يادجلة الخير
محمد مهدي الجواهري165 بيت
- العصر:
- العصر الحديث
- البحر:
- عموديه
- 1حَيّيتُ سفحَكِ عن بُعْدٍ فحَيِّيني◆يا دجلةَ الخيرِ، يا أُمَّ البستاتينِ
- 2حييتُ سفحَك ظمآناً ألوذُ به◆لوذَ الحمائمِ بين الماءِ والطين
- 3يا دجلةَ الخيرِ يا نبعاً أفارقُهُ◆على الكراهةِ بين الحِينِ والحين
- 4إنِّي وردتُ عُيونَ الماءِ صافيةَ◆نَبْعاً فنبعاً فما كانت لتَرْويني
- 5وأنتَ يا قارَباً تَلْوي الرياحُ بهِ◆لَيَّ النسائمِ أطرافَ الأفانين
- 6ودِدتُ ذاك الشِراعَ الرخص لو كفني◆يُحاكُ منه غَداةَ البَين يَطويني
- 7يا دجلةَ الخيرِ: قد هانت مطامحُنا◆حتى لأدنى طِماحِ غيرُ مضمون
- 8أتَضمنينَ مَقيلاً لي سَواسِيةً◆بين الحشائشِ أو بين الرياحين؟
- 9خِلْواً مِن الـهمِّ إلاّ همَّ خافقةٍ◆بينَ الجوانحِ أعنيها وتَعنيني
- 10تَهُزُّني فأُجاريها فتدفعُني◆كالريح تُعجِل في دفع الطواحين
- 11يا دجلةَ الخيرِ: يا أطيافَ ساحرةٍ◆يا خمرَ خابيةٍ في ظلِّ عُرْجون
- 12يا سكتةَ الموتِ، يا إعصارَ زوبعةٍ◆يا خنجرَ الغدرِ، يا أغصانَ زيتون
- 13يا أُم بغدادَ، من ظَرفٍ، ومن غَنَجٍ◆مشى التبغددُ حتى في الدهاقين
- 14يا أمَّ تلك التي من «ألفِ ليلتِها»◆للآنَ يعبِق عِطرٌ في التلاحين
- 15يا مُستَجمَ «النُّوُاسيِّ» الذي لبِستْ◆به الحضارةُ ثوباً وشيَ «هارون»
- 16الغاسلِ الـهمَّ في ثغرٍ، وفي حَبَبٍ◆والمُلبسِ العقلَ أزياءَ المجانين
- 17والساحبِ يأباه الزِّقَّ ويُكرِهُه◆والمُنْفِقِ اليومَ يُفدى بالثلاثين
- 18والراهنِ السابِريَّ الخزَّفي قدحٍ◆والملـهِمِ الفنَّ من لـهوٍ أفانين
- 19والمُسْمعِ الدهرَ، والدنيا، وساكنَها◆قرْعَ النواقيسِ في عيدِ الشعانين
- 20يا دجلة الخير: ما يُغليكِ من حنَقٍ◆يُغلي فؤادي، وما يُشجيكِ يشجيني
- 21ما إن تزالَ سِياطُ البغي ناقعةً◆في مائِك الطُهْرِ بين الحِين والحين
- 22ووالغاتٌ خيولُ البغي مُصْبِحةَ◆على القُرى آمناتٍ والدهاقين
- 23يا دجلة الخير: أدري بالذي طفحت◆به مجاريك من فوقٍ إلى دوُن
- 24أدري على أيِّ قيثارٍ قد انفجرت◆أنغامُكِ السُمر عن أنَّات محزون
- 25أدري بأنكِ من ألفٍ مضتْ هَدَراً◆للآن تَهْزَين من حكم السلاطين
- 26تَهزين أنْ لم تزلْ في الشرق شاردةً◆من النواويس أرواحُ الفراعين
- 27تهزينَ من خِصْبِ جنَّات منشَّرةٍ◆على الضفاف، ومن بؤس الملايين
- 28تهزين من عُتقاءٍ يوم مَلحمةٍ◆أضفوا دروعَ مَطاعيمٍ مَطاعين
- 29الضارعين لأقْدارٍ تحِلُّ بهم◆كما تلوَّى ببطن الحُوتِ ذُو النون
- 30يرون سُودَ الرزايا في حقيقتها◆ويفزعون إلى حَدْسٍ وتخمين
- 31والخائفينَ اجتداعَ الفقرِ ما لَهُم◆والمُفضلِينَ عليه جَدْعَ عِرنين
- 32واللائِذينَ بدعوى الصبر مَجْبَنةً◆مُستَعصِمينَ بحبلٍ منه مَوهون
- 33والصبرُ ما انفكَّ مَرداةً لمُحترِبٍ◆ومستميتٍ، ومنجاةً لمِسكين
- 34يا دجلةَ الخير: والدنيا مُفارَقةٌ◆وأيُّ شرٍّ بخيرٍ غيرُ مقرون
- 35وأيُ خيرٍ بلا شرٍّ يُلَقِّحه◆طهرُ الملائك منْ رجس الشياطين
- 36يا دجلة الخير: كم مِنْ كنز موهِبةٍ◆لديك في «القُمقُم» المسحورِ مخزون
- 37لعلَّ تلك العفاريتَ التي احْتُجِزتْ◆مُحَمَّلاتٌ على أكتاف «دُلفين»
- 38لعلَّ يوماً عصوفاً جارفاً عَرِماً◆آتٍ فتُرضيك عقباه وترضيني
- 39يا دجلة الخيرِ: إن الشِعْرَ هدْهدةٌ◆للسمع ما بين ترخيمٍ وتنوين
- 40عفواً يُردّد في رَفْهٍ وفي عَلَلٍ..◆لحن الحياة رخيِّاً غيرَ مَلحون
- 41يا دجلةَ الخير: كان الشعرُ مُذْ رَسمتْ◆كفُ الطبيعةِ لوحاً، «سِفْرَ تكوين»
- 42«مزمارُ داودَ» أقوى من نبوّتهِ◆فحوًى، وأبلغُ منها في التضامين
- 43يا دجلةَ الخير: لم نَصحب لمسكنةٍ◆لكن لنلمِسُ أوجاعَ المساكين
- 44هذي الخلائقُ أسفارٌ مجسَدةٌ◆المُلـهمون عليها كالعناوين
- 45إذا دجا الخطبُ شعَّت في ضمائرهم◆أضواء حرفٍ بليل البؤس مرهون
- 46دَينٌ لِزامٌ، ومحسودٌ بنعمته◆من راح منهم خَليصاً غيرَ مديون
- 47يا دجلة الخير: ما أبقيتُ جازِيةً◆لم أقضِ عنديَ منها دَيْنَ مديون
- 48ما كنتُ في مَشْهدٍ يَعنيك مُتَّهماً◆خَبَاً، وما كنتُ في غيبٍ بظِنِّين
- 49وكان جُرحُكِ إلـهامي مُشاركَةً◆وكان يأخذُ من جُرحي ويُعطيني
- 50وكان ساحُكِ من ساحي إذا نزلت◆به الشدائد، أقريه ويَقريني
- 51حتى الضفادعُ في سفحيكِ سَارِيةَ◆عاطيتُها فاتناتٍ حُبَّ مفتون
- 52غازلتُهنَّ خليعاتٍ وإن لبست◆من الطحالب مزهوَّ الفساتين
- 53يا دجلة الخير: هلاَّ بعضُ عارفَةٍ◆تُسدَى إليَّ على بُعدٍ فتَجزينني
- 54يا دجلة الخير: مَنِّيني بعاطفة◆وألْهِمينيَ سُلواناً يُسَلِّيني
- 55يا دجلة الخير: من كل الأُلى خَبَروا◆بلوايَ لم ألفِ حتى من يواسيني
- 56يا دجلةَ الخيرِ: خلِّي الموجَ مُرتفقاً◆طيفاً يمرُّ وإن بعضَ الأحايين
- 57وحمِّليه بحيثُ الثلجُ يغمرني◆دفءَ «الكوانين»، أو عطر «التشارين»
- 58يا دجلةَ الخير: يا من ظلَّ طائفُها◆عن كل ما جَلَتِ الأحلام يُلـهيني
- 59لو تعلمين بأطيافي ووحشتِها◆ودِدتِ مثلي لَوَ أنَّ النومَ يجفوني
- 60أجسُ يقظانَ أطرافي أعالجها◆مما تحرَّقت في نومي بأتُون
- 61وأستريح إلى كوبٍ يُطّمئنُني◆أن ليس ما فيه مِن ماءٍ بغِسلين
- 62وألمِسُ الجُدُرَ الدَكناءَ تخبرني◆أنْ لستُ في مَهْمَهٍ بالغِيل مسكون
- 63يا دجلةَ الخير: خلِّيني وما قَسَمَتْ◆لي المقاديرُ من لدغ الثعابين
- 64الطالحاتُ فما يبعثْنَ صالحةً◆ولا يُبعثرْنَ إلاّ كلَّ مأفون
- 65والراهناتُ بجسمي يَنْتَبِشن به◆نبشَ الـهوامِ ضريحاً كلَّ مدفون
- 66واهاً لنفسيَ من جمعِ النقيضِ بها◆نقيضَه جمْعَ تحريكٍ وتسكين
- 67جنباً إلى جنب آلامٍ أقُطِّفُها◆قَطْفَ الجياع جَنى اللّذّات يزهوني
- 68وأركبُ الـهوْلَ في ريعانِ مامَنةٍ◆حبُّ الحياة بِحبِّ الموتِ يُغريني
- 69ما إن أُبالي أصاباً درَّ أم عسلاً◆مريٌ أراه على العلاّتِ يرضيني
- 70غُولاً تسنَّمتُ لم أسألْ أكارعَه◆إلى الـهُوَى، أمْ على الواحات ترميني
- 71وما البُطولاتُ إعجازٌ وإنْ قنِعت◆نفسُ الْجبانِ عن العلياء بالـهُون
- 72وإنَّما هي صفوٌ منْ مُمارَسَةٍ◆للطارئات، وإمعَانٍ، وتمرين
- 73لا يُولَدُ المَرءُ لاهِرَّاً ولا سَبُعاً◆لكن عصارةَ تجريبٍ وتلقين
- 74يا دجلة الخير: كم معنًى مزجتُ لـه◆دمي بلحمي في أحلى المواعين
- 75ألفيته فَرْطَ ما ألوى اللواةُ به◆يشكو الأمرَّينِ من عَسْفٍ ومن هُون
- 76أجرَّه الشوكَ ألفاظٌ مُرَصَّفةٌ◆أجرَّها الشوكَ سجعٌ شِبهٌ موزون
- 77سَهِرتُ ليلَ «أخي ذبيان» أحضُنه◆حَضْنَ الرواضعِ بين العتِّ واللين
- 78أعِيدُ من خَلقه نحتاً وخَضْخضةً◆والنجمُ يَعْجَب من تلك التمارين
- 79حتَّى إذا آضَ ريَّان الصِبا غَضِراً◆مهوى قلوبِ الحسانِ الخرَّدِ العِين
- 80أتاح لي سُمَّ حيَاتٍ مُرقَّطةٍ◆تَدبُّ في حمَأ بالحقد مَسْنون
- 81فهل بحسبِ الليالي من صدى ألمي◆أني مَضِيغَةُ أنيابِ السراحين
- 82الآكلين بلحمي سُمَّ أغرِبَةٍ◆وغُصَّةً في حلاقين الشواهين
- 83والساترينَ بشتمي عُرْيَ سوأتِهم◆كخَصْفِ حوّاءَ دوحَ التُوتِ والتين
- 84والعائشينَ على الأهواء مُنزلةً◆على بيانٍ بلا هَديٍ وتبيين
- 85والميِّتينَ وقد هيضت ضمائرهُم◆بواخزٍ معهم في القبر مدفون
- 86صنّاجةَ الأدبِ الغالي، وكم حِقَبٍ◆بها المواهبُ سيمَت سَوْمَ مغبون
- 87ومُنْزِلَ السِوَرِ البتراءِ لاعِنَةً◆مَنْ لم يكن قبلـها يوماً بملعون
- 88جوزيتَ عنها بما أنت الصليُّ به◆هذا لَعمري عطاءٌ غيرُ ممنون!!
- 89ماذا سوى مثلِ ما لاقيتَ تأمُلُهُ◆شمُ العرانين من جُدْع العرانين
- 90حامي الظعائن لا حمدٌ ولا مِقةٌ◆وقد يكون عزاءً حمدُ مظعون
- 91لمن؟ وفيمَ؟ وعمَّن أنت محتملٌ◆ثِقْلَ الدَّيات من الأبكار والعُون؟
- 92ويا زعيماً بأن لم يأته خبرٌ◆عمّا يُنشَّرُ من تلك الدواوين
- 93لك العمى ومتى احتجَّتْ بأن قَعَدتْ◆عن الموازينِ أربابُ الموازين
- 94بل قد مَشَتْ لكَ كالأصباحِ عابقةً◆وأنت تحذرها حذرَ الطواعين
- 95كفرتُ بالعلم صِفْرَ القلب تحملـه◆للبيع في السوق أشباه البراذين
- 96كانت عباقرةُ الدنيا وقادتُها◆تأتي المورِّقَ في أقصى الدكاكين
- 97تلمُ ما قد عسى أن فات شارِدُهُ◆عنها، ولو كان في غُيَّابة الصين
- 98لـهفي على أمَّةٍ غاض الضميرُ بها◆من مدّعي العلمِ، والآداب والدين
- 99موتى الضمائرِ تُعطي المَيْتَ دمعتَها◆وتستعينُ على حيٍّ بسكِّين
- 100لا بُدَّ معجِلةٌ كفُّ الخَراب به◆بيتٌ يقوم على هذي الأساطين
- 101جُبْ أُربُعَ النقد، واسألْ عن ملاحمها◆فهل ترى من نبيغٍ غيرِ مطعون
- 102وقِفْ بحيثُ ذوو النَّزْعِ الأخير بها◆وزُرْ قُبورَ الضحايا والقرابين
- 103ترَ الفطاحلَ في قتلٍ على عَمَدٍ◆همُ الفطاحلُ في صوغ التآبين
- 104مِن ناكرٍ عَلَماً تُهدى الغواة به◆حتى كأن لم يكن في الكاف والنون
- 105أو قارنٍ بأسمه خُبثاً وملأمةً◆مَن ليس يوماً بضْبِعَيْهِ بمقرون
- 106تشفّياً: إنَّ لمحَ الفكر منطلقاً◆قذًى بعين دعيِّ الفكر مأفون
- 107عادى المعاجمَ وغْدٌ يستهين بها◆يُحصي بها «أبجدياتٍ» ويعدوني
- 108شلَّت يداك وخاست ريشةٌ غفلت◆عن البلابل في رسم السعادين
- 109يا دجلةَ الخير: ردّتني صنيعتَها◆خوالجٌ هُنَّ من صنعي وتكويني
- 110إن المصائب طوعاً أو كراهيةً◆أعَدْنَ نَحْتِي، كما أبدَعْنَ تلويني
- 111أرَينني أنّ عندي من شوافِعِها◆إذا تباهى زكيٌ ما يزكّيني
- 112وجَبَّ شتَى مقاييسٍ أخذتُ بها◆مقياسُ صبرٍ على ضُرٍّ وتوطين
- 113وراح فضلُ الذي يبغي مباهلتي◆نعمى تعنِّيه، من بؤسي تعنيني
- 114يا دجلةَ الخير: شكوى أمْرُها عجبٌ◆إنّ الذي جئت أشكو منه يشكوني
- 115ماذا صنعتُ بنفسي قد أحَقْتُ بها◆ما لم يُحقْهُ بـ«روما» عسفُ «نيرون»
- 116ألزمتها الجِدَّ حيثُ الناسُ هازلةٌ◆والـهزلَ في موقفٍ بالجدِّ مقرون
- 117وسُمْتُها الخسفَ أعدى ما تكون لـه◆وأمنعُ الخسفَ حتى من يعاديني
- 118ورحتُ أظمي وأسَقي من دمي زُمراً◆راحت تُسقي أخا لؤمٍ وتُظميني
- 119وقلتُ بالزهدِ أدري أنَّه عَنَتٌ◆لا الزهدُ دأبي، ولا الإمساك من ديني
- 120خَرطَ القتاد أمنّيها وقد خِلِقتْ◆كيما تنامَ على وردٍ ونِسرين
- 121حراجةٌ لو يُرى حمدٌ يرافقها◆هانتْ وقد يُدَّرى خطبٌ بتهوين
- 122لكنْ رأيتُ سِماتِ الخيرِ ضائعةً◆في الشرِّ كاللثغِ بين السينِ والشين
- 123ما أضيعَ الماسَ مصنوعاً ومتطَبِعاً◆حتى لدى أهلِ تمييزٍ وتثمين
- 124يا دجلةَ الخير: هل أبصرتِ بارقةً◆ألقت بلمحٍ على شطَّيكِ مظنون؟
- 125تلكمْ هي العمرُ ومضٌ من سنى عَدمٍ◆ينصَّبُ في عَدَمٍ في الغيبِ مكنون
- 126يا دجلة الخير: هل في الشكِّ منجلياً◆حقيقةٌ دون تلميحٍ وتخمين؟
- 127أم خولطت فيه أوهامٌ وأخيلةٌ◆كما تخالطت الألوانُ في الجُون
- 128أكاد أخرج من جلدي إذا اضطربت◆هواجسٌ بين إيقانٍ وتظنين
- 129أقول لو كنزُ قارونٍ وقد عَلِمَتْ◆كفَّايَ أن ليس يُجدي كنزُ قارون
- 130أقول: ما كنزُ قارون، فيدمَغُني◆أنَّ الخَصاصةَ من بعض السراطين
- 131أقول: ليت كفافاً والكفافُ به◆رُحبُ الحياةِ، وأقواتُ المساجين
- 132أقولُهنَّ وعندي علمُ ذي ثِقةٍ◆أنْ ليس يُؤخَذَ علمٌ بالأظانين
- 133وإنَّما هي نفسٌ همُّ صاحبها◆أنْ لا تُصدِّقَ مدحوضَ البراهين
- 134لم يوهب الفكرُ قانوناً يُحصِّنه◆من الظنونِ، ومن سُخف القوانين
- 135يا نازحَ الدارِ ناغِ العُودَ ثانيةً◆وجُسَّ أوتارُه بالرِفْقِ واللين
- 136لعلَ نجوى تُداوي حرَّ أفئدة◆فيها الحزازاتُ تَغلي كالبراكين
- 137وعلَّ عقبى مناغاةٍ مُخفِّقةً◆حمّى عناتر «صفينِ» و«حطين»
- 138ويا صدى ذكرياتٍ يستثرن دمي◆بهِزّةٍ جمَةِ الألوان تعروني
- 139أشكو المرارةَ من إعناتِ جامحةٍ◆منها إلى سمحةٍ برٍّ فتُشكيني
- 140مثلَ الضرائرِ هذي لا تطاوعني◆فأستريحُ إلى هذي فتُؤويني
- 141ويا مَقيلاً على غربيِّها أبداً◆ذكراهُ تَعطِفُ من عودي وتَلويني
- 142عُشُّ الأهازيجِ من سَجعي يُردِّدها◆سجعُ الحَمامِ وترجيعُ الطواحين
- 143وسِدْرةٌ نبعُها خضْدٌ، وساقيةٌ◆وباسقُ النخلِ معقوفُ العراجين
- 144ومُسْتَدقُّ صخورٍ من مآبرها◆رؤًى تَظَلُّ على الحالينِ تُشجيني
- 145من أنمل الغِيد في حسنٍ تُتمِّمه◆فإنْ تعرَّتْ قمن أنياب تنِّين
- 146يا مجمعَ الشملِ من صحبٍ فُجعتُ به◆وآخرٍ رُحْتُ أبلوه ويبلوني
- 147ويا نسائمَ إصباحٍ تصفِّقُ لي◆ندى الغصون بليلاتٍ وتَسقيني
- 148ويا رؤى أُصُلٍ نشوى تراوحني◆ويا سنا شفقٍ حلوٍ يُغاديني
- 149ويا مَداحةَ رملٍ في مَخاضتها◆راحت أُصيبيةٌ تلـهو فتُلـهيني
- 150وضجَّةٌ من عصافيرٍ بها فَزعُ◆على أكِنَّتِها بين الأفانين
- 151ومنطقٌ ليس بالفصحى فتفهمُه◆يوماً وما هو من حسٍ بملحون
- 152وأنت يا دجلة الخيرات سِعْليةٌ◆قرعاء نافجةُ الحضنينِ تعلوني
- 153لا ضيرَ كلُّ أخي عُشٍّ مفارقُه◆وأيُّ عُشٍّ من البازي بمأمون!
- 154ويا ضجِيعَي كرًى أعمى يلفُّهما◆لفَّ الحبيبين في مطمورةٍ دُون
- 155حسبي وحسبُكما من فرقةٍ وجوًى◆بلاعجٍ ضَرِمٍ كالْجمرِ يَكويني
- 156لم أعْدُ أبوابَ ستينٍ، وأحسبني◆هِمَّاً وقفتُ على أبواب تسعين
- 157يا صاحبيَّ إذا أبصرت طيفَكما◆يمشي إليِّ على مَهلٍ يحييني
- 158أطبقتُ جَفناً على جَفنٍ لأبصُرَه◆حتى كأنَّ بريقَ الموتِ يُعشيني
- 159إنِّي شَمِمُتُ ثرًى عفناً يضمُّكما◆وفي لُهاثيَ منه عِطرُ «دارين»
- 160بنوةً وإخاءً حلفَ ذي ولَعٍ◆بتربةٍ في الغد الداني تغطيني
- 161لقد وَدِدْتُ وأسرابُ المنى خُدعُّ◆لو تَسلمان وأنِّ الموت يطويني
- 162قد مِتُّ سبعينَ موتاً بعد يومِكما◆يا ذلَّ من يشتري موتاً بسبعين
- 163لم أقوَ صبراً على شجوٍ يرمِّضُني◆حرَّانَ في قفصِ الأضلاعِ مسجون
- 164تصعدتْ آهِ من تلقاء فطرتها◆وأردفت آهةٌ أُخرى بآمين
- 165ودبَّ في القلبِ من تأمورِه ضرمٌ◆ما انفكَّ يُثلج صدري حين يُصليني