المحرقة
محمد مهدي الجواهري64 بيت
- العصر:
- العصر الحديث
- 1أَحاوِلُ خرقاً في الحياةِ فما أجرا◆وآسَفُ أن أمضي ولم أُبقِ لي ذكرا
- 2ويُؤلمني فرطُ افتكاري بأنَّني◆سأذهبُ لا نفعاً جلبتُ ولا ضُرّا
- 3مضتْ حِججٌ عَشْرٌ ونفسي كأنها◆من الغيظ سيلٌ سُدَّ في وجهه المجرى
- 4خيَرْتُ بها ما لو تخلَّدتُ بعدَه◆لمَا ازدَدْتُ عِلماً بالحياةِ ولا خُبرا
- 5وأبصرتُ ما أهوى على مثلهِ العمى◆وأُسمعتُ ما أهوى على مثلهِ الوَقْرا
- 6وقد أبقتِ البلوى على الوجهِ طابَعاً◆وخلَّفَتِ الشحناءُ في كبِدي نَغرا
- 7تأمَّلْ إلى عيني تجدْ خَزَراً بها◆ووجهي تُشاهِدْه عن الناس مُزورّا
- 8ألم تَرَني من فرطِ شكٍّ ورِيبةٍ◆أُري الناسِ ، حتى صاحبي ، نظراً شزرا
- 9لبستُ لباسَ الثعلبيِّينَ مُكرهاً◆وغطَّيتُ نفساً إنَّما خُلقت نَسرا
- 10ومسَّحتُ من ذيلِ الحَمامِ تملّقاً◆وأنزلتُ من عَليا مكانتهِ صقرا
- 11وعُدتُ مليء الصدَّرِ حِقداً وقُرحةً◆وعادت يدي من كلِّ ما أمَّلَتْ صِفرا
- 12أقولُ اضطراراً قد صبَرتُ على الأذى◆على أنني لا أعرِفُ الحُرَّ مُضطرّا
- 13وليس بحُرٍّ مَن إذا رامَ غايةً◆تخوَّفَ أن ترمي به مَسلكاً وعْرا
- 14وما أنتَ بالمُعطي التمرُّدِ حقَّه◆إذا كنت تخشى أن تجوعَ وأن تَعرى
- 15وهل غيرَ هذا ترتجي من مَواطنٍ◆تُريد على أوضاعها ثورةً كبرى
- 16مشى الدهرُ نحوي مستثيراً خطوبَه◆كأني بعينِ الدهر قيصرُ أو كسرى
- 17وقد كانَ يكفي واحدٌ من صروفهِ◆لقد أسرفتْ إذ أقبلتْ زُمراً تترى
- 18مشى لي كعاداتِ المخانيثِ دارعاً◆يُنازِل قِرْناً مُثخَناً حاسِراً صدرا
- 19خليّاً من الأعوانِ لا ذُخرَ عندَه◆سوى الصبرِ أوحشْ بالذي صحبَ الصَّبرا
- 20وما كانَ ذنبي عندَه غيرَ أنني◆إذا مسَّني بالخيرِ لم أُطِلِ الشكرا
- 21ولم أتكفَّفْ باليسيرِ ولم أكنْ◆كمستأنِسٍ بالقُلِّ مستكثِرٍ نَزْرا
- 22طموحٌ يريني كلَّ شيءٍ أنالُه◆وإنْ جلَّ قَدرْاً دونَ ما أبتغي قدرا
- 23حلَبتُ كِلا شطرَيْ زماني تمعّناً◆فلم أحمَدِ الشطر الذي فَضَلَ الشطرا
- 24شرِبتُ على الحالينِ بؤسٍ ونعمةٍ◆وكابدتُ في الحالينِ ما نغَّصَ السكرا
- 25حُبيتُ بنَدمانٍ وخمرٍ فغاظني◆بأنيَ لا مُلكاً حُبيتُ ولا قصرا
- 26ولو بهما مُتّعتُ ما زلتُ ساخطاً◆على الدهر إذ لم يَحْبُني حاجةً أُخرى
- 27فما انفكَّ حتَّى استرجعَ الدهرُ حُلوَه◆وحتَّى أراني أنني لم أذُق مرّا
- 28وجوزِيتُ شرّاً عن طُموحي فها أنا◆برغميَ لا خِلاًّ تخِذتُ ولا خمرا
- 29فانْ يُشمِتِ الأقوامَ أخذي فلم أكن◆بأوَّلِ مأخوذٍ على غِرَّةٍ غدرا
- 30وإنْ تفترِسْني الآكلاتُ فبعدَ ما◆وثِقتُ بها فاستلَّتِ النابَ والظُفرا
- 31وإن تُلهبِ الشكوى قوافيَّ حُرقةً◆وغيظاً فاني قادحٌ كبِداً حرّى
- 32وكنتُ متى أغضبْ على الدَّهر أرتجلْ◆مُحرَّقةَ الأبياتِ قاذفةً جمرا
- 33كشأنِ " زيادٍ " حين أُحرجَ صدرُهُ◆وضُويقَ حتى قال خُطبتَه البترا
- 34أو المتنبّي حينَ قالَ تذمُّراً◆" أفيقا خُمارُ الهمِّ بغَّضني الخمرا"
- 35وما زلتُ ذاك المرءَ يوسِعُ دهرَه◆وأوضاعَه ، والناسَ كلَّهمُ كفرا
- 36تحولتُ من طبعٍٍ لآخرَ ضدِّه◆من الشيمةِ الحسناءِ للشيمةِ النَكرا
- 37وكنتُ وَديعاً طيب النفسِ هادئاً◆فاصبحتُ وحشاً والِغاً في دمٍ نَمرا
- 38فلَو دَبَّر الباغونَ للكيدِ خطةً◆رأوا أنَّني منهُمْ بَتدبيرِها أحرى
- 39وَلو ملكَ قارونٍ ملكتُ دَفعتُه◆على كرهِ بعض الناسِ بعضَهم أجرا
- 40وِشجَّعتُ ما أقوى يراعةَ كاتبٍ◆يُزيحُ بها عن كلِّ ذي عورةٍ سِترا
- 41وَمجَّدتُ من بَثَّ الدعايةَ ضدَّهم◆ومن قالَ في تَسخيفِ آرائهم شعرا
- 42وِلو حُمَّ لي أنْ أحكمَ الناسَ ساعةً◆وأن أتوَلى فيهُمُ النهىَ والأمرا
- 43لمزَّقتُ وَجهاً بالخديعةِ باسِماً◆ولا شيتُ ثَغراً بالضَغينةِ مُفترّا
- 44وَقَطَّعتُ كفَّيْ من يمدُّ يمينَهُ◆يَصافحني في حين تَطعنُني اليسرى
- 45وَعاتَبتُ سراً من يضِلُّ لنفسةِ◆ومن ضلَّلَ الجمهورَ أخزيتهُ جَهْرا
- 46رأيتُ من الإِنسانِ يُطغيه عُجْبُه◆من الخزي ما تأباهُ وحشيَّةٌ تَضرى
- 47إذا أُغرِيتْ هذي بأكلِ فريسةٍ◆فهذا بأنْ يلهو بتعذيبها مُغرى
- 48أتعرفُ كم من أصيَدٍ مُمتلٍ قهرا◆وكم حُرَّةٍ تشكو ومَن حولَها ، الفقرا
- 49لينعُمَ مَن إنْ عاشَ لم يُدرَ نفعُه◆وإنْ ماتَ لم يعرِف له أحدٌ قبرا
- 50أتعرفُ ما يأتيه في السرِّ ناصبٌ◆على العينِ منظاراً على الناسِ مغترّا
- 51يُقلِّبهُ بينَ الجموعِ دلالةً◆على أنه أذكى من الناس أو أثرى
- 52وما ميَّزتْهُ عن سواه فوارقٌ◆سوى أنه قد أتقنَ الرَّقصَ والزمرا
- 53وهذا الذي إحدى يديهِ بجيبهِ◆وأُخراهما تلهو بشاربه كِبرا
- 54ولو فتَّشوا منه السَّبالينِ شاهدوا◆خلالَهما العاهاتِ محشورةً حشرا
- 55وهذا الذي رغمَ النعيم وشرخهِ◆يُرى حاملاٍ وجهاً من الحقدِ مُصفرّا
- 56وهذا الذي إنْ أعجبَ الناسَ قولهُ◆مشى ليُريهمْ أنه فاتحٌ مِصرا..
- 57وهذا الذي قد فخَّمتْه شهادةٌ◆خلاصتُها أنَّ الفتى قارئٌ سطرا
- 58ويكفيكَ منه ساعةٌ لاختباره◆لتعلمَ منها أنه لم يزل غِرّا
- 59وهَبْ أنه قد أُلهِمَ العلمَ كلَّه◆وحلَّلَ حتى الجوهرَ الفردَ والذرّا
- 60وكانَ " شكسبيرٌ " خويدمَ شعره◆وكانت لُغى الأكوان تخدمُه نثرا
- 61فهل كانَ حتماً أنني أنحني له◆وتصطكُ مني الركبتانِ إذا مرّا..!
- 62ألمْ يدرِ هذا " الكوكب ! " الفذ أنه◆كما كان حُرّاً كان كلُّ امرئٍ حرّا
- 63ذممتُ مُقامي في العراقِ وعلَّني◆متى أعتزمْ مسرايَ أن أحمَدَ المسري
- 64لَعلي أرى شِبْراً من الغَدر خالياً◆كفاني اضطهاداً أنني طالبٌ شِبْرا