الهدهد

محمود درويش

145 بيت

العصر:
العصر الحديث
البحر:
التفعيله
حفظ كصورة
  1. 1
    لم نَقْتَربْ من أرض نجمتنا البعيدة بَعْدُ . تأخذُنا القصيدةْ◆من خُرْمِ إِبْرَتِنا لِنَغْزلَ للفضاء عباءَةَ الأْفق الجديدةْ ،
  2. 2
    أَسْرى ، ولو قَفَزَتْ سنابلُنا عن الأسوار وانبثق السنونُو◆من قَيْدنا المكسورِ ، أسرى ما نحبُّ وما نريدُ وما نكونُ
  3. 3
    لكنَّ فينا هُدْهُداً يُملي على زيتونةِ المنفى بريدهْ◆عادتْ إلينا من رسائلُنا رسائلُنا ، لنكتب من جديد
  4. 4
    ما تكتبُ الأَمطارُ من زَهْرٍ بدائيَّ على صخر البعيد◆ويسافرُ السَّفَرُ الصدى منَّا إلينا . لم نكن حَبَقاً
  5. 5
    لِنَرْجِعَ في الربيع إلى نوافذنا الصغيرة . لم نكن ورقاً –◆لتأخذنا الرياحُ إلى سواحلنا . هنا وهناك خطِّ واضحٌ
  6. 6
    للتيهِ . كم سنةٌ سنرفع للغموض العذب موْتانا مرايا ؟◆كم مَرَّةً سنحمِّل الجرحى جبالَ الملح كي نَجِدَ الوصايا ؟
  7. 7
    عادة إلينا من رسالتنا رسالَتُنا .هنا وهناك خط واضحٌ –◆للظل . كم بحراً سنقطع داخل الصحراء؟ كم لوحاً سنَنْسَى ؟
  8. 8
    كم نبياً سوف نَقتُلُ في ظهيرتنا ؟ وكم شعباً سنُشبْه كي نكونَ –◆قبيلةً؟ هذا الطريقُ – طريقُنا قَصَبٌ على الكلمات يرفو
  9. 9
    طَرَفَ العباءة بين وحْشتنا وبين الأرض إذ تنأى ، وتغفو◆في زَعْفَران غُرُوبنا . فَلْنَنْبسَط كَيد لنرفع وقتنا للآلهةْ
  10. 10
    أنا هدهد – قال الدليلُ لسيِّد الأشياء – أبحثُ عن أسماء تائهةْ◆لم يبق منِّا في البراري غيرُ ما تجد البراري
  11. 11
    منا: بقايا الجلْد فوق الشوك ، أغنية المحاربِ للديارِ◆وفم الفضاء. أمامنا آثارنا . ووراءنا صدف العبث
  12. 12
    أنا هُدْهُدٌ قال الدليل لنا – وطار مع الأشعَّة والغبارِ◆من أين جئنا ؟ يسأل الحكماءُ عن معنى الحكاية والرحيلِ
  13. 13
    وأمامنا آثارنا ، ووراءنا الصفصافُ . من أسمائنا نأتي إلى◆أسمائنا ونخبيءُ النسيان عن أبنائنا . نَثِبُ الوعولُ من الوعولِ
  14. 14
    على المعابد. والطيُورُ تبيض فوق فكاهة التمثال . لم نسأل لماذا◆لم يُولَد الإنسانُ من شَجَرٍ ليرجع ؟ أَنْبَأتْنَا الكاهناتُ
  15. 15
    أنَّ القلوب تُزَان بالميزان في مصر القديمة ، أنبأتنا الكاهناتُ◆أن المسلِّة تُسْنِدُ الأْفُق المُهَدَّدَ بالسقوط على الزمان . وأَننا
  16. 16
    سنُعِيدُ رحلتُنا هناك على الظلام الخارجيِّ . وأَنبأتنا الكاهناتُ◆أن الملوكً قضاتُنا ، وشهودَنا أعداؤُنا . والروحَ يحرسُها الرعاةُ
  17. 17
    جسر على نهرين رحلتُنا . ولم نولد لتمحونا وتمّحي الحياةُ◆أنا هُدْهُدٌ – قال الدليل سأهتدي إلى النبع إن جفَّ النباتُ
  18. 18
    قلنا له : لسْنا طيوراً . قال : لن تصلوا إليه ، الكُلُّ لَهْ◆والكُلُّ فيه ،وَهْوَ في الكُلِّ ، اُبحثوا عنه لكي تجدوهُ فيه ، فَهْوَ فيهِ
  19. 19
    قلنا له : لسنا طيوراً كي نطير ،فقال : أجنحتي زماني◆والعشق نار العشق، فاحترقوا لتلقوا عنكم جسد المكان
  20. 20
    قلنا له : هل عدت من سبإ لتأخذنا إلى سبإ جديدة ؟◆عادت إلينا من رسائلنا رسالتُنا ولم ترجع .. ولم ترجعْ
  21. 21
    وفي اليونان لم تفهم أرسْطُوفان . لم تجد المدينة في المدينة◆لم تجد بَيْتَ الحنان لكي تُدَثِّرنا حريراً من سكينة
  22. 22
    لم تدرك المعنى فمسَّكَ هاجسُ الشعراء : ( طيري◆يا بنتَ ريشي ! يا طيور السهل والوديان ، طيري
  23. 23
    طيري سريعاً نحو أَجنحتي وطيري نحو صوتي ) .إنَّ فينا◆شبقاً إلى الطيران في أشواقنا . والناس طير لا تطيرُ
  24. 24
    يا هُدهدَ الكلمات حين تفرِّخُ المعنى وتخطفنا من اللغة الطيورُ◆يا آبن التوتّر حين تنفصل الفراشةُ عن عناصرها ويسكنها الشعورُ
  25. 25
    ذوِّبْ هنا صلْصالَنا ليشقَّ صورة هذه الأشياء نورُ◆حلِّقْ لتَّتضحَ المسافةُ بين ما كنا وما سيكون حاضرُنا الأخيرُ
  26. 26
    ننأى ، فندنو من حقيقتنا ومن أسوار غربتنا . وهاجِسُنا العبورُ◆نحن الثنائيُّ السماء – الأرضُ ، والأرض – السماءُ . وحول سورٌ وسورٌ
  27. 27
    ماذا وراء السور ؟ علم آدَم الأسماءَ كي يتَفتح السر الكبيرُ◆والسرُّ رحلتنا إلى السريَّ . إن الناسَ طيرٌ لا تطيرُ
  28. 28
    أنا هُدْهُدٌ – قال الدليل – وتَحْتَنا طوفان نوحٍ . بابلُ◆أشلاء يابسةٍ . بُخارٌ من نداءات الشعوب على المياه . هياكلُ
  29. 29
    ونهايةٌ كبدايةٍ كبدايةٍ لنهايةٍ . حلِّقْ لينسى القاتلُ◆قتلاهُ. حلِّقْ فوقنا لينسى الخالقُ المخلوق
  30. 30
    والأشياءَ والأسماءَ في أسطورة الخلق الذي نتبادلُ◆هل كنت تعرفُ ؟ كنتُ أعرف أن بركاناً سيرسم صورةَ
  31. 31
    الكون الجديدة . لم تَقُلْ شيئاً وأَنتَ بريدُ هذي الأرض . كنتُ أَحاولُ◆فيه من الأَشباح ما يكفي ليبحث في المقابر عن حبيبِهْ
  32. 32
    .. كانت له أُمٌّ ، وكان له جنوبٌ يستقرُّ على هُبُوبِه◆كانت له أسطورةُ الحَدْسِ . المتوج بالمياه .. وفي دروبِهْ
  33. 33
    مَلكٌ وإِمرأَة .. وجيشٌ يحرس الصبواتِ في الجسدين من أحلامنا◆ولنا من الصحراء ما يكفي لنُعطيهَ زمام سرابنا وغمامِنَا
  34. 34
    ومن الهشاشة ما سيكفي كي نسلّمه منامَ منامِنا◆خُذْنَا . لقد هَهَّ اللسانُ فكيف نمتدح الذي طلب المديحْ
  35. 35
    ومديحُهُ فيه . وفيه الكلُّ للكلِّ . اعترفنا أننا بشرٌ ، وذُنْبا◆في هذه الصحراء حُبّاً . أين نخلتُنا لنعرف في التُمُور قلوبَنا ؟
  36. 36
    والله أجْمَلُ من طريق الله . لكن الذين يسافرونْ◆لا يرجعون من الضياع لكي يرجعوا في الضياع . ويعرفونْ
  37. 37
    أن الطريق هو الوصول إلى البدايات الطريق المستحيلْ◆يا هُدْهدَ الأسرار ، جاهِدْ كي نشاهدَ في الحبيب حبيبَنَا
  38. 38
    هي رحلةٌ أَبدية للبحث عن صفة الذي ليست لَهْ◆صِفَةٌ . هو الموصوفُ خارجَ وَصْفِنا وصفَاتِهِ . حلِّقْ بنا
  39. 39
    لم تَبْقَ مِنَّا غيرُ رحلتنا إليه . إليه نشكو ما نُكابد في الرحيل◆دَمُناً نبيذُ شُعوبِهِ فوق الرخام وفوق مائدة الأصيل
  40. 40
    ( لا أنتَ إلا أنتَ ) فاخطِفْنا إليك إذا أذِنْتَ ، ودُلَّنا◆يوماً على الأرض السريعة قبل دَوْرَتنا مَعَ العَدَم العميق ، ودُلَّنا
  41. 41
    يوماً على شَجِرة ولدنا تحته ، سراً ، ليُخْفيَ ظلَّنا◆وعلى الطفولة دُلَّنا . وعلى يمام زافَ أَوَّلَ مرةٍ ليُذلَّنا
  42. 42
    يَفَعَ الصغارُ ولم يطيروا مثله . يا ليْتَنَا . يا ليتنا . ولعلَّنا◆سنطير في يوم من الأيام .. إنَّ الناسَ طَيْرٌ لا تطيرُ
  43. 43
    والأرضُ تكبر حين نجهلُ ، ثم تصغر حين نعرف جهلنا◆لكننا أحفادُ هذا الطين ، والشيطان من نار يحاول مثلنا
  44. 44
    أن يُدْرِكَ الأسرارَ عن كَثبٍ ليحرقنا ويحرق عقلنا◆والعقل ليس سوى دخان ، فليضعْ ! إنَّ القلوب تدلُّنا
  45. 45
    خُذْنَا إذاً يا هُدْهُدَ الأسرار نحو فَنَائنا بِفِنائه . حلِّقْ بنا◆واهبطْ بنا .لنودِّعَ الأْمَّ التي انتظرتْ دهوراً خيْلنا
  46. 46
    لتموت غبَّ النور أَو تحيا لنيسابورَ أرملةً تُزيِّن ليلنا◆هي ( لا تريد من الإله – الله إلاّ الله ) .. خذْنا
  47. 47
    والحبُّ أن لا يُدْرَكَ المحبوبُ .. أرْسَلَ عاشقٌ لفتاته◆فَرَسَ الغياب على صدى الناياتِ واختصر الطريق : ( أنا هِيَ )
  48. 48
    وهي ( الأنا ) تنسلُّ من يأسٍ إلى أملٍ يعود إلىَّ يأسا◆لا تنتهي طُرُقي إلى أًبوابها .. طارت أنايَ ( فلا أَنا إلاَّ أَنا ..)
  49. 49
    لا تنتهي طُرُقي إلى أبوابها .. لا تنتهي طُرُق الشعوبِ –◆إلى الينابيع القديمةِ ذاتها . قُلْنا ستكتملُ الشرائعُ –
  50. 50
    عندما نجتازُ هذا الأرخبيلَ ونعتقُ الأسرى من الألواحِ –◆فلْيَجْلِسْ على إيوانِهِ هذا الفراغُ ليكمل البشريُّ فينا هجرتَهْ
  51. 51
    عَمَّنْ تفتِّشُ هذه الناياتُ في الغابات ؟ والغرباء نحنُ◆ونحن أَهْلُ المعبد المهجور مهجورون فوق خيولنا البيضاءِ –
  52. 52
    ينبت فوقنا قَصَبٌ وتعبر فوقنا شهُب ونبحث عن محطتنا الأخيرةْ◆لم تبق أرضٌ لم نعمِّر فوقها منفى لخيمتنا الصغيرةْ
  53. 53
    هل نحن جِلْدُ الأرض ؟ عَمَّنْ تبحثُ الكلماتُ فينا◆وهي التي عقدَتْ لنا في العالم السفليّ محكمة البصيرةْ
  54. 54
    وهي التي بَنَتِ المعابدَ كي تُروِّضَ وحش عزلتها بمزمارٍ وصورةْ◆وأمامنا آثارُنا . ووراءنا آثارُنا . وهنا هناك . وأنبأتْنا الكاهناتُ:
  55. 55
    الجد يأخُذُ عَرْشَه مَعَهْ إلى القبر المقدَّس ، يأخذُ –◆الفتياتِ زوجاتٍ وأسرى الحرب حُرّاساً له . قد أنبأتنا الكاهناتٌ
  56. 56
    أن الأْلوهةَ توأمُ الإنسان في الهند القديمة. أنبأتنا الكاهناتٌ◆ما أنبأتنا الكائنات به.. ( و أنتَ تكون أيضاً مَنْ هُوَ)
  57. 57
    لكننا لم نُعْلِ تِينَتَنَا ليشنقنا عليها القادِمُون من الجنوبْ◆هل نحن جلدُ الأرض؟ كُنَّا إذ نَعَضُّ الصخْرَ نفتحُ
  58. 58
    حَيَّزاً للفُلِّ.كُنا نحتمي بالله من حُرَّاسه و من الحروبْ◆كنا نصدِّقُ ما تعلِّمْنا من الكلمات. كان الشعر يهبطٌ
  59. 59
    من فواكِهِ لَيْلنا، وقيودُ معزنا إلى المرعى على درب الزبيبْ◆الفجر أَزرقُ، ناعمٌ، رطبٌ. وكُنَّا حين نحلُمُ نكتفي
  60. 60
    بحدود منزلنا: نرى عَسَلا على الخروب، نَجْنِيه.نرى◆في النوم أنَّ مُرَبَّعات السمسم اكتنزتْ، فنْنخُلُهَا. نرى
  61. 61
    في النوم ما سنراه عند الفجر.كان الحلم منديل الحبيبْ◆أنا هُدْهدٌ – قال الدليل – وطار منَّا . طارت الكلماتُ –
  62. 62
    منا . قبْلَنا الطوفان . لم نَخْلَعْ ثيابَ الأرض عنَّا –◆قبْلَنا الطوفانُ . لم نبدأ حروبَ النفس بعدُ . وقبلنا
  63. 63
    الطوفانُ. لم نحصدْ شعيرَ سهولنا الصفراء بعدُ◆وقبْلَنا الطوفانُ . لم نَصْقُلْ حجارتنا بقَرْنِ الكبش بعدُ
  64. 64
    وقبْلَنا الطوفانُ . لم نيأس من التفاح بعدُ◆الأمُّ الحزينةُ إخوةً من لحمنا لا من جذوع الكستناء ولا
  65. 65
    الحديد . ستنجب الأُم الحزينة إخوةً ليعمِّروا منفى◆النشيدِ . ستنجب الأْم الحزينة إخوةً كي يسكنوا
  66. 66
    سعفَ النخيل إذا أرادوا أو سطوح خيولنا . وستنجب◆الأمُّ الحزينةُ إخوة ليتوِّجُوا هابيلَهُمْ ملكاً على عرش الترابْ
  67. 67
    لكنَّ رحلتنا إلى النسيان طالت . والحجاب أمامنا غطى الحجابْ◆ولَعَلَّ منتصفَ الطريق هو الطريق إلى الطريق من سحابْ
  68. 68
    ولعلنا ، يا هُدهدَ الأسرار ، أشباحٌ تفتِّش عن خرابْ◆قال: اتركُوا أجسادكم كي تتبعوني واتركوا الأرض السرابْ
  69. 69
    كي تتبعوني . واتركوا أسماءكم . لا تسألوني عن جوابْ◆إن الجوابَ هو الطريقُ ولا طريقَ سوى التلاشي في الضبابْ
  70. 70
    هل مَسَّكَ ( العَطَّارُ ) بالأشعار ؟ قلنا . قال : خاطبني وغابْ◆في بطن وادي العشق . هل وقف ( المعرِّيْ) عند وادي المعرفةْ ؟
  71. 71
    قلنا . فقال : طريقُهُ عَبَثٌ . سألنا : وابن سينا .. هل أجابَ◆عن السؤال وهل رآكَ ؟ أنا أرَى بالقلب لا بالفلسفةْ
  72. 72
    هل أنت صوفيُّ إذاً ؟◆أنا هدهدٌ . أنا لا أريد . ( أنا أريدْ
  73. 73
    أنا لا أريد ) وغاب في أشواقه : عذَّبْتَنَا◆يا حبُّ . من سَفَرٍ إلى سَفَرٍ تُسَفِّرنا سدى . عَذَّبتنَا ،
  74. 74
    غَرَّبتنا عن أهلنا ، عن مائنا وهوائنا . خَرَّبتنَا . أفرغتَ◆ساعات الغروب من الغروب . سلبتنَا كلماتنا الأُولى
  75. 75
    نهبْتَ شُجَيْرةَ الدُرَّاق من أيامنا ، وسلبتنا أيامنا . يا◆حُبُّ قد عَذَّبتَنا ، ونهبتنَا . غرّبْتنَا عن كُلِّ شيء واحتجبْتَ
  76. 76
    وراء أوراق الخريف . نهبتنا يا حب . لم تترك لنا شيئاً◆صغيراً كي نُفَتِّش عنكَ وكي نقبِّل ظلِّه ، فأتركْ
  77. 77
    لنا في الروح سنبلة تحبُّكَ أَنت . لا تَكْسِر زُجَاجَ◆الكون حول نِدائنا . لا تضطربْ . لا تصطخبْ . واهدأْ
  78. 78
    قليلاً كي نرى فيك العناصر وهي ترفع عُرْسَها الكُليَّ◆نحوك . واقتربْ منا لنُدرك مَرَّةً : هل نستحقُّ
  79. 79
    بأن نكون عبيد رَعْشَتِكَ الخفيةِ ؟ لا تبعثر ما◆تبقَّى من حُطام سمائنا . يا حبُّ قد عذّبتنا ، يا
  80. 80
    حب ، يا هِبَةً تُبَدِّدُنا لترشد غيبنا فيهبّ◆هذا الغيب ليس لنا وليس لنا مصبُّ النهر،
  81. 81
    والدنيا تهبُّ أمامنا ورقاً من السّرْوِ القديم ليُرْشدَ◆الأشواق للأشواق . كم عذَّبتنَا يا حُبُ ، كم غيّبْتَنَا
  82. 82
    عن ذاتنا ، وسلبتنَا أسماءنا يا حُبُّ◆قال الهدهدُ السكرانُ : طيروا كي تطيروا . نحن عُشَّاقٌ وحَسْبْ
  83. 83
    قلنا : تَعِبْنَا من بياض العشق واشتقنا إلى أمّ ويابسةٍ وأَبْ◆هل نحن مَنْ كنا وما سنكون ؟ قال: توحَّدوا في كل دربْ
  84. 84
    وتبخَّروا تصِلُوا إلى مَنْ ليس تدركه الحواسُّ . وكُلُّ قلبْ◆كونٌ من الأسرار . طيروا كي تطيروا . نحن عُشَّاقٌ وحسبْ
  85. 85
    قلنا ، وقد مِتناً مراراً وانتشيْنَا : نحن عُشَّاقٌ وحسبْ◆منفىً هي الأشواقُ . منفَى حُبُّنا . نبيذُنا مَنْفىً . ومنفَى
  86. 86
    تاريخُ القلبِ . كم قلنا لرائحةِ المكان : تَحَجّرِي لننام . كم◆قلنا لأشجار المكان تجرَّدي من زينَةِ الغزوات كي نجد المكانْ
  87. 87
    واللا مكانُ هو المكانُ وقد نأى في الروح عن تاريخهِ◆منفىً هِيَ الروحُ التي تنأى بنا عن أرضنا نحو الحبيبْ
  88. 88
    منفى هي الأرضُ التي تنأى بنا عن روحنا نحو الغريبْ◆لم يَبْقَ سَيْفٌ لم يجد غِمْداً له في لحمنا
  89. 89
    والأخوةُ – الأعداءُ منا أسْرَجُوا خَيْلَ العَدُوِّ ليخرجوا العدو ليخرجوا من حُلْمِنا◆منفىً هو الماضي : قَطَفْنا خوخَ بهجتنا من الصيف العقيمْ
  90. 90
    منفىً هي الأفكارُ : شاهدنا غداً تحت النوافذ فاخترقنا◆أسوارَ حاضرنا لنبلغه فأصبح ماضياً في درع جُنْديِّ قديمْ
  91. 91
    والشعرُ منفى حين نَحْلُمُ ثم ننسى حين نصحو أَين كنا◆هل نستحقُّ غزالةً ؟ خُذْنا إلى غَدِنا الذي لا ينتهي
  92. 92
    يا هُدْهُدَ الأسرارِ ! علِّقْ وقتنا فوق المدى . حلّقْ بنا◆إنَّ الطبيعة كُلَّها روحٌ ، وإن الأرضَ تبدو من هنا
  93. 93
    ثدْياً لتلك الرعشة الكبرى ، وخيلُ الريح مركبةٌ لنا◆يا طيرُ .. طيري كي تطيري فالطبيعةُ كُلُّها رُوحٌ . ودوري
  94. 94
    حول افتتانِك باليدِ الصفراءِ ، شمسِكِ ، كي تذوبي واستديري◆بعد احتراقك نَحْوَ تلك الأرض ، أرضِكِ ، كي تنيري
  95. 95
    نَفَقَ السؤال الصلْب عن هذا الوجود وحائطِ الزَمَن الصغيرِ◆إنَّ الطبيعةَ كلها روحٌ ، وروحٌ رقصةُ الجَسَدِ الأخيرِ
  96. 96
    طيري إلى أعلى من الطيران .. أعلى من سمائِك .. كي تطيري◆أعلى من الحُبِّ الكبير .. من القَدَاسَةِ .. والأْلوهةِ .. والشعورِ
  97. 97
    وتحرري من كل أجنحة السؤال عن البدايةِ والمصير◆الكونُ أَصغرُ من جناح فراشَةٍ في ساحة القلب الكبيرِ
  98. 98
    في حَبَّة القمح التقْينَا ، وافترقْنَا في الرغيف وفي المسر◆مَنْ نحنُ في هذا النشيدِ لنَسْقُفَ الصحراءَ بالمطر الغزيرِ ؟
  99. 99
    مَنْ نحن في هذا النشيدِ لنُعْتِقَ الأحياءَ من أسر القبورِ ؟◆طيري بأجنحةِ انخطافِك ، يا طيورُ ، على عواصفَ من حرير
  100. 100
    لكِ أن تطيري مثل نشوتنا. يناديكِ الصدى الكونيُّ : طيري◆لكِ وَمْضَةُ الرؤيا . سنهبط فوق أنفسنا .. سنرجع إن صَحَوْنا
  101. 101
    سنزور وقتاً لم يكن يكفي مَسَرَّتَنا ولا طَقْسَ النُشُور◆مَنْ نحن في هذا النشيد لنلتقي بنقيضهِ باباً لسورِ
  102. 102
    ما نفُع فِكْرتَنا بلا بَشَرٍ ؟ ونحن الآن من نارٍ ونورِ ؟◆أنا هُدْهُدٌ – قال الدليل – ونحن قلنا : نحن سرْبٌ من طيورِ
  103. 103
    ضاقتْ بنا الكلماتُ أو ضقنا بها عطشاً وشرَّدنا الصدى◆وإلى متى سنطير ؟ قال الهدهدُ السكرانُ : غايتُنَا المدى
  104. 104
    قلنا : وماذا خلْفَه ؟ قال المدى خلفَ المدى خلف المدى◆قلنا : تعبنَا . قال : لنا تجدوا صنوبرةً لترتاحُوا . سدى
  105. 105
    ما تطلبون من الهبوط ، فحلّقوا لتُحَلِّقوا . قلنا : غداً◆سنطيرُ ثانيةً . فتلك الأرضُ ثديٌ ناضجٌ يمتصُّه هذا الغمامُ
  106. 106
    ذهبٌ يَحُكُّ الرعشةَ الزرقاء حول بيوتنا . هل كان فيها –◆كلُّ ما فيها ولم نعرفْ ؟ سنرجع حين نرجع كي نراها
  107. 107
    بعُيون هُدْهُدِنا وقد مَسّت بصيرتَنا . سلامٌ حولها ولها السلامُ◆ولها سريرُ الكون مفروشٌ بقُطن الغْيمِ والرؤيا . تنامُ
  108. 108
    وتنامُ فوق ذراعها المائيِّ سيدةً لصورتها وصورتنا . لها◆قَمَرٌ صغيرٌ مثل خادمها يمشّط ظلَّها . ويمرُّ بين قلوبنا
  109. 109
    خوفاً من المنفى ومن قَدرِ الخرافة ، ثم يُشعِلُهُ الظلامُ◆سهراً لحال النفس قرب المُعجزات . أمِنْ هنا وُلدَ الكلامُ
  110. 110
    ليصير هذا الطين إنساناً ؟ عرفناها لننساها وننْسى◆سمك الطفولة حول صرتها . أعن بُعدٍ نرى ما لا نَرَى
  111. 111
    في القرب ؟ كم كانتْ لنا الأيامُ أحصنةً على وَتَرِ اللغةْ◆كم كانتِ الأنهارُ ناياتٍ . ولم نَعْلَمْ . وكم سَجَنَ الرخامُ
  112. 112
    مِنّا الملائكةً ولم نعرفْ . وكم ضَلِّتْ هنا مصرٌ وشامُ◆للأرضِ . أرضٌ كان هُدْهُدُنا سجيناً فوقها . في الأرض روحٌ –
  113. 113
    شَرَّدَتْها الريحُ خارجها . ولم يترك لنا نوحُ الرسائل كُلَّها◆ومشى المسيحُ إلى الجليل فصفَّقَتْ فينا الجروحُ . هنا اليمامُ
  114. 114
    كلماتُ موتانا . هنا أطلال بابل شامةٌ في إبْطِ سيرتنا . هنا◆جَسَدٌ من التفاح يسبح في المجرَّة . والمياهُ له حزامُ
  115. 115
    يسري مع الأبد المجسّد في مدائحنا ، ويرجع نحو ذاتِهْ◆أمّاً تُغَطّينا بفَرْو حنانها العاري ، وتُخْفي ما فَعَلْنا بالرئة
  116. 116
    وبنار وردتها،وتخفي حرب سيرتنا ، وما صنع الحسامُ◆بخريطة الأعشاب حول شواطئ الزغَبِ المقدّس . أُمُّنا هي أمنا
  117. 117
    أم الإثنيين والفُرْس القدامى أمُّ أفلاطون زارادشت أفلوطين أم السهرورْدِي◆أمُّ الجميع . وكُلُّ طفلٍ سيّد أَمه . ولها البداية والختامُ
  118. 118
    وكأنها هِي ما هِي الميلادُ إن شاءتْ ، وإن شاءت هي الموتُ الحرامُ◆أطعمتِنا وأكلتِنا يا أمنا كي تُطْعِمي أولادنا يا أمَّنا ، فمتى الفِطامُ ؟
  119. 119
    يا عنكبوت الحُبِّ . إن الموتَ قتلٌ . كم نحبُّك كَمْ نحبك فارحمينَا◆لا تقتلينا مرةً أُخرى ولا تلدي الأفاعي قرب دِجْلة .. واتُركينا
  120. 120
    نسري على الغزلان خصْرك قرب خصْركِ ، والهواءُ هو المقامُ◆واستدرجينَا مثلما يُسْتَدْرَجُ الحَجَلُ الشقيُّ إلى الشِباك ، وعانقِينَا
  121. 121
    هل كنتِ أنتِ قبيل هجرتنا ولم نعرف ؟ يغيرنا الهيامُ◆فنصير مثل قصيدة فتحتْ نوافذَهَا ليحملَها ويُكمِلها الحمامُ
  122. 122
    معنىً يُعيد النسْغَ للشجر الخفيِّ على ضفاف الروح فينَا◆طيري إذاً ، يا طَيْرُ في ساحات هذا القلب طيري
  123. 123
    ما نفع فِكْرَتنا بلا بَشَرٍ .. ونحن الآن من طين ونور ؟◆هل كنتَ تعرف أيِّ تاجٍ فوق رأسك ؟ قَبْرُ أُمِّي
  124. 124
    وأَنا أَطيرُ وأَحملُ الأسرار والأَخبار أُمِّي فوق رأسي مهرجانُ◆هُوَ هُدْهُدٌ ، وهو الدليل وفيه ما فينا ، يعلِّقه الزمانُ
  125. 125
    جرساً على الوديانِ . لكنّ المكان يضيق في الرؤيا وينكسر الزمانُ◆ماذا ترى .. ماذا ترى في صورة الظل البعيدةِ ؟
  126. 126
    ظِلَّ صورته علينا فلْنحلِّق كي نراه ، فلا هُو / إلاّ هُو◆( يا قلب .. يا أُمِّي ، ويا أُختي ) ويا امرأتي تدفَّقْ كي تراهُ
  127. 127
    وله .. لهدْهُدِنَا عُروشُ الماء تحت جَفَافِهِ تَعْلُو ويعلو السنديانُ◆للماء لَوْنُ الحَقْل يرفَعُهُ النسيمُ على ظهور الخيل فجْرَا
  128. 128
    للماء طعْمُ هَديَّة الإنشاد وهو يَهُبُّ من بستان ذكرى◆للماء رائحةُ الحبيب على الرخام تزيدنا عَطَشاً وسُكْراً
  129. 129
    للمائ شَكْلُ هُنَيْهَةِ الإشراق حين تَشُقُّنا نِصْفَيْنِ : إنساناً وطيْرَاً◆وله .. لهُدْهُدِنَا خيولُ الماء تحت جفافه تعلو ، ويعلو الصولجانُ
  130. 130
    وله .. لهُدْهُدِنَا زمانٌ كان يحمله ، وكان له لسانُ◆وله .. لهُدْهُدِنَا بلاد كان يحملها رسائلَ للسماوات البعيدةْ
  131. 131
    لم يَبْقَ دِينٌ لم يجرِّبْهُ ليمتحن الخليقةَ بالرحيل إلى الإلهْ◆لم يَبْقَ حُبُّ لم يعذبه ليخترق الحبيبَ إلى سواهْ
  132. 132
    وهو المسافر دائماً . من أنتَ في هذا النشيد ؟ أنا الدليلُ◆وهو المسافر دائماً . من أنتَ في هذا النشيد ؟ أنا الرحيلُ
  133. 133
    ( يا قلب .. يا أُمي وأختي ) تدفقْ كي يراكَ المستحيلُ –◆وكي تراه وتأخذني نحو مرآتي الأخيرة . قال هُدهُدُنَا وطارْ
  134. 134
    هل نحن ما كنا ؟ على آثارنا شَجَرٌ وفي أسفارنا قَمَرُ جميلُ◆ولنا حياةٌ في حياة الآخرين هناك . لكنا أَتيْنَا –
  135. 135
    مُكرهينَ إلى سمرقَنْدَ اليتيمِة . ليس في أجدادنا مَلِكٌ نُعيدُهْ◆تركتْ لنا الأيام إرْثَ الناي فِي الأًيام .. أقربُهُ بعيدُهْ
  136. 136
    ولنا من الأمطار ما لشُجيْرَةِ اللبلاب . نحن الآن ما كنا وعُدْنَا◆مُكرهينَ إلى الأساطير التي لم تَتَّسع لوصُولنا ، لم نستطعْ
  137. 137
    أن نَحْلبَ الأغنامَ قرب بيوتنا ، ونُرَتِّبَ الأَيام حول نشيدنا◆ولنا هناك معابدٌ ، ولنا هنا رَبٌ يمجده شهيدُهْ
  138. 138
    ولنا من الأزهار ( مِسْكُ الليل ) يُوصِدُهُ نهارٌ لا يريدُهْ◆ولنا حياةٌ في حياة الآخرين . لنا هنا قمحٌ وزيتٌ –
  139. 139
    نحن لم نقطع من الصفصاف خيْمَتَنَا ، ولم نصنع مِنَ –◆الكبريت آلهةً ليعبدها الجنود القادمون . لقد وجدْنا –
  140. 140
    كل شيء جاهزاً : أسماءنا مكسورةً في جَرَّةِ –◆الفُخَّار .. دَمْعَ نسائنا بُقَعاً من التوت القديم على
  141. 141
    الثياب .. بنادقَ الصيد القديمة .. واحتفالاً سابقاً لا نستعيدُهْ◆الفَقْر مكتظ بآثار الغياب الآدميَّ . كأنَّنا كُنَّا هنا
  142. 142
    وهنا من الأدوات ما يكفي لنصب خيمةً فوق الرياحْ◆لا وَشْمَ للطوفان فوق تَجَعَّيِد الجَبَل الذي اخضرَّتْ حدودُهْ
  143. 143
    لكنَّ فينا أًلفَ شعبٍ مَرَّ ما بينا الأغاني والرماحْ◆جئنا لنعْلَم أننا جئنا لنرجعَ من غياب لا نريدُهْ
  144. 144
    ولنا حياةٌ لم نُجَرِّبْها ، وملحٌ لم يخلِّدنا خلودُهُ◆ولنا خطى لم يَخْطُها قبلنا أًحَدٌ .. فطيرِي
  145. 145
    طيري ، إذاً ، يا طيرُ في ساحات القلب طيري◆وتجمِعي من حول هُدْهُدِنَا ، وطيري .. كي .. تطيري!