الحوار الأخير في باريس ( لذكرى عز الدين قلق )
محمود درويش85 بيت
- العصر:
- العصر الحديث
- البحر:
- عموديه
- 1.....على بابِ غرفتهِ قالَ لي : إنهم يقتلونَ بلا سببٍ◆هل تحبُّ النبيذَ الفرنسيَّ؟
- 2والمرأة الشاردهْ◆تطلَّعَ خلفَ الجهاتِ , وحاولَ أن يفتحَ البابَ
- 3لكنّهُ خافَ أن يخرجوا من خزانتهِ◆فرجعنا إلى المصعد....
- 4الساعةُ الواحدهْ◆وباريسُ نائمةٌ . من هنا يبدأ الليلُ
- 5من أينَ ؟ من شارعٍ واسعٍ لا يسيرُ عليه سواكَ’◆ومن شجرٍ لا تراهُ’
- 6ومن جسدٍ أبيض يشتهيكَ’◆ومن طلقةٍ قد تراكَ
- 7أتقرأ كافكا وتدخلُ في الليل؟◆كان زماناً جميلاً وكانتْ دمشقُ نهاياتِ أحلامنا
- 8ذهبنا إلى بردى وسألناهُ:◆هل أنت نهرٌ أم اُمرأةٌ زاهدهْ؟
- 9فلم يخرجونا إلى النهر ثانيةً...◆صاحِ ! هذي زنازيننُا تملأُ الأرضَ من عهدِ عادٍ’
- 10فأين البياضُ وأينَ السوادُ؟◆....وباريسُ نائمةٌ في الرسومِ على حافةِ السِّيْنِ
- 11كُلُّ روايات باريسَ غَارقةٌ في التلوث◆وحدهُمُ العاشقونَ يظنونَ أن المياهَ مرايا فينتحرونْ....
- 12أين ننامُ أخيراً؟◆على مقعدٍ في الحديقةِ
- 13قلتُ : ألا يقتلون ’ ولكنه تَعَبٌ لا يخافُ◆وقلت : أيوجعُكَ الليلُ؟
- 14قال : وتوجعني الروحُ والنجمةُ الباردهْ◆لعلَّ الفتى حجرٌ...
- 15من بعيدٍ يرى مُدُنَ البرتقالِ السياحيِّ◆والكاهن العسكريِّ
- 16ولكنه يجمعُ الملصقات ويكتب فوق بقايا السجائر آراءهُ في الغزاةِ◆الذين إذا شاهدوا مُدُناً هدموها بأسمائهم واستراحوا على العشبِ
- 17قال : لماذا تكون الثقافةُ ظلّ الجنودِ على ساحلِ الأبيضِ المتوسط؟◆قلتّ: وخادمةً للبلاطِ وللفئة الزائدهْ
- 18.... قد اعترفوا أنهم قتلوني◆ولكنهم عانقوني طويلاً
- 19ودسّوا مكان الرصاصةِ عشرين ألف فرنكٍ مكافأةً للخطابِ الذي سوف أُقنعُ فيه اليسارَ الفرنسيَّ أن السجونَ على ضفةِ النهر مستشفياتٌ◆وأنَّ دمي مائدهْ
- 20وكان صديقي يطيرُ◆ويلعب مثل الفراشة حول دمٍ
- 21ظَّنهُ زهرةً ،◆كان مستسلماً
- 22للعيون التي حفظتْ ظلَّهُ ,◆وكان يرى ما تراه العيونُ التي حَفظت ظلّهُ,
- 23كان مزدحماً◆بالأزقة والذاهبين إلى السجن والسينما
- 24والليالي التي امتلأت بالليالي◆وباللغة الفاسدهْ
- 25وكان يودَّعني كلما جاءني ضاحكاً◆ويراني وراء جنازتِهَ
- 26فيطلّ تؤمن الآن أنهمُ يقتلون بلا سببٍ؟◆قلتْ : مَنْ هُمْ؟
- 27فقال : الذين إذا شاهدوا حُلُما◆أعدّوا له القبرَ والزهرَ والشاهدهْ
- 28... وكان يحبُّ وينسى◆ويسألني دائماً : يا صديقي لماذا أُحبُّ وأنسى التي سأحبُّ ونبقى
- 29غربين في مصعدٍ ينظران إلى الساعةِ الجامدهْ؟◆يحبُّ وينسى
- 30ويذكر شكل النباتات حول الدروب التي خرجتْ من شمال فلسطين في شهر مايو ولم ترجع◆الأغنياتُ التي ودَّعتْ نازحا
- 31والأغاني التي استقبلتْ فاتحا◆قالَ: أفكَّرتَ في الانتحار قليلاً؟
- 32ألأنَّ الرفاقَ يخونون مثل الغدير◆لأنَّ الرفاق يمرّون كالساقيهْ؟
- 33قلتُ : كلا ! أينتحر المرء من أجل جُمّيزةٍ هامدهْ؟◆أأدركتَ أنَّا نمرُّ على الأرض ظلاّ
- 34وجسمك ليس نحاساً ليحمل هذا الزمان◆وقال : أتذكُر منذ ثلاثين عاماً...؟
- 35وأذكر كنتُ أمدُّ يدي في بياض النهار◆وأنتشلُ القلب من قطّة تتسلى
- 36بما يترك الزائرون على الباب : أسرى وقتلى◆فقلتُ : ومملكةُ الله أحلى.
- 37وقال : أفكَّرت بالانتحار كأبناءِ جيلك؟◆قلتُ: وكنتُ كأبناء جيلي أُحبُّ فتاةً من الموجِ
- 38كان المساء جريحاً بلا سببٍ واضحٍ تحت شرفتها الواعدهْ◆وقفتُ وناديتُ 0 كان الصدى حجراً
- 39فذهبت إلى شاطئ البحر . ناديتُ . كان الصدى قمراً◆فجلستُ على صخرةً في المياهِ
- 40وأعددت موتي◆فشاهدت وجهي في الماء ,
- 41لكنهم أوقفوني في اللحظة الساجدهْ◆وفي سجن عكّا القديم تعلَّمتُ كيف تصيرُ النساءُ وطنْ
- 42وأين الفتاة إذنْ !◆فوق شرفتها
- 43تحبُّ الأغاني وتنسى المغنِّي◆وتعزل موجتها العائدهْ
- 44....ويقفزُ فوق بلاطِ الشوارعِ◆مثل طيورٍ مُبَلِّلة بالزوابعِ
- 45يرمي لنا ذكريات عن الشرق :◆أُمي تحبُّ دمشق
- 46أبي يتمنَّى الرجوع إلى حجرٍ نام في صدرِهِ◆وأُختي تظنُّ العراق بعيداً
- 47وتحسب أن السواد ليالي◆فأخبرتُها أنه شجرٌ في الغروبِ
- 48ونؤمن أن دمي يكسر السيفَ... والقاعدهْ◆أمِنْ جبلٍ حوَّلْتهُ الليالي إلى قُبَلٍ
- 49هل تمدَّدتَ تحت الصنوبر؟◆خمسةَ عشرَ شتاءً
- 50وبلّلكَ الماءُ؟◆بلّلني فذهبتُ إلى الراهبِ الأرثوذكسيّ صلّى أمامي وصلّى لأجلي
- 51وكان جنودُ المظلاّت ظلّي◆فلم يستطيعوا دخول الكنيسةِ..
- 52آهٍ على جبلٍ يتشعَّب في جسدي كالشعيرات ’ مليونُ رَحْمٍ يُصلِّي لميلادنا◆ولا تَلِدُ الوالدة
- 53أكنتَ تغنّي كثيراً لها ؟◆سَمِّها ما تشاءُ: النساءَ ’ المرايا ’ الكلام , البلاد ’ اتحادَ العصافير في القمح ’ الخلايا , وأوَّلَ موجٍ تَشَرَّد في البرُِ
- 54....مستسلماً للتداعي رأى قلبهُ حَبَّةً من عنبْ◆رأى قلبه غيمةً فوق حقل الذهبْ
- 55وتابع غَسْلَ الحقول من الحشراتِ الصغيرةِ , ثم تساءل : كيف يصير المغنّون أُغنيةً عندما يعرفون النساءَ وينسون؟◆كُنَّا نغنَّي معاً للغموض الذي
- 56لَفّنا : في الممرِّ الصغير تنامينَ وحدَكِ بين ذراعيك وحدكِ عُشَّاقُكِ اقتربوا◆من خناجرهم في الممر الصغير تنامين وحدكِ يلتمس البحر وُدَّكِ ينكسر
- 57البحر عندكِ عُشَّاقُكِ ابتعدوا عن خناجرهم آهِ أيتها المرأةُ الحاملُ المرأةُ◆القاتلُ الأرض أصغرُ من صمتك المتواصِلِ لكنَّ بطنكِ أصغرُ
- 58من طعنةٍ أو نشيدٍ سننشدُهُ في الممرِّ الصغيرِ تنامين وَحدَكِ بيني وبينك وَحدكِ بين ذراعيكِ وحدكِ عشاقُكِ اقتربوا من خناجرهم آهِ أيتها المرأةُ الخالدهْ◆تُرى , هل يحقُّ لمثلك أن يتأمَّل لوحهْ؟
- 59وأن يتساءل عن مصدر اللهِ◆أو يجد الفَرْقَ بين الحمام ومنديل أُمٍّ تودٍّعُ؟
- 60هل نستطيع التجوُّل في السان جرمَان كالغرباءِ الذين يشمون أرض فرنسا◆هل نستطيع الذهاب إلى البرجِ واللُّوْفْرِ؟
- 61هل نستطيع مشاهدة المسرحية دون تقمص أبطالها المتعبين؟◆لماذا نكون كما لا نكون ؟
- 62ألم تجد امرأة واحده◆تمشط شعرك هذا الصباح
- 63فترتاح للتعب الوثني◆فلا يقتلونكَ حين تمرُّ
- 64بلا حارسٍ أو لُغهْ◆تُطيلُ الصباحَ علي الجسر؟
- 65قد يتعبون من الانتظار◆وقد يذهبون إلي نزهةٍ في حدائق فينسانْ
- 66وقد يخجلون من الكلمات التي ستقول لها عن رحيلٍ بلا فائدهْ.◆. . . يعرفُ أن الجنود يعودونَ
- 67يعرفُ أن الحشائش سيِّدةُ الأرضِ◆لكنه يعبر النهر من أجل أن يعبر النهر
- 68هل تعرف الضفَّةَ المشتهاةْ؟◆تماماً كما أعرفُ القلبَ أو أجهُلهْ
- 69ولكنني سأطيعُ خطىّ بدأتَ◆وأحمل قلبي إلي جَرَسٍ يشتهيهِ
- 70أطيع خطايَ وأحمل قلبي إلي حَرسٍ يشتهيهِ◆على خطوةٍ صاعدهْ.
- 71....يرى موتَهُ واقفاً بيننا فيدخِّنُ كي يُبعدَ الموتَ عنا قليلاً.◆يُصفِّر لحناً سريعاً ويطردُ عن معطفي نحلةً ’ ويتابعُ : في شهر تموزَ تذهبُ باريسُ نحو الجنوب , وقد يذهبُ القتلَهْ.
- 72يرى موتَهُ في النبيذِ فيهتف : سيدتي غيِّري قَدَحي . ويتابعُ : كانوا ورائيَ في معرض المُلْصَقاتِ فأسندتُ نافذةً واستدرتُ وصافحتُهم واحداً واحداً....◆يلعبُ الموتَ’ يألفُهُ ’ ويباريه . يعرفهُ جيداً ويعرفُ كلّ مزاياهُ ’ يشرح أنواعه: طلقةٌ في الجبين فأسقط كالنسر فوق السفوحِ ،
- 73وقنبلةٌ تحت سيّارتي فتطيُر ذراعٌ إلى الشرفاتِ وتكسر آنية الزهر أو شاشة◆التلفزيونِ ,
- 74قنبلةٌ تحت طاولةٍ أو رصاصٌ على الظهرِ أو طلقةٌ تحت حنجرتي هكذا الموت ’ أبسطُ مما تظنُّ◆حين يكون الفتى خائفا
- 75إذا جاءني زاحفا◆وبطيئاً , فقد أعرف القاتلا
- 76وقد أعرف الطلقةَ الوافدهْ◆....على بابِ مكتبهِ شجرُ الكستناءِ
- 77ومقهى صغيرٌ◆يرى طالباً عربياً فيرمي عليه السلامْ
- 78يَرُدُّ بطيئاً◆ويشرب قهوتَهُ
- 79يصعدُ السُّلَّمَ الحجريَّ◆سريعاً كعادته مثل طيرٍ يُبَلِّلهُ البرقُ
- 80يدخل غرفتهُ. يتأمِّلُ أوراقه والخريطةَ والشهداءَ الكثيرين◆فوق الجدارِ ويقرأ برقيَّة من دمشق : ((تعالَى مع الصيفِ يا ابني))،
- 81وبرقَّيةً من بقيَّة بيروت: ((شدِّدْ عليك الحراسة))◆لم يتساءلْ لماذا يريدون أن يقتلوه
- 82ولم يتذكر بلاداً تنام على صُرَّة الله مثل المسدّسِ,◆لكنهم أخبروهْ
- 83أن صاحبَهُ الطالبَ العربي يريد مقابلة عاجلَهْ◆فألقى عليه تحيَّتهُ الشاردهْ
- 84وردَّ بأقصرَ منها ... وبالطلقةِ القاتَلَهْ◆وعاد إلى شجرِ الكستناءِ
- 85
ليشربَ قهوته الباردَهْ