين منفى وأرضٍ مجاورةٍ...
- 117قال لي, والصقور تحلق من فوقنا:◆خُذِ اسمي رفيقاً وحدِّثْهُ عني
- 118وعش أنت حتى يعود بك الجسر◆لا تقل: إنه مات, أو عاش
- 119قرب الحياة سدى!◆قل: أطلَّ على نفسه من علٍ
- 120ورأى نفسه ترتدي شجراً, واكتفى◆بالتحيَّةِ: /
- 121إن كان هذا الطريق طويلاً◆فلي عَمَلٌ في الأساطير /
- 122كنت وحيداً على الجسر، في ذلك◆اليوم، بعد اعتكاف المسيح على
- 123جبل في ضواحي أريحا... وقبل القيامة.◆أمشي و لا أستطيع الدخول ولا أستطيع
- 124الخروج ... أدور كزهرة عبَاد شمسٍ◆وفي الليل يوقظني صوت حارسة الليل
- 125حين تغنّي لصاحبها:◆لا تَعِدْني بشيء
- 126
وردةً من أريحا!