ربِ الأيائل ياأبي .. ربها

محمود درويش

68 بيت

العصر:
العصر الحديث
البحر:
التفعيله
حفظ كصورة
إهداء

.... مُسْتَسْلماً لخُطى أَبيكَ ذَهَبْتُ أَبحثُ عنكَ يا أَبتي هناكْ

  1. 1
    عند احتراق أَصابعي بشموع شوْككَ ’ عندما◆كان الغروبُ يَقُصُّ خَرُّوبَ الغروبِ وعندما
  2. 2
    كنا – أَنا وأَبوكَ – يا أَبتي وراءك وَالِدَيْكْ◆أَنتَ المُعَلَّقُ فوق صُبَّار البراري من يديكْ
  3. 3
    وعليكَ صَقْرٌ من مخاوفنا عليكْ◆وعليك أَن ترث السماء من السماءْ
  4. 4
    وعليكَ أَرضٌ مثل جلد الروح تثقُبُهُ زهورُ الهِنْدباء◆وعليكَ أَن تختار فَأْسَكَ من بنادقهمْ عليكْ
  5. 5
    وعليكَ أَن تنحاز ’ يا أَبتي ’ لفائدة الندى في راحتيكْ◆ولقمحكَ المهجورِ حول معسكرات الجيش , فاصنعْ ما تشاءْ
  6. 6
    بقلوب سَجَّانيكَ , واصمدْ فوق شوكك حين يقهرك الصهيلُ◆حول الجهات الستَّ ’ واصمدْ ’ فالسهول لكَ السهولُ
  7. 7
    ..وأَبي خَجُولُ يا أبي ’ ماذا يقولُ◆حدَّثْتُهُ عنه فأَومأَ للشتاء ’ ودسّ شيئاً في الرمادْ
  8. 8
    لا تُعْطني حُبّاً , همستُ ’ أُريدُ أَن أَهب البلادَ◆غزالةً فاشرحْ بدايتَكَ البعيدةَ كي أَراك كما أَراك
  9. 9
    أَباً يُعَلِّمني كتابَ الأَرض من أَلِفٍ إلى ياءٍ..ويزرعني هناك◆لُغْزٌ هو الميلاد: ينبتُ مثل بَلُّوط يشقُّ الصخر في
  10. 10
    عَتَبات هذا المشهد العاري ويصعَدُ..ثم يكسره السوادْ◆نَحْبُو ونَصْبُو . تنهض الأَفراس تركضُ في المدى .نكبو ونخبو فمتى وُلِدْنا يا أَبي ومتى نموتُ؟ فلا يُجيبُ ’ هُوَ الخجولُ
  11. 11
    والوقت ملْك يديه يُرْسِلُهُ إلى الوادي ويرجعه إليه◆وَهُوَ الحديقةُ في مهابتها البسيطة . لا يحدِّثُني عن التاريخ في
  12. 12
    أَيَّامِهِ : كُنَّا هنا قبل الزمان وههُنا نبقى ’ فتخضرُّ الحقولُ◆رَبَّ الأَيائل ... رَبِّها في ساحة الدار الكبيرة يا أبي !
  13. 13
    فيغُضّ عني الطَرْفَ . يُصْلح غُصْنَ داليةٍ يُقَدِّم للحصان شعيرَةُ◆والماءَ . يَعْرفُهُ على مَهَل ’ يلاطفه ويهمس: يا أَصِيلُ.
  14. 14
    يتناولُ النعناعَ من أُمي . يُدَخِّن تبغه . يُحْصي ثُرَيَّات العِنَبْ◆ويقول لي : إِهدأْ ! فأَغفُو فوق ركبته على خَدَرِ التَعَبْ
  15. 15
    أَتذكَّرُ الأَعشابَ : يأَخذني قطيعُ الأْقحوان إلى حَلَبْ◆من ههُنا قطعتْ مُخَيلتي جبالَ الناي ’ خلف الناي أَعدو
  16. 16
    أَعدو وراء الطير كي أَتعلَّم الطيرانَ . قد خَبَّأْتُ سرِّي◆في ما يقول الأَوَّلون هناك , خلف التلِّ . كم أَبعدتني
  17. 17
    عمَّا أُحاول أَن أَكون ولا أَكون...وأَنت تدري◆أَني أُريدُ فوائدَ الأَزهار ’ قَبْلَ الملح . كم قرَّبْتَني
  18. 18
    من نجمة العَبَث البعيدة ’ يا أبي لِمَ تَقُلْ لي مَرَّةً◆في العمر : يا ابني !... كي أَطير إِليكَ بعد المدرسةْ؟
  19. 19
    لِمَ لَمْ تحاول أَن تربِّيني كما رَبَّيْتَ حقلك سمسماً , ذُرَةً ’ وحنطةْ◆أَلانَّ فيكَ من الحروب توجُّسَ الجنديَّ من حَبَق البيوت؟
  20. 20
    كُنْ سَيِّدي ’ يا سيِّدي ’ لأفرَّ منك إِلى الرعاة على التلالْ◆كُنْ سَيِّدي لتحبنَّي أُمِّي...وينسى إِخوتي موز الهلالْ
  21. 21
    كُنْ سيِّدي أَحفظ القرآن أَكثرَ ..كي أُحبَّ الإِمرأَةْ◆أَكون سيِّدها وأَسجنها معي ! كن سيَّدي لأَرى الدليلْ
  22. 22
    خَبَّأْتَ قلبك ’ يا أَبي , عني لأَكبُر فجأَة وحدي على شجر النخيلْ◆شَجَرٌ ’ وأَفكارٌ ’ ومزمارٌ ... سأَقفزُ من يديكَ إِلى الرحيلْ
  23. 23
    لأَسيرَ عكس الريح ’ عكس غروبنا ... منفايَ أَرضُ◆أَرضُ من الشهوات ’ كنعانيةٌ ’ ترعى الأُيائل والوعولْ..
  24. 24
    أَرضٌ من الكلمات يحملها اليمام إِلى اليمام ..وأَنتَ منفَى◆منفِّى من الغزوات ينقلها الكلام إِلى الكلام .. وأَنت أَرضُ
  25. 25
    أَرضٌ من النعناع تحت قصائدي ’ تدنُو وتنأى ثم تدنو◆ثم تنأُى في اُسم فاتحها , وتدنو في اسم فاتحها الجديدْ
  26. 26
    كُرَةً تخاطفها الغزاةُ وَثبَّتُوها فوق أَطلال المعابد والجنودْ◆لو كُنْتَ من حَجَرٍ لكان الطقسُ آخرَ..يا بن كنعان القديمْ
  27. 27
    لكنهم كتبوا عليك نشيدَهُمْ لتكون ((أَنت)) ((هو)) الوحيدْ◆لمْ تأتِ سوسنةٌ لتشهد , مَرَّةً’ مَنْ كان شاعُرها الشهيدْ
  28. 28
    سَرَقَ المؤرَّخُ عندما واجهتُهُ بعظام أَسلافي : ((إلهي ..يا إلهي◆لِمَ لمْ يموتوا كُلُّهم لتكون لي وحْدِي ..؟)) أَتغفر يا أَبي
  29. 29
    لِيَ ما صَنَعْتُ بقلبكَ المثقوبِ بالصُبَّار حين كبرتُ وحْدِي◆وذهبتُ وحدي كي أُطِلَّ على القصيدة من بعيد ؟
  30. 30
    فَلِمَ اندفعتَ الآن في السفر الكبير وأَنتَ توراةُ الجذورْ◆أَنت الذي ملأَ الجرارَ بأَوَّل الزيت المُقدَّس ’ وابتكرتَ من الصخورْ
  31. 31
    كَرْماً . وأَنت القاتلُ الأَبديُّ : لا ترحل إِلى صيْدَا وصُورْ؟◆أَنا قادمٌ حَيّاً وَمَيْتاً ’ يا أَبي ’ تَوّاً ...أَتغفر لي جنوني
  32. 32
    بطيور أَسئلتي عن المعنى ؟ أَتغفر لي حنيني◆هذا الشتاءَ إِلى انتحارٍ باذخٍ ؟ شاهدتُ قلبي يا أَبي
  33. 33
    وأَضَعْتُ قلبك يا أَبي ’ خَبأَته عني طويلاً ’ فالتجأتُ إلى القمرْ◆قل لي : أُحبُّكَ ’ قبل أَن تغفو..فينهمر المطرْ
  34. 34
    ...متداخلاً في صُوفِهِ البُنِّيِّ ’ مُتَّكِئاً على دَرَجِ الشجرْ◆يرنو إِلى فِرْدَوْسِه المفقود , خلف يديه ’ يرمي ظِلَّهُ
  35. 35
    فوق التراب – تُرابهِ ويشدُّهُ..يصطادُ زهرة أُقحوانْ◆بعباءة الظلَّ المراوغِ أَيُّ صَيَّادٍ يغافل سارقَ الأَشجارِ !
  36. 36
    أَيّ أَبٍ أَبي ! يرمي نِبَالَ الظلّ نحو ترابِهِ◆المسروقِ .. يخطفُ منه زهرة أْقحوانْ!
  37. 37
    ويعود قبل الليل . كم جيش جديد سوف يحتلُّ الزمانْ◆يأتون كي يتحاربوا فينا ..هُمُ الأْمراءُ ’ والشهداءُ نحنُ
  38. 38
    يأتون ,يبنون القلاع على القلاع , ويذهبون ’ ونحْنُ نحْن◆لكنَّ هذا الوحش يسرق جلدنا وينام فيه فوق خَيْش فراشنا ويعضُّنا , ويصيح من وَجَع إِلى عيون الأقحوانْ
  39. 39
    يا أَرضُ ! لم أَسأَلك : هل رحلَ المكانُ من المكان ؟◆لأَكون زائركِ الغريبَ على حِراب القادمين من الدخان
  40. 40
    بيني وبين حقولَي الشقراء مترٌ واحدٌ..مترٌ مِقَصُّ قَصَّ قلبي◆أَنا من هنا .. ورأَيتُ أَحشائي تطلُّ عليَّ من زَغَبِ الذُرَةْ
  41. 41
    ورأيتُ ذاكرتي تَعُدُّ حُبُوبَ هذا الحقلَ والشهداءَ فيه◆أَنا من هنا . أَنا ههُنا ... وأُمشَّطُ الزيتون في هذا الخريف
  42. 42
    أَنا من وهنا . وهنا أَنا . دَوَّى أَبي : أَنا من هنا◆وأَنا هنا . وأَنا أَنا . وهنا هنا . إِني أَنا . وأَنا هنا . وهنا
  43. 43
    أَنا . وأَنا أَنا .وهنا أَنا . وأَنا هنا . إِني هنا . وأَنا أَنا◆ودنا الصدى . كَسَرَ المدى . قامت قيامَتُهُ . صدى وجد الصدى
  44. 44
    دَوَّى الصدى ...أَبداً هنا أَبداً هنا . وغدا الزمان غدا◆بدا شكلُ الصدى بلداً هنا ورد الردى , فاكسرْ
  45. 45
    جدار الكون يا أبتي صدى حول الصدى ، ولتنفجرْ :◆الأَرضُ تكسرُ قِشْرَ بَيْضَتها وتسبَحُ بيننا
  46. 46
    خضراءَ تحت الغيم . تأخذ من سماء اللون زينَتَها◆لتسحرنا ’ هي الزرقاءُ والخضراءُ ’ تولد من خُرافتها
  47. 47
    ومن قُرْبانِنا في عيد حنطتها . تُعَلِّمنا فُنُونَ البحث عن أُسطورة التكوين◆سَيِّدَةٌ على إِيوانها المائيِّ
  48. 48
    سيدة المديح . صغيرة لا عمر يخدش وجهها لا ثور◆يحملها على قرنيه . تحمل نفسها وتنام في أَحضانها
  49. 49
    هِيَ . لا تودِّعنا ولا تستقبلُ الغرباء . لا تتذكَّرُ الماضي◆فلا ماضي لها . هي ذاتُها ولذاتِها في ذاتِها . تحيا فنحيا
  50. 50
    حين تحيا حُرَّةً خضراءَ لم تركب قطاراً واحداً معنا , ولا جملاً◆وطائرةً . ولم تفقد وليداً واحداً . لم تبتعد عنا ولم تفقد
  51. 51
    معادنها . ولم تخسر مفاتنها . هي الخضراء فوق مياهها الزرقاء..◆فاُنهَضْ , يا أَبي ’ من بين أَنقاض الهياكِلِ واكتُب
  52. 52
    اُسمَكَ فوق خاتَمِها كما كتب الأَوائل ’ يا أَبي ’ أَسماءهم.◆وانهض أَبي لتحبَّ زوجتك الشهيَّة من ضفائرها إِلى خلخالها
  53. 53
    وانهض , فلا زيتون في زيتون هذي الأَرض غير ظلالها ,◆وانهض ’ لتحمدها وتعيدها وتَرْوِي سيرة النسيان :
  54. 54
    كم مَرَّ الغزاة وغيَّروك وغيّروا أَسماءها◆كم أصلحوا عربَاتهم وتقاسموا شهداءها,
  55. 55
    وهي التي بقيت , كما كانت , لك امرأةً وأُماً يا أَبي◆فانهض ’ ليرجعك الغناءُ
  56. 56
    كشقائق النعمان في أَرض تَبنَّتْهَا وغَنَّتها لتسكنها السماءُ◆...ولِمَ القصيدةُ يا أَبي ؟ إِنَّ الشتاءَ هو الشتاءُ
  57. 57
    سأَنام بعدك , بعد هذا المهرجان الهشِّ , تَسْوَدُّ الدماءُ◆على تماثيل المعابد كالنبيذ ... وتكسر العُشَّاقَ نرجسةٌ وماءُ
  58. 58
    وسيكسرون الآن غيرتهم وغربتهم وبَلُّور الحنين إِلى حنينْ◆وأَنا حزين , يا أَبي ’ سَلِّم على جَدِّي إذا قابلتَهُ
  59. 59
    قَبِّلْ يديهِ نيابةً عني وعن أَحفاد ((بَعْلٍ)) أَو ((عَنَاةْ))◆واملأْ له إِبريقه بالخمر من عنب الجليل أَو الخليل ’ وقل له:
  60. 60
    أُنثايَ تأبى أَن تكون إِطار◆صُورَتها. وتخرج من رفاتي
  61. 61
    عنقاءَ أُخرى . يا أَبي سَلِّمْ عليَّ هناك إِنْ قابلتَنِي◆وانسَ انصرافي عن خيولك يا أَبي واغفر لأَعرف ذكرياتي
  62. 62
    أَنت الذي خَبَّأْتَ قلبك يا أَبي عني ’ فآوتني حياتي◆في ما أَرى من كائناتٍ لا تُكَوِّنُ كائناتي..
  63. 63
    والآن تسحبني أْبوَّتُك القصيَّةُ من يديَّ ومن شتاتي◆بشِباك ظِلِّك نحو آجُرٍّ من الظلّ المعلَّق في القصيدة..
  64. 64
    لُغْزٌ هو الميلاد .. يا أَبتي سألتك : هل وُلِدْتَ◆لتموت؟ كم أَرجأَتَ عمرَك ..كم تعبتَ .. وكم وَعَدْتَ
  65. 65
    بأن تعيش غداً , ولكنْ لم تعش من دَمِنا إِلى لغة الحمامْ؟◆يا سيِّد الشجر المسجَّى فوق ظلِّ الظلِّ من شَجَر الخزامْ
  66. 66
    يا سيِّد الحجر الذي أَدْمَتْهُ كَفُّكَ ...هل خَرجْتَ من الرخامْ◆لتعود يا أَبتي إِليه ؟ دُلَّني لِمَ جِئْتَ بي ...لم جئتَ بي
  67. 67
    أَلِكَيْ أُنادي حين أَتعَبُ : يا أَبي , يا صاحبي ؟◆يا صاحبي ! مَنْ مات مَنَّا قبل صاحبِهِ...
  68. 68

    أَم صاحبي ؟