دجلة في الخريف

محمد مهدي الجواهري

68 بيت

العصر:
العصر الحديث
حفظ كصورة
  1. 1
    بكَرَ " الخريفُ " فراح يُوعِدهُ◆أنْ سوفَ يُزْبِدُهُ ويُرْعِدُهُ
  2. 2
    وبَدَتْ من الأرماث ، عائمةً◆فيه ، طلائعُ ما يُجَنِّدُه
  3. 3
    وكأنَّ ، من زَبَدِ الرِّمال على◆أمواجه ، طِفْلاً يُهَدْهِده
  4. 4
    واستَثْقَلَ النوتيُّ مِجْذَفَه◆بَرِماً بمِقبَضه يُجَدِّده
  5. 5
    وتحفَّزَتْ شُمُّ الجبال لهُ◆بثُلوجها كِسفَاً تُهدِّده
  6. 6
    ظلَّتْ تَعُدُّ خُطاه تَرقُبُه◆في الصيفِ مُزدهراً وتحسُده
  7. 7
    جَرداءُ ، وهو يَضِجُّ مَلْعَبُهُ◆ظَلْماءُ ، وهو يُشَبُّ مَوقِده!
  8. 8
    خرَساءُ ، والأنعامُ تُرقصهُ◆وكأنَّها بالموج تَرفِده
  9. 9
    تَتَعَثَّرُ الأجيالُ خالدةً◆فيها ويَحضُنُها مُخَلَّده
  10. 10
    " داودُ " بالمزمارِ يُوقِظه◆ويُنيمُهُ بالعُود " مَعبده "
  11. 11
    والهِيمُ تخزُنُهُ وتنهبُهُ◆والغِيدُ تُنزِلهُ وتصُعِده
  12. 12
    ألْقَتْ إليه مِن مفاتِنِها◆ما ليسَ إلاَّ اللهُ يَشهَده
  13. 13
    ورمَتْ له يقظانَ مِن مُتَعٍ◆ما نحنُ في الأحلامِ نَنشُده
  14. 14
    والنجمُ حارسُها وحارسُه◆والظلُّ موعدُها وموعده
  15. 15
    الآنَ أُدْرِكُ سِرَّ زَفْرتهِ◆إذ لم يَعُدْ سِرّاً تَجَلّده
  16. 16
    فَلفَقدِه نَفَساً تَنَفُّسُهُ◆ولذِكره نَهداً تَنَهَّده
  17. 17
    يتَعقَّبُ المسكينُ موجَتَها◆عَبَثاً بمَوْجتهِ وتطْرُده
  18. 18
    لم يَدْرِ حتى الآنَ شِيمتَها◆حسِبَ الهوى نَغَماً يُردِّده
  19. 19
    أمسِ استطابتْ فيه مَقصِدَها◆واليومَ أهونُ منه مَقصِده
  20. 20
    لو يستطيعُ لَرَدَّ خُضرتَهُ◆وبرغْمِ سَفْحَيْهِ تورَّده
  21. 21
    وبرغْمهِ أنْ حبَّ خابِطُهُ◆للزارعينَ وذُمَّ مَورده
  22. 22
    ماسرَّهُ " والبِيضُ " تُنْكِرهُ◆أنَّ المراعي الخُضْرَ تَحْمَده!
  23. 23
    فالذكْرَياتُ الغُرُّ يَشهدُها◆رقراقُهُ الصافي وتَشْهَده
  24. 24
    مُتطامِنٌ لم تُخْشَ صَولتُه◆لكبْ تَضيقُ بصائِلٍ يَده
  25. 25
    فمِنَ الشَّمال يدٌ وتُنْهِضُهُ◆ومِنَ الجَنوب يدٌ وتُقْعِده
  26. 26
    كالنَّاسِ للحُفُراتِ مَرجِعُه◆ومِنَ النِّطافِ النُزْرِ مولِده
  27. 27
    وخُضوعُهُ كخُضوعهمْ أبداً◆للغيبِ أنَّى سارَ يقصده
  28. 28
    والفَصلُُ ، دونَ الفَصلِ ، يُنْعشُهُ◆والأرضُ ، دون الأرض ، تُسعِده
  29. 29
    لَغِبٌ فلا الإِمساءُ يُوسِعُهُ◆عَطْفاً ، ولا الإِصباحُ يُنجِده
  30. 30
    النجمُ أعمى لا يرافِقُهُ◆والطيرُ أخرَسُ لا يُغرِّده
  31. 31
    مُتحَيِّرٌ لا يستَحِمُّ بهِ◆فَلَكٌ ولا الأضواءُ تُرشِده
  32. 32
    وكأنَّ مُحتَشَدَ الضَّبابِ بهِ◆بابٌ بوجهِ الشُهْبِ يُوصِده
  33. 33
    والشَّمسُ فاترةٌ تُذَكِّرهُ◆وضَحَ السَّنا أيَّامَ تُوقِده
  34. 34
    أيَّامَ تنفُخُ في قَرارتهِ◆من رُوحها نَفَساً تُجَدِّده
  35. 35
    والبدرُ حتى البدرُ يُوحشه◆في يومِ محنتهِ ويُفرده
  36. 36
    هذا الذي ما كانَ مِثلَهما◆للصيفِ من مَثَلٍ يُخَلِّده
  37. 37
    كانا يَرُبَّانِ الغرامَ معاً◆ذا يَصْطَفيهِ ، وذا يُهَدْهِده
  38. 38
    لم يبقَ من هَرَجِ الربيع بهِ◆الا الذي قد فات أجوده
  39. 39
    ومن العريشِ على شواطئه◆إلاّ خُشَيْبات تحدِّده
  40. 40
    ركبٌ تحمل عنه ناشطهُ◆واقام عاجزُه ومُقْعَده
  41. 41
    والسامرُونَ انفضَّ عُرْسُهُمُ◆لا جِدُّهُ أغنى ، ولا دَده
  42. 42
    حجَلَ الغُرابُ على مواقِدهمْ◆وعلى الرَّمادِ بها يُلَبِّده
  43. 43
    ومنَ الحَمامِ أظَلَّهُ زَجِلٌ◆كَلِفٌ بلحنِ الصَّيفِ يُنْشِده
  44. 44
    ضَنْكُ المسَفَّةِ يَدَّني عَطَشاً◆وتَموُّجُ الآذيِّ يُبعِده
  45. 45
    مُتَسائلاً بشمَ حالَ رَيِّقُهُ◆عن حُرِّ لونٍ كان يَعهَده!؟
  46. 46
    وعلى الضِّفافِ، البطُّ مُنكمِشٌ◆لاهٍ بذاوي النبتِ يَعضِده
  47. 47
    شَعْثُ النَّسيل ، كأنَّ عابثةً◆مَجنونةً راحتْ تُبدِّده
  48. 48
    ما الصَّيفُ سبَّطَ من جَدائلِه◆جاءَ الخريفُ له يُجَعِّده!
  49. 49
    بادي الخُمولِ يؤودُه عُنُقٌ◆في أمس ، من زهْوٍ ، يُمدِّده!
  50. 50
    وكأنَّه ، إذ خِيفَ مَسبَحُه◆مُتَرِّهبُ قد سُدَّ مَعْبَده!
  51. 51
    أتُرى يعودُ غداً لِمَلْعَبهِ◆لأمْ لا يعودُ كأمسه غده؟!
  52. 52
    وتهضَّمَ النُوتيُّ زورقَه◆بالقار، بعد الغِيد، يَحشُده
  53. 53
    يقتاتُ من كِسَرٍ يُثَبِّتثها◆في اللوح ، أو حَبلٍ يُمَسِّده
  54. 54
    لم أدْرِ لو لم تُنبِني سُرُجٌ◆في شاطئيه ِ ، أينَ مَرقده
  55. 55
    ومَضَتْ فقلتُ : النّومُ أعوزَه◆وجُفونُه ، رُمْداً ، تُسَهِّده!
  56. 56
    وخَبَتْ فقلتُ : غفا ، وإنَّ صَدىً◆في السَّمْعِ من زَفْرٍ يُصَعِّده!
  57. 57
    وكأنَّ تابوتاً يُعِدُّ لهُ◆مَلاَّحُه فيما يُنَضِّده
  58. 58
    وحسِبتُ مِزماراً يُشَيَّعُه◆للقبرِ ، مسماراً يُشَدَّده
  59. 59
    وتجاوُبَ الأجْراءِ قافيةً◆سمحاءَ باكيةً تُمَجّده!
  60. 60
    يا صامتاً عِيّاً ، ومَنْطِقُهُ◆مُتَفَجِّرُ اليَنْبُوع سَرْمَده
  61. 61
    تَهفو فرائدُ عِقدهِ جَزَعاً◆مما بها ، وتهيمُ شُرَّده
  62. 62
    وتُثيرُ فيه الذكرياتُ شجاً◆يَعيا به فيَخُورُ أيِّده
  63. 63
    ومُوَكَّلاً بالدَّهر ، يَزرعُهُ◆في شاطئيه ثمَّ يحصُده
  64. 64
    يا شَطُّ ، أنتَ أعزُّ مُنقَلباً◆في الناطقينَ بما تُخَلِّده
  65. 65
    وكذا الطبيعةُ في عناصرها◆جِنٌّ حَبيسُ الرُّوحِ مجهَده!
  66. 66
    نَرتادُ جامدَها نُفَجِّرُه◆وعقيمَ غامضِها نُوَلَّده
  67. 67
    فلعلَّ ذا ، ولعَّلها لُغةٌ◆من غيرِ ما جرْسٍ نعوَّده
  68. 68
    ولربَّما ضَحِكتْ بسائطُها◆هُزْءاً بنا ممَّا نُعَقِّده