أبدية بلا نهاية
غادة السمان58 بيت
- 1قصف ... قصف ...◆هات قطناً وكحولاً طبية وشاشاً ،
- 2هات جبيرة ،◆لنلفّ بها ساق الشرفة البحرية المكسورة.
- 3هات تعويذة ،◆نرد بها غضب الأسلاف والأجداد .
- 4هات إبرة وخيطاً ،◆لنرتق جرح القلب والكبرياء .
- 5وحكِّم "مكمورة" الأطفال و "القجة"،◆لنستخرج منهما جزيرة الحلم ،
- 6ونهرب إلى أفيون ذكريات الآتي ...◆لقد اصطفى الحزن هذه المدينة ، و صوّت لها الموت
- 7بالإجماع...◆ها نحن نرتعش ذعراً داخل أكياس الرمل، والقصف يزلزل
- 8يفخّخ جماجمنا من الداخل ثم يفجّرها...◆نحلم بملمس العشب البرّي على الشاطئ...
- 9نعلن بكبرياء الندم: أولئك الذين كتبناهم بالمحبة كرسائل◆العشّاق المراهقين ، خرجوا من أحلامنا جلادين .. .
- 10وها هم يعربدون في ثقوب قلوبنا،◆يتّخذون من صماماتها متاريس لعبهم ...
- 11لقد غدروا بنا يا صديقي...◆حبلنا منهم بالأحلام الكاذبة، فولدنا الفقاعات والرماد...
- 12تعثّرنا بقلوبنا.. ولكنني أقسم بدمك - ذاك الذي يسيل◆بهدوء حتى البالوعة - وأقسم برأسك المقطوع العائم في سواد
- 13الملجأ بلا جسد: لن نستسلم لكرنفال غسيل الذاكرة...◆قصف... قصف...
- 14وأنا تعبتُ من نظراتٍ غامضة...◆تتهدد بالشرّ والوعيد كالأزقة الخلفية المعتمة...
- 15تعبتُ من وطن يسلبني حق التصويت...◆يمنحني فقط "حق الذبح": أن أكون ذبيحة!
- 16لي أن أختار بين أن أكون ذبيحة أو أنضم إلى فريق◆الجزّارين...
- 17أنا لا أريد أن أَقتل ولا أن أُقتل...◆أريد أن أحيا تحت سماء صافية حتى من غيومها، بعيداً عن
- 18هباب البارود فوق البراعم...◆هل تذكر يا صيديقي أيام كان رجال شرطة السير يحررون بك
- 19مخالفة بدلاً من مسلحين غامضين، يعتبرون حياتك "مخالفة" لا◆تُغتفر... ويسوقونك إلى الذلّ الإجباري كل ليلة؟
- 20هل تذكر مرحنا في شوارع مضاءة لم يكن اسمها "نقاط◆وكيف كنا نتدفق إلى البحر في شواطئ لم تكن "مواقع
- 21استراتيجية"؟ وكيف كنا نصافح جارنا ونسأله عن صحته بدلاً من◆دينه وملّته وطائفته وأمير حربه وذخيرته؟
- 22كيف تركناهم يسرقون منا أحلامنا ، وأكبادنا، ليشحّموا بها◆أسلحتهم وجنازير دباباتهم ؟
- 23كيف رضينا باستبدال رمال الشواطئ بأكياس الرمل في◆كيف تركناهم يقصّون زيتوننا العتيق ويبيعوننا إياه كوماً من
- 24التوابيت بدلاً من سرير عرس؟◆كيف لزَّمناهم مزايدة "العدالة الاجتماعية" ، فأسلمونا للحزن
- 25بين القصف والمجاعة؟◆هل تتذكر أيام كان الفرح نضراً كخسّة وبريئاً كالكرز، وكنا
- 26نريده أن يعمّ الجميع وصدّقناهم؟◆هل تتذكر أيام كان المشي في الشوارع لا يُعتبر تهمة زنا مع
- 27الفرح والحرية؟◆هل تذكر كيف كان الأطفال يذهبون إلى المدارس دون أن
- 28ترافقهم "مارشات" القذائف هدية من "ماريشالات" الدمار؟◆حذار من الذاكرة مرة،
- 29وحذار من النسيان ألف مرة...◆قصف...قصف...
- 30ولكنني لن أنسى كيف احتضنتني بيوت القرميد في تلك◆التلال والشواطئ...
- 31لن أنسى كيف سندتني جبال الصوان واحتواني كفّ البحر◆لن أنسى كيف انفتحت لي الحقول والقلوب ككتاب، وحنت
- 32السراخس وأعشاب الليل على جرحي...◆لن أنسى كيف أحاط بي دفء الطيبين واحتوى أبجديتي
- 33كالرحم، وكنت متوحشة كنبع ارتوازي، وبريئة كنبع لا يد له في◆لبنان، الكلمات إطارات نجاة مثقوبة في بحار حبك
- 34المضطربة... فماذا أقول وأنا سمكة كان بحر بيروت لها محبرة◆من ينسج هذا الحنين إليك في حنايا روحي أيها البعدي القريب؟
- 35لم أعدْ أعرف، هل أشتاقك، أم أحب نفسي كما كانت في◆أأحنّ إليك، أم إلى وطن عشناه معا وكان إمكانية تعايش
- 36عادل بين الطوائف... خطوة نحو المحبة أي حضارة إنسانية؟!◆أما زلتُ أحبك حقاً ، أم أحبُ عبرك ذلك الحلم ، وتلك
- 37الساعات الهاربة إلى المستحيل؟◆قصف...قصف... تسعل الجبال ناراً وتبصق حمماً...
- 38وترتجف جدران قلوبنا وتتهدم قبل ولوج الملجأ...◆الذين صدّقناهم حين اقتطعوا لحمنا وقالوا قضيّة، جعلوا منا
- 39فمن يعلّمني، كيف أزغرد في عرس قاتلي؟◆وكيف أجفف بإسفنج الخوف،
- 40دم المذابح، وأتغزل بالسكاكين المحدقة بي؟◆من يعلّمني،
- 41كيف أرحِّب بالمشانق في الديار، وأصفّق لقرار نفي◆فلتسطعْ شمس الصدق المميتة فوق الحريق، ولتشهدْ على
- 42روح تنصهر عشقاً لبردى وشط العرب والبحر الأحمر والأبيض◆والنيل والبردوني من محيط القلق حتى محيط الظلمات..ز
- 43ولتظل اللغة خادمة لإله الصدق لا لأرباب الحرب ودماها◆وأُمراء الخراب...
- 44أربعة عشر عاماً ولم يخجلوا... وهم يجلسون تحت◆القرميد ويتشاجرون على حكم البيت بحجة إصلاحه.. وما
- 45زال الشجار مستمراً رغم أن البيت تداعى بأكمله واحترق ولم يبقَ◆ثمة ما يقتسمونه غير جمهورية الحزن والرماد والجثث التي ماتت
- 46ولكنها لا تزال تركض بين الملجأ والمستشفى والمقبرة كالدمى◆المتحركة...
- 47أحفاد لعنة أوديب العربي، أولئك الحمقى الذين يتعاقبون◆على قتل أبيهم منذ أربعة عشر عاماً، ما الذي سيفعلونه الآن وهو
- 48يلفظ أنفاسه بين أيديهم الملوّثة بدمه؟◆تباركت الذاكرة العنيدة كحمار:
- 49أذكر أننا كنا ننادي في شوارع بيروت بفلسطين والحرية◆فصرنا لا ننادي اليوم بغير اللقمة والاستحمام والنوم ووقف
- 50القصف... هكذا تقضي المؤامرة الشاسعة...◆أيها الهواء الذي يختنق مثلي، ساعدني...
- 51أيتها النوافذ التي تتحطم فوق رأسي، ساعديني...◆أيتها المرأة التي تلفظ أنفاسها عند عتبة الملجأ وتبدو لا مبالية
- 52بشيء، ساعديني... كي أرضى بأن أموت مثلك ضحيةٌ، بلا◆قضيّة، مجرد مطيّة...
- 53قصف... قصف... وأنا في الملجأ أتظاهر بالنوم كي لا◆يسألني أحد عن الساعة فأنفجر باكية...
- 54أتابع سقوطي في تلك البئر كالريشة وأتأمل في الوقت ذاته◆ارتطامي بالجدران...
- 55قصف... قصف... متى ينجزون تدمير المدينة ويدعوننا◆متى ينجزون سلخ جلدنا، واستئصال حناجرنا، وغسيل
- 56ذاكرتنا كي نستعيد دمنا المختبئ في الخوابي، ونغادر علب◆المعلّبات المعدنية التي انغلقت علينا منذ أربعة عشر عاماً؟
- 57متى يترجّل البكاء عن أحصنة الارتجاف الأخرس وينام بسلام◆على وسائد التنهُّد؟
- 58
قصف على الذاكرة... قصف... وكلنا مطيّة، فماذا كانت