احتضار عام 1958

محمد الماغوط

103 بيت

العصر:
العصر الحديث
حفظ كصورة
  1. 1
    إنهم ليسوا رجالاً أولئك الملتهبون في حدائق الوردبل أشبالاً زأروا للمرة الأخيرة تحت مطر الشمال
  2. 2
    حملوا التاريخ على أكتافهم كما تحمل صناديق الفاكهة عبر الوحلعبر المدارس القذرة والمباغي الجنوبية
  3. 3
    أنا أعرفهمأعرف السؤدد والكرامة
  4. 4
    والمبادئ السائلة على أرائك التاكسي.في غرف لا نوافذ لها كغرف العشاق والمهربين
  5. 5
    كانوا يحصون قتلاهم على الآلات الحاسبةوكانت الأسماء الطويلة تثير امتعاضهم
  6. 6
    هناك.. في العرين العظيم المغطى بالبارود وغاز الحبر،كان الشجار يرتفع عن أزهار الخوخ وتعرّق الأرجل
  7. 7
    وصور الضحايا التي يغطيها الذبابوأنا أرفع يدي كالمتر المكسور
  8. 8
    دون أن يردّ عليّ أحدفي الغرف المنقرضة... حيث العرق ينزف
  9. 9
    والشوارب الذابلة تحنيها ريح الصحراء.أنا الإنسان الحضاري ذو الغرة الكستنائية
  10. 10
    حامل العقيدة والمشط وأوراق الزكامأخاطبكم والتبغ يسيل على جوانب فمي:
  11. 11
    لقد مضى عهد الإرهاب والقيلولة..وصفع الغلمان الشقر في المتاريس.
  12. 12
    لا شيء غير النجيع الأحمروصرير الطاولات المحملة على الظهور.
  13. 13
    هل نعود حقاً إلى القن والمزرعة وغيوم الأرجوانهل ينفجر خزان الضحكات الأولى
  14. 14
    إذا ما ثقبناه بالرصاص والأنياب الهاجرة؟ومتى ولماذا؟
  15. 15
    وما من أحد سوى نور القمر الأخضروروث الريف الجاف.
  16. 16
    أبي.. أمي.. شيئان قديمان من الوحل والسعال والعظام البارزةأهلي .. أخوتي ..
  17. 17
    أشياء قديمة من الحساء والمخاط والثياب المهلهلةرأيت جوربيك القذرين على طاولة الحرب
  18. 18
    رأيت قبر أبي يتسخ كالمغسلةوأمي منهوكة القوى
  19. 19
    تقلب التراب بيديها كأنها في مختبرلترى هل يستحق هذا التراب
  20. 20
    المليء بالقش والحصى والمساميركل هذا الشوق والعناد والكلمات الطنانة
  21. 21
    هل يستحق هذا التراب المنتقل على الأحذية والحوافركل هذا الفقر والغيظ والمسدسات المدفونة بين الأفخاذ؟
  22. 22
    لا تلمها يا مولايإنها لا تراني إلا في الصفحات الأخيرة
  23. 23
    متسخاً عبر آلاف الجبال والأودية الغبراءإن في عيني قسوة القياصرة
  24. 24
    وفي زندي ملايين الأذرع الخاوية تتأرجح!اقتل الجدران، والسيارات، ومكاشط الوحل
  25. 25
    ولكن دعني أرفع يدي هكذا في وجهكلأحدثك عن النجوم الصغيرة، ورنين الحافلات المتقطع
  26. 26
    عن ملايين الأنوف والعيون التي نصطدم بها تحت ستار الرعددعني أبرز لك هذا الغليان الهائل
  27. 27
    من الحنكة والتذمرهنا وسط فمك وقلبك وتاريخك الجامد والمدبب كالمنقار
  28. 28
    لا لن أقف خلف الطاولة بثلاثة أقدام، أو ثلاثة ثرونولن أشيح بناظري عنك
  29. 29
    ما لم تكن هناك فتاة تتعرىأو وعاء يتصاعد منه البخار.
  30. 30
    رأيتك تنزف في أحد الأدراج أيها العاشق الذابل العينينوالدهن يقطر على أوراقك السرية.
  31. 31
    هناك في الغرف النائية ذات الأجراسرأيتك تصافح الجميع ما عداي
  32. 32
    تقذف لفائفك للجميع ما عدايولي خمس أصابع وخمسة أظافر كالآخرين
  33. 33
    وأنا أقف أمامك كالصنمودموعي مستقيمة كالأزرار.
  34. 34
    آه لو تعلم أيها الإله الذهبيأن أجيالاً وأجيالاً ستحيا على فضلات هذه الأصابع
  35. 35
    أمما وأمماً ستعيش على ذكرى هذه الأيدي الموشومة كأيدي البدو.أنا أعرف لماذا؟
  36. 36
    لأنني فقير ومعدموأقف على الضفة الأخرى من النهر
  37. 37
    على الجانب الأسود الحار والمحتضروالمنحني كالشلال تحت ضغط الأثداء الصغيرة
  38. 38
    والمشدّات الممزقة على مفارق الطرق.لقد وضعت حقيبتي على ظهري كالطائر
  39. 39
    أجتاز الخنادق الغاصة بالدم والآلات الحاسبة.وكانت لفافتي على مستوى آلاف القمم
  40. 40
    ودموعي تتساقط على آلاف الغاباتوأفكر بالاتهام والسيطرة
  41. 41
    وتساقط الحواجب في الخريفوالتبول تحت الشمس اللاهبة
  42. 42
    وقذف القمم كالحصى داخل الوديانكنت حزيناً ومرعباً أمد رأسي كالعصفور
  43. 43
    من خلال النوافذ والمصابيح المتطايرة فوق شعريألمح الأبواب الطعينة
  44. 44
    وأقدام الأبطال الغائصة في العشبوالتلال الزرقاء التي طالما هززتها بقدمي
  45. 45
    تلمع أمامي كأسنان البفلكأسنان وحيدة باكية
  46. 46
    عبر تاريخ طويل من النهب والزغاريدوارتطام الكهول في المباول
  47. 47
    ثمة قرية صغيرة بين ذراعيملعقة صغيرة وصفراء كالبلبل في حديقتي
  48. 48
    أيها الدم القاني لن تعرف جرحي أبداًأيها الجوع النائي لن تعرف فمي أبداً
  49. 49
    إن أنهاراً من المرطباتمن الهواء الأخضر والأزرق والمصفّى بالمناخل
  50. 50
    لن يزيل هذا الشحم الليلكيهذا العرق المتدلي كالسيف من حزامي
  51. 51
    سامحني يا مولايإنني أحول كما تعرف
  52. 52
    ولا أرى الأمور إلا كئيبة وساقطةولكن انظر بعينيك الخضراوين
  53. 53
    يا سليل تدمر وسومروبقية الدمامل المشعة كالياقوت
  54. 54
    انظر إلى هذه الدموع المطروحة في المغلفاتإنه ليس انتظاراً هذا الذي نقاسيه
  55. 55
    إنه صمغ في أسفل القدمقبح في فوهة المدفع
  56. 56
    رماد الأبطال يسقط في منفضتك يا جبانودم الأطفال ينقلب في جوفك كأمواج صيدون
  57. 57
    ماذا تعرف عن الصبر والنضالولعب الطوابع في الزمهرير
  58. 58
    لقد حرمتني لقمتي يا مولايلقمتي الصغيرة المجموعة من كل حقول العالم
  59. 59
    والمتدحرجة همساً على طرف السوط والمقلاة.لن ننتصر أبداً والبومة تنعق
  60. 60
    لن ننتصر والسيف مجزأ.الليل يحمل عرثلته كالزنبقة بين يديه
  61. 61
    ويغرد على شجرة ما في الشرق البعيداجمعوا أظافركم
  62. 62
    وضعوها أمامي هنا على الطاولةاجمعوا كل الشفاه التي قبّلت
  63. 63
    والأثداء التي انتهكتهنا مع الصحف والغلايين وأدوات الانتقام
  64. 64
    إنني لا أصدق .. الشمس جميلةوالنوافذ تلعب مع بعضها كالخراف في المرعى
  65. 65
    أن ابنتي تحبو الآن في الأفقتسيل كالماء على العتبة
  66. 66
    أريد أن ألتهم تلك الطفلةوأدفنها في أحشائي كالسر.
  67. 67
    أريد منجلاً يحصد كل هذه العيون الزرقيختاً بربرياً يقلني وطفلتي إلى قبر رصاصي وراء البحار
  68. 68
    حيث القمر يسطعوالنعاس يسيل مع الأحلام من زوايا العيون
  69. 69
    اقبروا أطفالكم جميعاًمزقوهم كالعملة الزائفة
  70. 70
    ابعدوا رؤوسكم قليلاً أيها الزنخون كالوحلدعوا الهواء الأزرق يمر
  71. 71
    يصفر في الأدراجإنني أرى سحابة تترجل من النافذة
  72. 72
    قرية صغيرة بحجم الطفل تقترب منيقرية خضراء كاملة بكل حقولها وأعراسها وطيورها
  73. 73
    تحط على ياقتي كالفراشةآه الصيف الصيف يا رفاق
  74. 74
    الكلمات لزجة، البنادق لزجةإن أردتم النصر
  75. 75
    أو الأيام القديمة ماذا أفعل؟أطلق رصاصة صغيرة في رأسك
  76. 76
    ثقب صغير كفتحة الأنفينقذ شعباً برمته
  77. 77
    من الشوق والتلعثم وجر الضحايا من الشوارب.أصغِ إلي يا طاغية
  78. 78
    دمك ليس دماً فينيقياً أو عربياًورأسك الأصلع لا يحمل التاج الذي رويناه
  79. 79
    نريد رأساً مجوّفاً تجلس عليه أمة بكاملهاجلدك الأملس ذو المسام المستوردة
  80. 80
    والذي لم يتسخ ولم يجلد في حدائق الوردلن يعبره هواء المنفى
  81. 81
    لست جائعاً يا مولايعيناي رغيفان زرقاوان
  82. 82
    إنني أحترمك كرجل غاضب فقد أشياء عزيزة بلا معنىفقدتُ الطيش والكبرياء
  83. 83
    والنهدين الوحيدين اللذين لي في هذا العالملقد تركت معدتي وأظافري وكبريائي في مراكز الاستعلامات
  84. 84
    وصعدت السلالم بإعياءبين رؤوس حليقة يغطيها الندى لأحدثك عن مرارة الفم في الصباح
  85. 85
    عن الياقات اللزجةوالفقر المتمسك بي كالخناق
  86. 86
    دع عيوننا تلتقيلا كأعداء منبوذين
  87. 87
    بل كأعداء شاهري السلاحفي الزرائب والوديان المشجرة
  88. 88
    حيث لا أرصفة تعرفنيولا شمس تصفع السلاح
  89. 89
    حيث لا نرى غير وميض الأساور وآلات الاختزالالأميال الطويلة التي اخترقناها تحت جنح الظلام
  90. 90
    لم تعد طويلة أبداًولم تعد قصيرة أبداً
  91. 91
    إنها قبور مشمسة لا شواهد لهاعظام نتنة لأبطال مقهورين
  92. 92
    ماتوا وفضلات الطعام بين أسنانهموحزم النقود تلمع في جيوبهم وأحشائهم
  93. 93
    لا جوعاً ولا طيشاًوإنما من أجل الكلمات الصعبة والمنقّاة
  94. 94
    من أجل الحبكة القصصيةوالغيوم التي تساق بالسياط نحو المزارع
  95. 95
    عظام الحضارة كلهاعظام الموت والكفاح والشكيمة
  96. 96
    تتفتت كلها وتذوي كورق الصفصاف المشتعل.أيتها الحبيبة والمفدّاة
  97. 97
    يا بواخر الشرف التي لا مرافئ لهانعرف أنك أبية لا تطلبين النجدة
  98. 98
    لو مزقوا أجسادنا بعدد نجومكلو شطروا أطفالنا كالإسفنج
  99. 99
    ونشروا دماءهم على مطالع الكتب والتماثيللن نحونك يا حبيبة
  100. 100
    أبداً من خلف الشوارع والنجوم والأدغالمن خلف البكارات الرطبة والدموع الزرق
  101. 101
    سنرقب طيورك وقراك المزوبعة كأوراق الصحف في الشارعسننغرس على حدودك كالكلابات.
  102. 102
    أيتها العجوز الراقدة بثيابها وحذائها وتجاعيدها ومفاتيحها في حزامهاألم تشتاقي لطفلك العجوز البعيد؟
  103. 103
    إنني جائع يا أميمن عروة القميص أرى أطراف أحشائي.