الحوار الأخير في باريس ( لذكرى عز الدين قلق )

محمود درويش

84 بيت

العصر:
العصر الحديث
البحر:
عموديه
حفظ كصورة
إهداء

.....على بابِ غرفتهِ قالَ لي : إنهم يقتلونَ بلا سببٍ

  1. 1
    هل تحبُّ النبيذَ الفرنسيَّ؟◆والمرأة الشاردهْ
  2. 2
    تطلَّعَ خلفَ الجهاتِ , وحاولَ أن يفتحَ البابَ◆لكنّهُ خافَ أن يخرجوا من خزانتهِ
  3. 3
    فرجعنا إلى المصعد....◆الساعةُ الواحدهْ
  4. 4
    وباريسُ نائمةٌ . من هنا يبدأ الليلُ◆من أينَ ؟ من شارعٍ واسعٍ لا يسيرُ عليه سواكَ’
  5. 5
    ومن شجرٍ لا تراهُ’◆ومن جسدٍ أبيض يشتهيكَ’
  6. 6
    ومن طلقةٍ قد تراكَ◆أتقرأ كافكا وتدخلُ في الليل؟
  7. 7
    كان زماناً جميلاً وكانتْ دمشقُ نهاياتِ أحلامنا◆ذهبنا إلى بردى وسألناهُ:
  8. 8
    هل أنت نهرٌ أم اُمرأةٌ زاهدهْ؟◆فلم يخرجونا إلى النهر ثانيةً...
  9. 9
    صاحِ ! هذي زنازيننُا تملأُ الأرضَ من عهدِ عادٍ’◆فأين البياضُ وأينَ السوادُ؟
  10. 10
    ....وباريسُ نائمةٌ في الرسومِ على حافةِ السِّيْنِ◆كُلُّ روايات باريسَ غَارقةٌ في التلوث
  11. 11
    وحدهُمُ العاشقونَ يظنونَ أن المياهَ مرايا فينتحرونْ....◆أين ننامُ أخيراً؟
  12. 12
    على مقعدٍ في الحديقةِ◆قلتُ : ألا يقتلون ’ ولكنه تَعَبٌ لا يخافُ
  13. 13
    وقلت : أيوجعُكَ الليلُ؟◆قال : وتوجعني الروحُ والنجمةُ الباردهْ
  14. 14
    لعلَّ الفتى حجرٌ...◆من بعيدٍ يرى مُدُنَ البرتقالِ السياحيِّ
  15. 15
    والكاهن العسكريِّ◆ولكنه يجمعُ الملصقات ويكتب فوق بقايا السجائر آراءهُ في الغزاةِ
  16. 16
    الذين إذا شاهدوا مُدُناً هدموها بأسمائهم واستراحوا على العشبِ◆قال : لماذا تكون الثقافةُ ظلّ الجنودِ على ساحلِ الأبيضِ المتوسط؟
  17. 17
    قلتّ: وخادمةً للبلاطِ وللفئة الزائدهْ◆.... قد اعترفوا أنهم قتلوني
  18. 18
    ولكنهم عانقوني طويلاً◆ودسّوا مكان الرصاصةِ عشرين ألف فرنكٍ مكافأةً للخطابِ الذي سوف أُقنعُ فيه اليسارَ الفرنسيَّ أن السجونَ على ضفةِ النهر مستشفياتٌ
  19. 19
    وأنَّ دمي مائدهْ◆وكان صديقي يطيرُ
  20. 20
    ويلعب مثل الفراشة حول دمٍ◆ظَّنهُ زهرةً ،
  21. 21
    كان مستسلماً◆للعيون التي حفظتْ ظلَّهُ ,
  22. 22
    وكان يرى ما تراه العيونُ التي حَفظت ظلّهُ,◆كان مزدحماً
  23. 23
    بالأزقة والذاهبين إلى السجن والسينما◆والليالي التي امتلأت بالليالي
  24. 24
    وباللغة الفاسدهْ◆وكان يودَّعني كلما جاءني ضاحكاً
  25. 25
    ويراني وراء جنازتِهَ◆فيطلّ تؤمن الآن أنهمُ يقتلون بلا سببٍ؟
  26. 26
    قلتْ : مَنْ هُمْ؟◆فقال : الذين إذا شاهدوا حُلُما
  27. 27
    أعدّوا له القبرَ والزهرَ والشاهدهْ◆... وكان يحبُّ وينسى
  28. 28
    ويسألني دائماً : يا صديقي لماذا أُحبُّ وأنسى التي سأحبُّ ونبقى◆غربين في مصعدٍ ينظران إلى الساعةِ الجامدهْ؟
  29. 29
    يحبُّ وينسى◆ويذكر شكل النباتات حول الدروب التي خرجتْ من شمال فلسطين في شهر مايو ولم ترجع
  30. 30
    الأغنياتُ التي ودَّعتْ نازحا◆والأغاني التي استقبلتْ فاتحا
  31. 31
    قالَ: أفكَّرتَ في الانتحار قليلاً؟◆ألأنَّ الرفاقَ يخونون مثل الغدير
  32. 32
    لأنَّ الرفاق يمرّون كالساقيهْ؟◆قلتُ : كلا ! أينتحر المرء من أجل جُمّيزةٍ هامدهْ؟
  33. 33
    أأدركتَ أنَّا نمرُّ على الأرض ظلاّ◆وجسمك ليس نحاساً ليحمل هذا الزمان
  34. 34
    وقال : أتذكُر منذ ثلاثين عاماً...؟◆وأذكر كنتُ أمدُّ يدي في بياض النهار
  35. 35
    وأنتشلُ القلب من قطّة تتسلى◆بما يترك الزائرون على الباب : أسرى وقتلى
  36. 36
    فقلتُ : ومملكةُ الله أحلى.◆وقال : أفكَّرت بالانتحار كأبناءِ جيلك؟
  37. 37
    قلتُ: وكنتُ كأبناء جيلي أُحبُّ فتاةً من الموجِ◆كان المساء جريحاً بلا سببٍ واضحٍ تحت شرفتها الواعدهْ
  38. 38
    وقفتُ وناديتُ 0 كان الصدى حجراً◆فذهبت إلى شاطئ البحر . ناديتُ . كان الصدى قمراً
  39. 39
    فجلستُ على صخرةً في المياهِ◆وأعددت موتي
  40. 40
    فشاهدت وجهي في الماء ,◆لكنهم أوقفوني في اللحظة الساجدهْ
  41. 41
    وفي سجن عكّا القديم تعلَّمتُ كيف تصيرُ النساءُ وطنْ◆وأين الفتاة إذنْ !
  42. 42
    فوق شرفتها◆تحبُّ الأغاني وتنسى المغنِّي
  43. 43
    وتعزل موجتها العائدهْ◆....ويقفزُ فوق بلاطِ الشوارعِ
  44. 44
    مثل طيورٍ مُبَلِّلة بالزوابعِ◆يرمي لنا ذكريات عن الشرق :
  45. 45
    أُمي تحبُّ دمشق◆أبي يتمنَّى الرجوع إلى حجرٍ نام في صدرِهِ
  46. 46
    وأُختي تظنُّ العراق بعيداً◆وتحسب أن السواد ليالي
  47. 47
    فأخبرتُها أنه شجرٌ في الغروبِ◆ونؤمن أن دمي يكسر السيفَ... والقاعدهْ
  48. 48
    أمِنْ جبلٍ حوَّلْتهُ الليالي إلى قُبَلٍ◆هل تمدَّدتَ تحت الصنوبر؟
  49. 49
    خمسةَ عشرَ شتاءً◆وبلّلكَ الماءُ؟
  50. 50
    بلّلني فذهبتُ إلى الراهبِ الأرثوذكسيّ صلّى أمامي وصلّى لأجلي◆وكان جنودُ المظلاّت ظلّي
  51. 51
    فلم يستطيعوا دخول الكنيسةِ..◆آهٍ على جبلٍ يتشعَّب في جسدي كالشعيرات ’ مليونُ رَحْمٍ يُصلِّي لميلادنا
  52. 52
    ولا تَلِدُ الوالدة◆أكنتَ تغنّي كثيراً لها ؟
  53. 53
    سَمِّها ما تشاءُ: النساءَ ’ المرايا ’ الكلام , البلاد ’ اتحادَ العصافير في القمح ’ الخلايا , وأوَّلَ موجٍ تَشَرَّد في البرُِ◆....مستسلماً للتداعي رأى قلبهُ حَبَّةً من عنبْ
  54. 54
    رأى قلبه غيمةً فوق حقل الذهبْ◆وتابع غَسْلَ الحقول من الحشراتِ الصغيرةِ , ثم تساءل : كيف يصير المغنّون أُغنيةً عندما يعرفون النساءَ وينسون؟
  55. 55
    كُنَّا نغنَّي معاً للغموض الذي◆لَفّنا : في الممرِّ الصغير تنامينَ وحدَكِ بين ذراعيك وحدكِ عُشَّاقُكِ اقتربوا
  56. 56
    من خناجرهم في الممر الصغير تنامين وحدكِ يلتمس البحر وُدَّكِ ينكسر◆البحر عندكِ عُشَّاقُكِ ابتعدوا عن خناجرهم آهِ أيتها المرأةُ الحاملُ المرأةُ
  57. 57
    القاتلُ الأرض أصغرُ من صمتك المتواصِلِ لكنَّ بطنكِ أصغرُ◆من طعنةٍ أو نشيدٍ سننشدُهُ في الممرِّ الصغيرِ تنامين وَحدَكِ بيني وبينك وَحدكِ بين ذراعيكِ وحدكِ عشاقُكِ اقتربوا من خناجرهم آهِ أيتها المرأةُ الخالدهْ
  58. 58
    تُرى , هل يحقُّ لمثلك أن يتأمَّل لوحهْ؟◆وأن يتساءل عن مصدر اللهِ
  59. 59
    أو يجد الفَرْقَ بين الحمام ومنديل أُمٍّ تودٍّعُ؟◆هل نستطيع التجوُّل في السان جرمَان كالغرباءِ الذين يشمون أرض فرنسا
  60. 60
    هل نستطيع الذهاب إلى البرجِ واللُّوْفْرِ؟◆هل نستطيع مشاهدة المسرحية دون تقمص أبطالها المتعبين؟
  61. 61
    لماذا نكون كما لا نكون ؟◆ألم تجد امرأة واحده
  62. 62
    تمشط شعرك هذا الصباح◆فترتاح للتعب الوثني
  63. 63
    فلا يقتلونكَ حين تمرُّ◆بلا حارسٍ أو لُغهْ
  64. 64
    تُطيلُ الصباحَ علي الجسر؟◆قد يتعبون من الانتظار
  65. 65
    وقد يذهبون إلي نزهةٍ في حدائق فينسانْ◆وقد يخجلون من الكلمات التي ستقول لها عن رحيلٍ بلا فائدهْ.
  66. 66
    . . . يعرفُ أن الجنود يعودونَ◆يعرفُ أن الحشائش سيِّدةُ الأرضِ
  67. 67
    لكنه يعبر النهر من أجل أن يعبر النهر◆هل تعرف الضفَّةَ المشتهاةْ؟
  68. 68
    تماماً كما أعرفُ القلبَ أو أجهُلهْ◆ولكنني سأطيعُ خطىّ بدأتَ
  69. 69
    وأحمل قلبي إلي جَرَسٍ يشتهيهِ◆أطيع خطايَ وأحمل قلبي إلي حَرسٍ يشتهيهِ
  70. 70
    على خطوةٍ صاعدهْ.◆....يرى موتَهُ واقفاً بيننا فيدخِّنُ كي يُبعدَ الموتَ عنا قليلاً.
  71. 71
    يُصفِّر لحناً سريعاً ويطردُ عن معطفي نحلةً ’ ويتابعُ : في شهر تموزَ تذهبُ باريسُ نحو الجنوب , وقد يذهبُ القتلَهْ.◆يرى موتَهُ في النبيذِ فيهتف : سيدتي غيِّري قَدَحي . ويتابعُ : كانوا ورائيَ في معرض المُلْصَقاتِ فأسندتُ نافذةً واستدرتُ وصافحتُهم واحداً واحداً....
  72. 72
    يلعبُ الموتَ’ يألفُهُ ’ ويباريه . يعرفهُ جيداً ويعرفُ كلّ مزاياهُ ’ يشرح أنواعه: طلقةٌ في الجبين فأسقط كالنسر فوق السفوحِ ،◆وقنبلةٌ تحت سيّارتي فتطيُر ذراعٌ إلى الشرفاتِ وتكسر آنية الزهر أو شاشة
  73. 73
    التلفزيونِ ,◆قنبلةٌ تحت طاولةٍ أو رصاصٌ على الظهرِ أو طلقةٌ تحت حنجرتي هكذا الموت ’ أبسطُ مما تظنُّ
  74. 74
    حين يكون الفتى خائفا◆إذا جاءني زاحفا
  75. 75
    وبطيئاً , فقد أعرف القاتلا◆وقد أعرف الطلقةَ الوافدهْ
  76. 76
    ....على بابِ مكتبهِ شجرُ الكستناءِ◆ومقهى صغيرٌ
  77. 77
    يرى طالباً عربياً فيرمي عليه السلامْ◆يَرُدُّ بطيئاً
  78. 78
    ويشرب قهوتَهُ◆يصعدُ السُّلَّمَ الحجريَّ
  79. 79
    سريعاً كعادته مثل طيرٍ يُبَلِّلهُ البرقُ◆يدخل غرفتهُ. يتأمِّلُ أوراقه والخريطةَ والشهداءَ الكثيرين
  80. 80
    فوق الجدارِ ويقرأ برقيَّة من دمشق : ((تعالَى مع الصيفِ يا ابني))،◆وبرقَّيةً من بقيَّة بيروت: ((شدِّدْ عليك الحراسة))
  81. 81
    لم يتساءلْ لماذا يريدون أن يقتلوه◆ولم يتذكر بلاداً تنام على صُرَّة الله مثل المسدّسِ,
  82. 82
    لكنهم أخبروهْ◆أن صاحبَهُ الطالبَ العربي يريد مقابلة عاجلَهْ
  83. 83
    فألقى عليه تحيَّتهُ الشاردهْ◆وردَّ بأقصرَ منها ... وبالطلقةِ القاتَلَهْ
  84. 84
    وعاد إلى شجرِ الكستناءِ◆ليشربَ قهوته الباردَهْ