شتاء ريتا

محمود درويش

70 بيت

العصر:
العصر الحديث
البحر:
التفعيله
حفظ كصورة
  1. 1
    ريتا تُرَتِّبُ لَيْلَ غُرْفَتنا : قَليلْ هذا النَّبيذُوهذه الأزْهاُر أَكبَرُ مِنْ سَريري
  2. 2
    فافْتَحْ لَها الشُّبَّاكَ كَي يَتَعَطَّرَ اللَّيلُ الجَميلُضَعْ ههُنا قَمَراً على الكُرْسِيّ
  3. 3
    ضَعْ فوق البُحَيْرَةَحَوْلَ مِنْديلي ليَرْتَفع الْنَّخيلُ أَعْلى وأَعْلى
  4. 4
    هل لَبسْتَ سِواي ؟ هَلْ سكَنَتْكَ إمْرَأةٌلِتُجْهِشَ كُلَّما الْتفّتْ على جِذعي فُروعُكَ ؟
  5. 5
    حُكّ لي قَدَمي وحُكّ دَمي لِنَعْرفَ ماتُخَلِّفُهُ العُواصِفُ والسّيولُ
  6. 6
    مِنّي ومِنك....تَنامُ ريتا في حَديقَة جِسْمِها
  7. 7
    توتُ السَّياجِ على أَظافِرها يضيءُالمِلْحَ في جَسَدي . أُحبّك
  8. 8
    نامَ عُصْفورانِ تحت يَدَيّ....نامَتْ مَوْجةُ القَمْحِ النبيل على تَنَفُّسها البطيءِ
  9. 9
    وَ وَرْدَةٌ حَمْراءُ نامَتْ في المَمَرِّونامَ لَيْلٌ لا يَطولُ
  10. 10
    والبَحْرُ نامَ أمامَ نافِذَتي على إيقاعِ ريتايَعْلو ويَهْبِطْ في أَشِعَّة صدْرِها العاري
  11. 11
    فَنامي بَيْني وبَيْنَكِلا تُغَطِّي عَتْمَةَ الذَّهَبِ العَميقَةَ بَيْنَنَا
  12. 12
    نامي يَداً حَوْلَ الصِّدىويَداً تُبَعْثِرُ عُزْلَة الغابات
  13. 13
    نامي بين القميص الفُسْتُقيِّ ومَقْعَدِ اللَّيْموننامي فَرَساً على رايات ليلة عُرْسِها....
  14. 14
    هَدَأ الصَّهيلُهَدَأت خَلايا النَّحْلِ في دَمنا
  15. 15
    فَهَلْ كانَتْ هُنا ريتاوهَلْ كُنَّا مَعا ؟
  16. 16
    ... ريتا سَتَرْحَلُ بَعْدَ ساعاتٍ وتَتْرُكُ ظِلَّهازَنْزَانَةٌ بَيْضاءَ . أين سَنَلْتقي ؟
  17. 17
    سَألَتْ يَدَيْها ، فالْتفتّ إلى البَعيدالبَحْرُ خَلْفَ البابِ ، والصَّحراءُ خَلْفَ البَحْرِ
  18. 18
    قَبِّلْني على شَفَتَيَّ قالتْقُلْتُ : يا ريتا أأرْحَلْ من جَديد
  19. 19
    مادامَ لي عِنبٌ وذاكِرَةٌ ، وتَتْرُكُني الفُصولُبينَ الإشارَة والعِبارَة هاجِساً ؟
  20. 20
    ماذا تَقولُ ؟لا شَيْءَ يا ريتا ، أَقلِّدُ فارِساً في أغنية
  21. 21
    عن لَعْنَةِ الحُبِّ المُحاصَرِ بالمَرايا....وعن حُلُمَيْن فَوْق وسادَةٍ يَتَقاطعانِ ويهربان
  22. 22
    فَواحِدٌ يستل سكيناً وآخرُ يودِعُ النَّاي الوَصايالا أَدْركُ المَعْنى ، تقولُ
  23. 23
    و لا أنا ، لُغتي شظاياكغيابِ إمْرَأةٍ عن المَعْنى ،
  24. 24
    وتَنْتحِرُ الخْيولُ في آخِر المَيْدان....ريتا تَحْتسي شايَ الصَّباحِ
  25. 25
    وتُقَشِّرُ التُّفاحة الأُولى بعشر زنابقٍلا تقرأ الآن الجريدة ، فالُّطبول هي الطُّبولُ
  26. 26
    والحَرْبُ لَيْسَتْ مِهْنَتي . وأَنا أَنا . هَلْ أَنتَ أَنتَ ؟هو مَنْ رآكِ غَزالةً ترمي لآلئَها عَلَيْه
  27. 27
    هُوَ مَنْ رَأى شَهَواتِهِ تَجْري وَراءَك كالغَديرهُوَ مَنْ رَآنا تائهَيْن تَوَحَّدا فَوْقَ السَّرير
  28. 28
    وتَباعَدا كَتَحيَّة الْغُرباء في الْميناءِيأْخُذُنا الرَّحيلُ في ريحِهَ وَرَقاً
  29. 29
    أمام فَنادِق الْغُرَباءمثلَ رسائلٍ قُرِئَتْ على عَجَلٍ
  30. 30
    أَتأَخُذُني مَعَكْ ؟فَأكونَ خاتم قَلْبكَ الْحافي ، أتأْخُذُني مَعَكْ
  31. 31
    فَأكونَ ثَوْبَكَ في بلادٍ أَنْجَبَتْكَ ... لتَصْرعَكْوأكون تابوتا من النعناع يحمل مصرعك
  32. 32
    وتَكونَ لي حَيّاً ومَيْتاًضاعَ يا ريتا الدِّليلُ
  33. 33
    والحُبُّ مِثْلُ المَوْتِ وَعَدٌ لا يُرَدُّ .. ولا يَزولُ... ريتا تُعِدّ لِي النَّهارْ
  34. 34
    حَجَلاً تَجمَّعَ حَوْلَ كَعْبِ حِذائها العالي:صَباحُ الخَيْرِ يا ريتا
  35. 35
    وغَيْماً أزْرَقاً للياسَمينَة تَحْتَ إبْطَيْها:وفاكِهَةً لضَوْء الفَجْرِ: يا ريتا صَباحُ الخَيْرِ
  36. 36
    يا ريتا أعيديني إلى جَسَدي لِتَهْدَأ لَحْظَةَإبَرُ الصَّنَوْبِر في دَمي المَهْجورِ بَعْدَك
  37. 37
    كُلَّما عانَقْتُ بُرَجَ العاجِ فرت من يَدَيّ يَمامتانقالت : سَأَرْجعُ عِنْدما تَتبَدِّلُ الأيَّامُ والأحْلامُ
  38. 38
    يا ريتا طويلُ هذا الشَّتاءُ ، ونَحنُ نَحنُفلا تقولي ما أقولُ أنا هي
  39. 39
    هِيَ مَنْ رَأتْكَ مُعلَّقاً فوق السَّياج ، فأنْزَلتك وضَمَّدتْكْوبِدَمْعها غَسَلَتْكَ ، انْتَشَرَتْ بسَوْسَنها عَلَيْكْ
  40. 40
    وَمَررْتَ بينَ سُيوفِ إخوتها ولَعْنَةِ أمِّها وأنا هِيَهل أنتَ أنتْ ؟
  41. 41
    .. تَقومُ ريتا عن رُكْبَتَيَّتَزُورُ زينَتَها ، وتَرْبُطُ شَعْرَها بفَراشةٍ فضيةٍ
  42. 42
    ذَيْلُ الحِصانِ يُداعبُ النمش المُبَعْثَرْكَرَذاذ ضَوْءٍ فوق الرُّخام الأْنْثَويِّ
  43. 43
    تُعيدُ ريتا زر القميصِ إلى القميصِ الخَرْدليَّ ... أأنتَ لي ؟لَك ، لو تَرَكْتِ الباب مَفْتوحاً على ماضِيّ ،
  44. 44
    لي ماضٍ أراهُ الآن يُولَدُ في غِيابِكِمن صَريرِ الوَقْتِ في مِفْتاح هذا البابِ
  45. 45
    لي ماضٍ أراهُ الآن يَجْلسُ قُرْبنا كالطَّاوِلةْلي رَغْوةُ الصَّابونِ
  46. 46
    والعَسَل المُمَلَّحُوالزَّنْجُبيلُ
  47. 47
    ولكَ الأيائلُ ،إنْ أرَدْتَ ، لَكَ الأيائلُ والسُّهولُولكَ الأَغاني ،إنْ أرَدْتَ، لكَ الأغاني والذُّهولُ
  48. 48
    إني وُلدُتُ لكي أحبَّكْفَرَساً تُرقّص غابَةً ، وتَشُقُّ في المرْجان غيْبَكْ
  49. 49
    ووُلدتُ سيِّدةً لسيِّدها ، فخُذْني كَي أَصُبَّكْخَمْراً نهائيّاً لأشْفي مِنْك فيكَ ، وهات قلْبَكْ
  50. 50
    وتَرَكْتُ أُمِّي في المزامير القديمةِ تلْعنُ الدُّنْيا وشَعْبَكْوَوَجدْتُ حُرَّاس المَدينة يُطْعمون النَّار حُبَّكْ
  51. 51
    وإنا وُلدْتُ لكي أَحبَّكْريتا تُكسِّرُ جوْزَ أيَّامي ، فتَتَّسع الحُقولُ
  52. 52
    لي هذه الأرْضُ الصَّغيرةُ في غُرْفَةٌ في شارعٍفي الطَّابِقَ الأرضيَّ من مَبْنًى على جَبَلٍ
  53. 53
    يُطلُّ على هَواء البَحْرِ . لي قَمَرٌ نَبيذيٌ ولي حَجَرٌ صَقيلُلي حِصَّةٌ من مَشْهَدِ المَوْجِ المُسافِرِ في الغُيوم ، وحِصَّةُ
  54. 54
    من سفْرِ تَكْوينِ البدايةِ و سِفْرِ أيّوبٍ ، وَمنْ عيد الحصادِوحِصَّةٌ مما ملكْتُ ، وحصَّةٌ من خُبْز أُمي
  55. 55
    لي حِصَّةٌ من سَوْسَنِ الودْيانِ في أشعار عُشَّاقٍ قُدامىلي حصَّةٌ من حِكْمةِ العُشَّاق : يَعْشقُ وَجْهَ قاتِلهِ القتيلُ
  56. 56
    لَو تَعْبُرين النَّهْرَ يا ريتاوأين النَّهْرُ ، قالَتْ....
  57. 57
    قُلْتُ فيك وفيّ نهرٌ واحدوأنا أسيلُ دَماً وذاكرَةً أسيلُ
  58. 58
    لمْ يَتْرُك الحُرَّاس لي باباً لأدخل فاتَّكأتُ على الأفُقْأفقاً لأنْظُرَ ، لَمْ أَجِدْ في الضوء إلا نظرتي
  59. 59
    تَرْتَدُّ نَحْوي . قُلتُ عُودي مَرَّةً أُخْرى إليَّ ، فَقْدَ أَرىأَحَداً يُحَاوِلُ أنْ يَرَى أُفُقاً يُرَمِّمُهُ رَسولُ
  60. 60
    بِرِسالةٍ من لَفْظَتَيْن صَغيرَتَيْن : أنا ، وأنتِفَرَحٌ صَغيرٌ في سَريرٍ ضيِّقٍ ... فَرَحٌ ضَئيلُ
  61. 61
    لَمْ يَقْتُلونا بَعْدُ ، يا ريتا ، ويا ريتا .. ثَقيلُهذا الشِّتاءُ وبارِدٌ
  62. 62
    ... ريتا تُغنِّي وَحْدهالبريدِ غُرْبتها الشَّماليِّ البَعيد : تَرَكْتُ أَمّي وَحْدَها
  63. 63
    قُرْبَ البُحَيْرةِ وحْدَها ، تَبْكي طُفولتَي البعيدَةَ بَعْدَهافي كُلَّ أُمْسيةٍ تَنامُ ضَفيرَتي الصَّغيرةِ عندَها
  64. 64
    أمي ، كَسرْتُ طُفولتي وخَرجْتُ إمْرَأةً تربّي نَهْدَهابِفم الحَبيب . تدورُ ريتا حَوْلَ ريتا وَحْدَها:
  65. 65
    لا أرْضَ للجسَدَيْن في جَسَدٍ ، ولا مَنْفىً لمَنْفَىفي هذه الغُرَف الصَّغيرَة ، والخُروجُ هو الدُّخولُ
  66. 66
    عَبَثاً نُغَنِّي بينَ هاويَتَيْن ، فَلْنَرْحَلْ ليَتَّضح السَّبيلُلا أسْتَطيعُ ، ولا أنا ، كانَتْ تَقولُ ولا تَقولُ
  67. 67
    وتُهَدئُ الأفْراسَ في دَمها : أمِنْ أرْضٍ بعيدَةْتأتي السُّنونو ، يا غَريبُ ويا حَبيبُ ، إلى حديقتك الوَحيدَة ؟
  68. 68
    خُذْني إلى أرْضٍ بَعيدَةخُذْني إلى الأرْض البَعيدة ، أجْهَشَتْ ريتا : طويلُ هذا الشَّتاءُ
  69. 69
    وكَسَّرتْ خَزَف النَّهار على حَديد النَّافِذَةوَضَعتْ مُسدَّسَها الصَّغير على مُسَوَّدَة القَصيدَةْ
  70. 70
    وَرَمَتْ جَواربها على الكُرْسيِّ فَانْكسَرَ الْهديلُومَضَتء إلى المَجْهول حَافيةً ، وأدْرَكَني الرَّحيلُ