الله و الشاعر
علي محمود طه156 بيت
- العصر:
- العصر الحديث
- 1لا تفزعي يا أرض : لا تفرقي◆ما هو إلاّ آدميّ شقي
- 2سمّوه بين النّاس بالشاعر◆و لا تضلّيه و لا تنفري
- 3و رقرقي الأضواء في جفنه◆و أمسكي يا أرض عصف الرّياح
- 4و الرّاعد المنصب في أذنه◆و تقرأين الآن في صمته
- 5تمرّد الرّوح على ربّه؟◆و في وقفة الذّاهل ألقى عصاه
- 6كاّنما يرقى الدّجى ناظره◆يستشفّا ما وراء السّماء
- 7و يستثير البرد في لفحه◆أنت له يا أرض أمّ رؤوم
- 8وردّدي شكواه بين النّجوم◆ما هو إلاّ صوتك المرسل
- 9قد آده الدّهر بما يحمل◆يا للصّدى من قلبه الناطق
- 10مضى يبثّ الدّهر في خفته◆شكاية الخلق إلى الخلق إلى الخالق
- 11ما أنا إلاّ آدميّ شقي◆طردتني بالأمس من جنّتي
- 12حنانك اللّهم لا تغضب◆أنت الجميل الصّفح جمّ الحنان
- 13و منك يا ربّ أخذت الأمان◆ما أنا بالزّاري و لا الحاقد
- 14لكنّني الشّاكي شقاء البشر◆و هيكل الجسم كما تعلم
- 15ذاك الضّعيف الرّأي لم يفعل◆إلاّ بما يوحي إليه الدّم!
- 16يعرق حدّ السّيف من لحمه◆و يحطم الصّفوان بنيانه
- 17و ينخر الجرثوم في عظمه◆و منه ينمي القبر ديدانه
- 18ما هو إلا كومة من هباء◆تمحقه اللّمسة من غضبتك
- 19فكيف يثني الرّوح عمّا تشاء؟◆و كيف يقوى؟ و هي من قدرتك؟
- 20روحك في روحي تبثّ الحياة◆و مثلما قدّرتها صوّرتها
- 21فروحك الصّوت و روحي الصّدى◆طبيعة في الخلق ركبتها
- 22و ما أري لي في بناه يدا !◆صافي و روحي ما صفت جوهرا!
- 23أو لا ؟ فما للخير لم يثمر◆فيها ؟ و ما للشّر قد أثمرا ؟
- 24تقول روحي إنّها ملهمة◆فهي لما قدّرته متبعة
- 25مقودة في سيرها مرغمة◆و إن تراءت حرّة طيّعة
- 26تضجّ بالشّهوة فيه الجسوم◆كلاهما في حبه الآثم
- 27تبدي به الأجسام سحر الحياة◆نواعس الأجفان حوّ الشّفاه
- 28و لم أكن أوّل مغرى بما◆أغرت به حوّاء آدما
- 29ميراثه ينتظم العالما !◆فأنت قدّرت عليّ الشّقاء
- 30من حيث قدّرت عليّ النّعيم◆و ما أرى !! هل في غد لي ثواء
- 31بالخلد ؟ م مثواي نار الجحيم؟◆ما أثمت روحي و لا أجرمت
- 32و لا طغى جسمي و لا استهترا◆ما كان إلاّ مثلما كوّنا
- 33فاستكبر الطّبع و ما أذعنا◆أمنذري أنت بيو الحساب ؟
- 34و لائمي أنت على ما جرى ؟◆رحماك: مايؤضيك هذا العذاب
- 35لطيّع لم يعص ما قدّرا !!◆ما كنت إلاّ مثلما ركّبت
- 36غرئزي ، ما شئت لا ما أشاء◆و إن تكن ممّا جنته براء !
- 37و فيم تجزى ، و هي لم تأثم ؟◆ألست أنت الصّائغ الطّابعا ؟
- 38ألم تصغها عنصرا عنصرا ؟◆من أين ؟ ما علمي ؟ و أنت العليم !
- 39جبلتها يوم جبلت الثّرى◆من عالم الذّر و دنيا السّديم
- 40الخير و الشّر بها توأمان◆و الحبّ و الشّهوة في طبعها
- 41حوّاء و الشّيطان لا يبرحان◆إليه دنياه و ماذا يكون !
- 42من حيرة الفكر و هجس الظّنون !◆بين يديّ ذي مرّة يبسمون
- 43يسوقهم في فلوات اللّيال◆أخرسه السّوط الذي يرهف
- 44و إن هوى للأرض منهم جريح◆أنهضه في قيده يرسف !
- 45من قسوة الدّهر و حور القضاء◆ما أنت إلاّ موبق الأبرياء !!
- 46أفي سبيل العيش هذا الصّراع ؟◆أم في سبيل الخاد و الآخره ؟
- 47و هؤلاء البائسون الجياع◆تطحنهم تلك الرّحى الدّائره ؟؟
- 48ما ذنب هذا العالم الثّائر ؟◆إن حاول الإفلات من آسره ؟
- 49أسعد حالا منه في حاضره !!◆بالماجن الرّوح و لا الهائم
- 50لو جرت بالصّفو أيّامه◆ما كان بالزّاري و النّاقم
- 51رأى بعينيه المصير الرّهيب◆و كيف غال النّاس من قبله
- 52و كلّ يوم للمنايا عصيب◆يسوقهم للموت من حوله !
- 53فحقّر الدّنيا و أزرى بها◆و قال: مالي أنكر الواقعا ؟
- 54فلتسعد النّفس بأنخابها◆من قبل أن تلقى الغد الرّائعا !
- 55أيصبح الإنسان هذا الرّميم ؟◆و الجيفة الملقاة نهب التّراب ؟
- 56أيستحيل الكونهذا الهشيم◆و الظّلمة الجاثم فيها الخراب ؟
- 57لمن إذا ابتدع تلك العقول ؟◆أفي الرّدى تدرك ما فاتها ؟؟
- 58أم غد تثوي بتلك الطّلول◆و يستحق الدّهر يواقيتها ؟؟
- 59و آسفا للعالم البائد◆ليس له ممّا يرى مهرب
- 60على رنين النجل الحاصد◆مضى يغنّي ... و هو لا يطرب !!
- 61من نكد الدّنيا و ضنك الحياه◆و أوله العطف الذي أمّلا
- 62فإنهأولى بعطف الإله !◆ماهي إلاّ لحظات قصار
- 63تمرّ مثل الومض في عينيه◆فإن مضى اللّيل و جاء النّهار
- 64عاوده الخالد من حزنه !◆و ما أتى الغيّ ليعصي الإله
- 65يوما، و لا كان به مغرما◆لك لينسى شقوات الحياه
- 66و سرّها المستغلق المبهما !◆يا للشّقيّ القلب كم سامه
- 67توهّم النّعمة ما لا يطيق◆بأنه ذاك الخليّ الطّليق
- 68إنا الذي ترسل أنغامه◆قيثارة القلب ، و ناي الفم
- 69و من لهيب الرّوح هذا القلم◆ملأت منه صفحات اللّيال
- 70الشّاعر الباكي شقاء المبشر◆فجّرت بالرّحمة ألحانه
- 71فاملأ بها يا ربّ قلب القدر ّ◆ما الشّاعر الفنّان في كونه
- 72إلاّ يد الرّحمة من ربّه◆و حامل الآلام عن قلبه
- 73عزاؤه شهر به أهزج◆إلاّ على قيثارة الشّاعر
- 74يا ربّ ما اشقيتني في الوجود◆إلاّ بقلبي : ليته لم يكن
- 75في المثل الأعلى و حبّ الخلود◆خلقته قلبا رقيق الشّغاف
- 76يهيم بالنّور و يهوى الجمال◆حلت له النّجوى و لذّ الطّواف
- 77بعالم الحسن و دنيا الخيال◆على جنان ذات ظلّ و ماء
- 78أطلقته فيها قبيل الصّباح◆و قلت : غنّ الأرض لحن السّماء
- 79فهام في آفاقها الواسعة◆النّور يهفو حوله و النّدى
- 80مصفّقا للضّحوة الساطعة◆و منشدا ما شاء أن ينشدا
- 81أن جاء صيف أو تجلّى ربيع◆و كم خريف من نشيد بديع
- 82تظلّ ترويه ليال الشّتاء◆قيتارة تصدر في فنّها
- 83عن عالم السّحر و دنيا الخفاء◆يستيقظ الفجر و يغفو المساء
- 84مشت على الأنغام أمواجها◆و الأرض قيد النّشوة المسكره
- 85في ليلة شرقيّة مقمره!◆يشدو فتملي النّفس أسرارها
- 86عليه فهي اللّحن من عزفه◆و الأرض سكرى من عبير الزهور
- 87حلى حصاها رنّم الجدول◆و في روابيها تغني الطّيور
- 88ما خبأته النّظرة العاجلة◆لو لم تشبه اليقظة القاتلة!
- 89تهفو القمارى حوله شادية◆في ضفّتيه باسقات النّخيل
- 90ترعى الشّياه تحتها ثاغية◆فهاجت النّظرة ممّا رأى
- 91في قلبه السّحر و في عينيه◆كانّه الفردوس في أمنه
- 92من فتنة الدّنيا و من سحرها◆ما كان إلاّ ريثما حدّقا
- 93حتى جلت دنياه عن سحرها◆الذّئب و الشّاة، و حرب البقاء
- 94ما عرف القتل و لا أبصره◆و لا رأى من قبل لون الدّماء!
- 95و صيحة المقتول و القاتل◆و ضاع صوت الحقّ في الباطل
- 96و بعد ساعات يولّي النّهار◆و يقبل اللّيل و ما يعلم!
- 97سيلبث السّر وراء السّتار◆و يختفي الشّلو و يمحي الدمّ
- 98فروّع الشاعر ممّا رآه◆و هام في الأرض على وجهه
- 99أين ترى يا أرض يلقي عصاه؟◆و أيّ واد ضلّ في تيهه؟
- 100حتى إذا شارف ظلّ الشّجر◆في روضة غنّاء ريا الأديم
- 101قد ضحطت للنّور فيها الزّهر◆و صفّقت أوراقها للنّسيم
- 102إختار في الظّل له مقعدا◆قي ربوة فاتنة ساحرة
- 103أذاب فيها الشّفق العسجدا◆و ناسمتها النّفحة العاطرة
- 104بينما يملّي العين من سحرها◆إذ أبصر الصّلّ بها مطرقا
- 105قد انتحى الأطيار في و كرها◆فسامها من نابه مبقا
- 106هل سمعت أذناك قصف الرّعود◆في صخب البحر و عصف الرّياح؟
- 107في فزع الموت و هول الكفاح◆إن كنت لم تبصر و لم تسمع
- 108ما بين ميلادك و المصرع◆ما بين نابي ذلك الأرقم !!
- 109جريمة الغدر و سفك الدّم◆يا لجّة كلّ إليها ظمي
- 110قد جاز طوفانك شمّ القنان !◆من علّم الوحش الأذى و القتال؟ من بثّ فيه الشّر و ألهمه؟
- 111و الحيوان الغدر من علّمه؟◆الماء و الطين به يشهدان
- 112يا ضلة الشّاعر أين النجاة و أين اين المنزل الآمن ؟◆طالعه من الرّدى الكامن؟
- 113حتى إذا ضاقت عليه السبل◆و عزّ في الأرض عليه المقام
- 114ما كان إلاّ حلما كاذبا◆أفاق منه مسطير الجنان
- 115و الشّهب نار و الدّياجي دخان◆كأنّما طاف عليها المنون
- 116كأنّما النّاس بها يحشرون !◆ثمّ استقرّ العالم الثّائر
- 117و أقبل النّور وولّى الظّلام◆وا عجبا ممّا يرى الشّعر
- 118كأنما أمسى بوادي الحمام !◆إلاّ بقايا رمّة أو حجر
- 119أبكي الحاضرات و أرثي الفنون◆و كنّ بالأمس مثار الفتون
- 120أتى على اليابس و الأخضر◆الموج و النّوء و سيل الحمم
- 121يا رحمة الله اهبطي و انظري◆ما حصد الموت ودكّ العدم !!
- 122أيستحق النّاس هذا العقاب ؟◆أم حانت الساعة من نقمتك !
- 123إلا رجاء الغوث من رحمتك ؟◆عن آخر الصّيحات من رعبها؟
- 124إيماءة الشّكوى إلى ربّها !◆و هذه الأعين نهب العفاء
- 125محدقات في نواحي السّماء◆تشهدها هذا الأسى و الألم!
- 126و هذه الأيدي تحوط الصّدور◆كأنّها في موقف للصّلاة
- 127ضراعة ترسمها للإله !◆ما عرفوا من صعقات الرّدى
- 128إلاّك من غوث و من منجد◆و لا سرى في الأرض منهم صدى
- 129إلا و دوّى باسمك الأمجد !◆للعالم الذّاكر إمّا نسي ؟
- 130بهنّ قلب الفظّ و الأشرس ؟◆أم موجة الطّهر التي تغسل
- 131مآثم الكون و تمحو أذاه◆فحسبنا آلامنا في الحياة !!
- 132يوم احتوى الأعلام طوفان نوح !◆إذا فما للناس َضلّو الهدى ؟
- 133و أخطؤا اليوم سبيل الرّشاد؟◆فأغرق الخير و نجّى الفساد !!
- 134يا ليته لما دعا بابنه◆و حالت الأمواج أنّ يسمعا
- 135فلم يرى الجوديّ لمّا دعاّ !!◆يا أرض ولى عهد نوح وزال
- 136فمن لك اليوم بطوفانه ؟◆مسكينة تطوين بحر اللّيال
- 137قد عزّك المرسى بشطئانه !◆شوقا إلى فردوسك الضّائع؟
- 138غرّرت يا ارض بما تحملين◆و ابقبي كما أنت على موّجه
- 139تمزق الأنواء منك الّشراعا◆يقذفك التّيار في لجذه
- 140سلي القداسات و أربابها◆ضراعة تصغي إليها السّماء
- 141أو فاطرقي في البثّ أبوابها◆لعلها ترفع عنك الشّقاء؟
- 142يا أيّها الغادون الرّائحون◆في شعب الأرض و ليل الهموم
- 143و الشمس حيرى فوقكم و النّجوم !◆مدّوا لها الأيدي و ولّوا الجباه
- 144و أرسلوها صيحة واحده◆قولوا لها : يا من شهدت الحياه
- 145من أين تلك النّظرة الجامدة ؟◆من أين تلك النّظرة الهادئة ؟
- 146أم أنت يا أعين لا تبصرين ؟ !◆فما عرفت الحزن و الأدمعا ؟
- 147يا أيها النّاس اضرعوا للسّماء◆قد آن أن تصغي و أنّ تشفعا !
- 148هاتوا الأزاهير و هاتوا الغصون◆و كلّ ما يحلو و ما يجمل
- 149قد آن أن تفضّوا بما تشعرون◆فاشعلوا النار بها أشعلوا !!
- 150مجامر النّار و ألقوا البخور◆و صعّدوا في ذلة الضّارع
- 151أحبب بها من أنّة عاطرة◆أصداؤها الرّفافة الحئرة
- 152في وجهها الآفاق لا توصد !!◆أنكرت صوتي و هو من قلبك
- 153لا تفرقي مني و لا تفزعي◆من شاعر شاك إلىربّك
- 154أيّتها المحزونة الباكية◆لعل من آلامك الطّاغية
- 155إذا دعوت الله من منفذ ّ!◆فابتهلي لله ، و استغفري
- 156و قدّمي التوبة ، و استمطري◆بين يديه عبرات النّدم !!