أبو العلاء المعري
محمد مهدي الجواهري91 بيت
- العصر:
- العصر الحديث
- 1قِفْ بالمعَرَّةِ وامسَحْ خَدَّها التَّرِبا◆واستَوحِ مَنْ طَوَّقَ الدُّنيا بما وَهَبا
- 2واستَوحِ مَنْ طبَّب الدُّنيا بحكْمَتَهِ◆ومَنْ على جُرحها مِن روُحه سَكَبا
- 3وسائلِ الحُفْرةَ المرموقَ جانِبُها◆هل تبتَغي مَطْمَعاً أو ترتجي طلَبا ؟
- 4يا بُرجَ مفْخَرةِ الأجداث لا تهِني◆أنْ لم تكُوني لأبراج السَّما قُطُبا
- 5فكلُّ نجمٍ تمنَّى في قَرارته◆لو أنَّه بشُعاعٍ منكِ قد جُذبا
- 6والمُلْهَمَ الحائرَ الجبَّارَ ، هل وصَلَتْ◆كَفُّ الرَّدى بحياةٍ بَعْدَه سَبَبا؟
- 7وهل تَبدَّلْتَ رُوحاً غيرَ لاغبةٍ◆أم ما تزال كأمسٍ تشتكي اللَّغَبا
- 8وهل تخبَّرْتَ أنْ لم يألُ مُنْطَلِقٌ◆منُ حرّ رأيكَ يَطْوي بعْدكَ الحقَبا
- 9أم أنتَ لا حِقَبلً تدري ، ولا مِقَةً◆ولا اجتواءً ، ولا بُرءاً ، ولا وصَبا
- 10وهل تصَحَّحَ في عُقْباكَ مُقْتَرحٌ◆ممَّا تفَكرتَ أو حَدَّثْتَ أو كُتِبا ؟
- 11نَوِّر لَنا ، إنَّنا في أيّ مُدَّلج ٍ◆ممَّا تَشكَّكْتَ ، إنْ صِدقاً وإنْ كذبا
- 12أبا العلاءِ ، وحتى اليومِ ما بَرِحتْ◆صَنَّاجهُ الشَعر تُهدي المترفَ الطَّربا
- 13يَستنزلُ الفكرَ من عَليا مَنازلهِ◆رأسٌ ليمسحَ من ذي نعمةٍ ذنَبا
- 14وزُمرةُ الأدبِ الكابي بزُمرتهِ◆تفرَّقَتْ في ضَلالاتِ الهوى عُصَبا
- 15تَصَّيدُ الجاهَ والألقابَ ناسيةً◆بأنَّ في فكرةٍ قُدسيَّةٍ لقبا
- 16وأنَّ للعبقريّ الفذِّ واحدةً◆إمَّا الخُلودَ وإمَّا المالَ والنَّشبا
- 17من قبلِ ألفٍ لَو انَّا نبتغي عِظةً◆وعَظْتَنا أنْ نصونَ العلمَ والأدبا
- 18على الحصيرِ وكوزُ الماء يَرفدهُ◆وذِهنُه ورفوفٌ تحمِلُ الكتبا
- 19أقامَ بالضَّجَّةِ الدُّنيا وأقعدَها◆شيخٌ أطلَّ عليها مُشفقاً حَدِبا
- 20بَكى لأوجاعِ ماضيها وحاضرِها◆وشامَ مُستقْبَلاً منها ومرتقبَا
- 21وللكآبةِ ألوانٌ ، وأفجعُها◆أنْ تُبصرَ الفيلسوفَ الحُرَّ مكتئِبا
- 22تناولَ الرثَّ من طبعٍ ومُصطَلحٍ◆بالنقدِ لا يتأبَّى أيَّةً شجبا
- 23وألهمَ الناسَ كي يَرضَوا مغبَّتهم◆أن يُوسعوا العقلَ ميداناً ومضطَربا
- 24وأنْ يَمدُّوا به في كلِّ مُطَّرحٍ◆وإنْ سُقوا مِن جَناه الويلَ والحرَبا
- 25لِثورةِ الفكرِ تأريخٌ يحدّثُنا◆بأنَّ ألفَ مسيحٍ دونَها صُلِبا
- 26إنَّ الذي ألهبَ الأفلاكَ مِقولُه◆والدَّهرَ لا رَغَباً يرجو ولا رهَبا
- 27لم ينسَ أنْ تشمَلَ الأنعامَ رحمتُهُ◆ولا الطيورَ ولا أفراخَها الزُغُبا
- 28حَنا على كلّ مغضوبٍ فضمَّده◆وشجَّ منْ كان ، أيّاً كان ، مغتصِبا
- 29سَلِ المقاديرَ ، هل لازلتِ سادرةً◆أمْ أنتِ خجلى لِما أرهقتهِ نصبا؟
- 30وهل تعمَّدتِ أنْ أعطيتِ سائبةَ◆هذا الذي من عظيمٍ مثْلِه سُلبا
- 31هذا الضياءَ الذي يَهدي لمكمنّه◆لِصّاً ويُرشدُ أفعى تَنفُثُ العَطَبا
- 32فانْ نَخَرتِ بما عوَّضتِ من هبةٍ◆فقد جنيتِ بما حمَّلتهِ العصبا
- 33تلمَّسَ الحُسنَ لم يمدُدْ بمُبصرةٍ◆ولا امتَرى دَرَّةً منها ولا حلبا
- 34ولا تناولَ من ألوانها صُوراً◆يَصُدُّ مبتعِدٌ منهنَّ مُقتربا
- 35لكنْ بأوسعَ من آفاقها أمداً◆رَحْباً ، وأرهفَ منها جانباً وشَبا
- 36بعاطفٍ يتبنَّى كلَّ معتلِجٍ◆خفَّاقه ويُزكّيهِ إذا انتسبا
- 37وحاضنٍ فُزَّعَ الأطيافِ أنزلها◆شعافَه وحباها معقِلاً أشِبا
- 38رأسٌ من العَصَبِ السامي على قفص◆من العظام إلى مهزولةٍ عُصِبا
- 39أهوى على كُوَّةٍ في وجههِ قدَرٌ◆فسَدَّ بالظلْمةِ الثُقْبينِ فاحتجبا
- 40وقال للعاطفات ِ العاصفاتِ بهِ◆ألآنََ فالتمسي مِن حُكْمهِ هربا
- 41ألآنَ يشربُ ما عتَّقتِ لا طفَحاً◆يُخشى على خاطرٍ منه ولا حبَبا
- 42ألآنَ قولي إذا استوحشتِ خافقَه◆هذا البصيرُ يُرينا آيةً عَجبا
- 43هذا البصيرُ يُرينا بين مندرِسٍ◆رثِّ المعالم، هذا المرتَعَ الخصِبا
- 44زنجيَّةُ اليلِ تروي كيف قلَّدها◆في عُرسها غُرَرَ الأشعار لا الشهبا
- 45لعلَّ بين َ العمى في ليلِ غُربته◆وبين فحمتَهِا من أُلفَةٍ نسبا
- 46وساهرُ البرق والسُمَّارُ يُوقِظهم◆بالجزع يخفق من ذكراه مضطرِبا
- 47والفجرُ لو لم يلُذْ بالصبح يَشربه◆من المطايا ظِماءً شُرَّعاً شُربا
- 48والصبحُ ما زال مُصفرّاً لمقرّنَهِ◆في الحُسْن بالليل يُزجي نحوه العتبا
- 49يا عارياً من نَتاجِ الحُبِّ تكرمةً◆وناسجاً عَفَّةً أبرادَهُ القشُبا
- 50نعوا عليكَ – وأنت النور – فلسفةً◆سوداءَ لا لذَّةً تبغي ولا طرَبا
- 51وحمَّلوكَ – وأنت النارُ لاهبةً -◆وِزرَ الذي لا يُحسُّ الحُبَّ ملتهبا
- 52لا موجةُ الصَّدرِ بالنهدينِ تدفعه◆ولا يَشقُّ طريقاً في الهوى سَربا
- 53ولا تُدغدِغُ منه لذَّةٌ حُلُماً◆بل لا يُطيقُ حديثَ اللذَّةِ العذِبا
- 54حاشاك ، إنَّكَ أذكى في الهوى نفسَاً◆سََمْحاً ، وأسلسُ منهمْ جانباً رطِبا
- 55لا أكذبنَّكَ إنَّ الحُبَّ متَّهمٌ◆بالجَور يأخذ مِنَّا فوقَ ما وَهبا
- 56كم شيَّعَ الأدبُ المفجوعُ مُختضَراً◆لدى العيونِ وعندَ الصدر مُحتَسَبا
- 57صَرعى نَشاوى بأنَّ الخَودَ لُعبتُهم◆حتى إذا استَيقظوا كانوا هُمُ اللُعَبا
- 58أرتهُمُ خيرَ ما في السّحْرِ من بُدءٍ◆وأضمرتْ شَرَّ ما قد أضمرتْ عُقبا
- 59عانَى لَظَى الحُبِّ " بشَّارٌ " وعُصبتُه◆فهل سوى أنَّهم كانوا له حَطبا
- 60وهل سوى أنهم راحوا وقد نذروا◆للحبِّ ما لم يجب منهم وما وَجبا
- 61هل كنتَ تخلدُ إذ ذابوا وإذ غَبرُوا◆لو لم ترُضْ منِ جِماحِ النفس ما صَعُبا
- 62تأبى انحلالاً رسالاتٌ مقدَّسةٌ◆جاءت تقوِمُ هذا العالَمً الخَربا
- 63يا حاقِرَ النبعِ مزهُوّاً بقوَّتهِ◆وناصراً في مجالي ضعفهِ الغَرَبا
- 64وشاجبَ الموت من هذا بأسهمهِ◆ومُستمِنّاً لهذا ظِلَّهُ الرَّحبِا
- 65ومحرِجَ المُوسِرِ الطاغي بنعمتهِ◆أنْ يُشرِكَ المُعْسِرَ الخاوي بما نهبا
- 66والتَّاجُ إذ تتحدَّى رأسَ حاملهِ◆بأيِّ حقٍّ وإجماعٍ به اعتصبا
- 67وهؤلاءِ الدُّعاةُ العاكفونَ على◆أوهامهم ، صنماً يُهدون القُرَبا
- 68الحابطونَ حياةَ الناس قد مَسخوا◆ما سنَّ شَرْعٌ وما بالفطرة اكتُسِبا
- 69والفاتلونَ عثانيناً مُهرّأةً◆ساءتْ لمحتطِبٍ مَرعى ومحتطَبا
- 70والمُلصِقونَ بعرش اللهِ ما نسجت◆أطماعُهم : بِدعَ الأهواءِ والرِيّبا
- 71والحاكمونَ بما تُوحي مطامعُهم◆مؤِّولينَ عليها الجدَّ واللَّعبا
- 72على الجلود من التدليس مَدرعةٌ◆وفي العيون بريقٌ يخطَف الذهبا
- 73ما كان أيُّ ضلالٍ جالباً أبداً◆هذا الشقاء الذي باسم الهُدى جُلبا!
- 74أوسَعْتَهم قارصاتِ النقدِ لاذعةً◆وقلتَ فيهم مَقالاً صادقاً عجبا
- 75" صاحَ الغرابُ وصاحَ الشيخُ فالتبستْ◆مسالِكُ الأمر: أيٌّ منهما نعبا "
- 76أجللتُ فيك من الميزات خالدةً◆حُرَّيةَ الفكرِ والحرمانَ والغضبا
- 77مجموعةً قد وجدناهُنَّ مُفرَدةً◆لدى سواكَ فما أغنيننا أربا
- 78فربَّ ثاقبِ رأيٍ حطَّ فكرتَه◆غُنمٌ فسَفَّ وغطَّى نورَها فخبا
- 79وأثقلَتْ مُتَعُ الدُّنيا قوادِمَهُ◆فما ارتقى صُعُداً حتَّى ادَّنى صَبيا
- 80بَدا له الحقُّ عُرياناً فلم يَرهُ◆ولاحَ مقتلُ ذي بغيٍ فما ضَربا
- 81وإنْ صدقتُ فما في الناس مُرتكِباً◆مثلُ الأديب أعان الجورَ فارتكبا
- 82هذا اليراعُ ، شواظُ الحقّ أرهفه◆سيفاً . وخانعُ رأيٍ ردَّه خشبا
- 83ورُبَّ راضٍ من الحرمان قِسَمته◆فبرَّر الصبرَ والحرمانَ والسغبا
- 84أرضى ، وإنْ لم يشأ ، أطماحَ طاغيةٍ◆وحالَ دونَ سوادِ الشعب أن يثبا
- 85وعوَّضَ الناسَ عن ذُلٍّس ومَتربَةٍ◆مَنَ القناعةِ كنزاً مائجاً ذهبا
- 86جيشٌ من المُثُلِ الدُّنيا يَمُدُّ به◆ذوو المواهبِ جيشَ القوَّةِ اللَّجبا
- 87آمنت بالله والنورِ الذي رسمَتْ◆به الشرائعُ غُرّاً منهجاً لَحِبا
- 88وصُنتُ كَّل دُعاةِ الحقِّ عن زَيغٍ◆والمُصلحينَ الهداةَ ، العُجْمَ والعَرَبا
- 89وقد حَمِدتُ شفيعاً لي على رَشَدي◆أُمّاً وجدتُ على الإسلامِ لي وأبا
- 90لكنَّ بي جنَفَاً عنِ وعي فلسفةٍ◆تقضي بأنَّ البرايا صُنِّفتْ رُتَبا
- 91وأنَّ مِن حِكمةٍ أنْ يجتني الرُّطَبا◆فردٌ بجَهد ألوفٍ تعلكُ الكَرَبا