النزول من الكرمل

محمود درويش

76 بيت

العصر:
العصر الحديث
البحر:
عموديه
حفظ كصورة
  1. 1
    ليومٍ يُجدّدُ لي موعدي، قلتُ للكرمل: الآن أمضي.و ينشرُ البحر بين السماء و مدخلِ جرحي
  2. 2
    و أذهبُ في أُفّقٍ ينحني فوقنا، و يُصلّيلنا ،أو يُكَسّرُنا. هذه الأرض تشبهنا
  3. 3
    حين نأتي إليها. و تشبهنا حين نذهب عنها.تركتُ ورائي ملامحها، و اسمها كان يمشي أمامي
  4. 4
    يُسمّي ملامحها و انفجاري. تركتُ سرير الولادهْتركتُ ضريحاً مُعدّاً لأيِّ كلام..
  5. 5
    تركتُ التي أوجَعَتْهاَ ذراعي. تركت التي أوجعتني يداها.تُفتّشُ عن عاشقٍ بعد خمس دقائق من هجرتي
  6. 6
    تمرّ الرصاصةُ فوق جبيني، و تجمعني مثلما تجمع القبلةُ الشفتينْو تولد رمّانةٌ في الصخور التي دجّنتْني، و تجعلني عاشقين
  7. 7
    بعيداً.. بعيداً.و ينتشر البحر بين السماء و مدخل جرحي
  8. 8
    تخيّلتُ أنكَ مُتَّكئيو سئمتُ العلاقة بين المسامير و الخشبهْ
  9. 9
    و حين ترجَّلتُ عن قمّة الرمح و الجرح أمسكتُ شيئاًفَكَانَ حذاءَ الحرسْ
  10. 10
    يكمّلني هابطاً هابطاً..منذ ذاك النهار المبكِّر أبحث عن موطئ القدمين
  11. 11
    و أتبعُ نهراً، و لا أتبع الموجَهل أستردُّ زفيري!.
  12. 12
    يُقاسمُني عسكريُّ جراحيو يحرسها كي ينال وساماً
  13. 13
    و يمنعني من مواصلة الموت ، يأخذ نصف جراحيو يترُكُ نصفا لأمن الأممْ .
  14. 14
    يهزُّ أصابع كفيّفتسقط ذكرى.
  15. 15
    رصاصٌ قديم.يُفتّشُ كفّيَ ثانية، فيصادر حيفا التي هرّبت سُنْبلهْ
  16. 16
    و يا أيّها الكرملُ،الآن تقرع أجراس كل الكنائسْ
  17. 17
    و تعلن أنّ مماتي المؤقّت لا ينتهي دائماً، أو ينتهي مَرّةً،أيّها الكرمل، الآن تأتي إليك العصافيرُ من ورق
  18. 18
    كنتَ لا فرق بين الحصى و العصافيرِ .و الآن بَعْثُ المسيح يُؤجّل ثانيةً
  19. 19
    أيّها الكرمل، الآن تبدأ عطلةُ كل المدارسو تُنشدني الآن فيروز
  20. 20
    و الآن نأخذ أنبوبةً من حبوبٍ تُسيل الدموع ،فنبكي على جبل طائرٍ
  21. 21
    أيّها الكرمل، الآن يجعلني ضابط آخرٌ عرضة للخلود !بَعُدنا عن الشجر. البحرُ فاصلةٌ بيننا
  22. 22
    و ها نحن بين الطهارة و الإثم شيئان يلتحمان و ينفصلانكأن الأحبّة دائرةٌ من طباشيرَ
  23. 23
    قابلةٌ للفناء و قابلة للبقاء.و ها نحن نحمل ميلادنا مثلما تحمل المرأةُ العاقرُ الحُلُما
  24. 24
    و ها أنتَ مئذنة الله حيناًو قبّعة لجنود المظلاّت حيناً
  25. 25
    و ها أنت يا كرملي كلُّماجرّدتني الحروبُ من الأرض أعطيتَني حُلُما.
  26. 26
    و ها أنا أعلن أن الزمان تغيّرَ:كانت صنوبرةٌ تجعل الله أقربْ
  27. 27
    و كانت صنوبرة تجعل الجرح كوكبْو كانت صنوبرة تُنجب الأنبياءْ
  28. 28
    و تجعلني خادماً فيهمُأيّها الكرمل المتشعِّب في كل جسمي
  29. 29
    لماذا تحمّلني كل هذي المسافاتِو البحرُ فاصلةٌ بيننا؟
  30. 30
    أوقَفَتْني فتاة معبُّأة بالدواليو كانت تغنّي على طُرُق الشامِ:
  31. 31
    يا ليت دالية واحدةلم تسافر معي.. فأعود إليها
  32. 32
    قبّلتني فتاةٌ لأني لفظت اسم كرملها في مُكَبرّ صوت،فجاءت إلى فندقي لتقول"أحبُّك"، و التجأتْ
  33. 33
    لاسمه في ذراعي_و ماذا يقول الجبلْ؟
  34. 34
    بكى قصبٌ في الغديرو كان الغدير مرايا
  35. 35
    فلم ينطبق الجبلُ_و هل رحلوا؟
  36. 36
    * تصبَّبت الريحُ من جبهتيفمسحتُ الرياح كما تمسحين العرقْ ..
  37. 37
    تذكرتُ أني نهضت صباحاًو كانت شهادةُ ميلاد أمّيَ قابلة للنقاش
  38. 38
    و كانت أناشيد أهلي العربْتُرتِّبُ أمتعة اللاجئين .
  39. 39
    و تبني جسور العبور .و صارت فلسطين أقربْ .
  40. 40
    فاختلف اللاجئون على موسم القمح و البرتقالو كانت تغّنّي على طُرق الشامِ :
  41. 41
    يا أيّها الكرملُ .البحرُ. و العشبُ. و النارُيا صخرة الفرح العائمهْ
  42. 42
    و صمّمتُ جلدي قميصا لأخفي آثار طعنتك النادمهْفأنكَرني العسكريُّ
  43. 43
    و كنتُ على باب أمي هناك أنادي دمشقْفتسمع نبض دمي حفيف صنوبركَ المبتعدْ
  44. 44
    و تغسلني دجلةُ الخير حين أموت من الوجد شوقاً إلىأرض بابل .
  45. 45
    و ها أنذا الآنحين دخلتُ إلى الجامع الأمويِّ تساءل أهل دمشق:
  46. 46
    مَنِ العاشقُ المغتربْ؟و كانت مياه الفرات و نافورة النيل تحذف آثار زنزانتي
  47. 47
    و حين وقفتُ على النيل يوماً و شاطئ دجلة يوماًتساءل كل الذين رأوا دهشتي
  48. 48
    مَن السائحُ المغتربْ ؟!تركتُ الحبيبة _لم أنسها_ في غروب الشجرْ
  49. 49
    تطرِّز من زَبَد البحر منديلها و ضماديتوهَّمتُ أنّ السموات أبعدُ من يدها عن جبيني
  50. 50
    و أوهمّتُها أن قلبي يصلْو أنّ يدي تنتقلْ
  51. 51
    إلى جُثّة ضائعهْتركتُ الحبيبة _لم أنسها_ عند سفح الجبل
  52. 52
    تعيرُ العصافيرَ ألوانهاو كانت يداها ينابيعَ من كلِّ لونٍ و ما اشتُقَّ منه
  53. 53
    و لكنني كنتُ أشعر أن الينابيع كانت معرّضة للجفافو أنّ فمي ينتقل
  54. 54
    إلى لُغَة ثانيةتركتُ الحبيبة لم أنسها
  55. 55
    تركت الحبيبةأحبّ البلاد التي سأحبْ
  56. 56
    أحب النساء اللواتي أحبْو لكن غصناً من السرو في الكرمل الملتهبْ
  57. 57
    يُعادل كل خصور النساءو كلّ العواصم
  58. 58
    أحبُّ البحار التي سأحبُّأحبُّ الحقول التي سأحبُّ
  59. 59
    و لكنَّ قطرةَ ماءِ على ريش قُبَّرّة في حجارة حيفاتعادل كل البحار
  60. 60
    و تغلسني من ذنوبي التي سوف أرتكبُأدْخلُوني إلى الجنة الضائعة
  61. 61
    سأطلق صرخةَ ناظم حكمتآه.. يا وطني !..
  62. 62
    يسمي ملامحها و انفجاري. تركت سرير الولادةتركت ضريحا معدا لأي كلام..
  63. 63
    تمرّ الرصاصة فوق جبيني، و تجمعني مثلما تجمع القبلةو تولد رمّانة في الضخور التي دجّنتني، و تجعلني عاشقين
  64. 64
    و حين ترجلت عن قمّة الرمح و الجرح أمسكت شيئايكلمني هابطا هابطا..
  65. 65
    منذ ذاك النهار المبكر أبحث عن موطىء القدمينهل أسترد زفيري!.
  66. 66
    و يمنعني من مواصلة الموت، يأخذ نصف جراحيو يترك نصفا لأمن الأمم.
  67. 67
    يفتّش كفّي ثانية، فيصادر حيفا التي هرّبت سنبلةأيّها الكرمل المتشعب في كل جسمي
  68. 68
    لماذا تحملني كل هذي المسافاتأوقفتني قتاة معبّأة بالدوالي
  69. 69
    تصببت الريح من جبهتيو كانت شهادة ميلاد أمي قابلة للنقاش
  70. 70
    ترتب أمتعة اللاجئين .أوقفتني فتاة معبأة بالدوالي
  71. 71
    و كانت تغّي على طرق الشامياليت دالية واحدة
  72. 72
    يا ضخرة الفرح العائمةو صمّمت جلدي قميصا لأخفي آثار طعنتك النادمة
  73. 73
    حين دخلت إلى الجامع الأموي تساءل أهل دمشق:و حين وقفت على النيل يوما و شاطيء دجلة يوما
  74. 74
    توهمت أنّ السموات أبعد من يدها عن جبينيو أن يدي تنتقل
  75. 75
    إلى جثّة ضائعةو كانت يداها ينابيع من كل لون و ما اشتق منه
  76. 76
    و لكنّ قطرة ماء على ريش قبرّة في حجارة حيفاأدخلوني إلى الجنه الضائعة