الخروج من البحر الميّت
عزالدين المناصرة122 بيت
- 1كعشب البراري أنا،◆نديٌّ كتفاحة الغيم، أسبحُ ﻓﻲ لُجَّةِ الكهرباءْ
- 2حنونٌ كوحشة طفلٍ، رأى أمَّهُ الغائبة◆تشعلق ﻓﻲ ذيل ثوب الحزينةِ، فانكمش الأرجوانْ
- 3على قبَّة الصدر، واندلع الأقحوانْ◆على ساحل النهر، شفتُ طيوراً تنام.
- 4رأيت قطيعاً من الحور، كدتُ أقولْ:◆نساءُ أثينا اغتسلن على العين مثل العناقيدِ،
- 5قرب غيوم الصباح◆ركضن ﺇﻟﻰ طاولات المصيفِ،
- 6اقتلعنَ الأسى من جبين الكلام.◆ﻭﻟﻢ يكن البحر منتبهاً لأغاني الحمام
- 7رأيتُ المدى زرقةً مثل فتنةٍ راعيةٍ،◆ﻓﻲ سهول الشآمَ.
- 8تلاحق أغنامها الشاردات من الطخِّ،◆فراشاتُ قلبي، حصى الماء ﻓﻲ الليلِ،
- 9بلّلهُنَّ الحبورْ◆رَماهُنَّ سيلٌ ﺇﻟﻰ الرمل قبل الهجير
- 10توسَّدْنَ ساقيةً، ثمَّ ناغشن سرب يمام◆توسَّدن بحَّةَ هذا المغنّي الجريح
- 11أراهُنَّ قرب نجيل المساء◆يُبايعن غزلانَ بريَّة الله / ثمَّ جلسن هنا /
- 12على شاطئ البحر مثل زجاج الخليل.◆كوديانك المعشبات، موشَّحةً بالدماءْ
- 13كوجهكِ لو كنتِ ناطورةً للكرومْ◆كعصفورةٍ ﻓﻲ السواقي تحومْ
- 14أراني أطاردُ رائحة القافية◆أراني كنقشٍ قديمْ
- 15أُغربل شمسي على التلِّ، علَّ الغيومْ◆تُطاوعني مثل أرنبةٍ من بياضْ
- 16أسافر ﻓﻲ سفن الملح نحو الرمادْ◆ﺇﻟﻰ طبقات الرخام
- 17أسافر ﻓﻲ قارب الرحم نحو السدودْ◆أُغطّي شجيرات هذا الرصيف الأنيقْ
- 18سأحلم يا لعنة اللّذة النائمة◆وأنت مُلَوَّحَةُ الخدّ، سمراء، عاريةُ الرأسِ،
- 19مفتولةُ الشَعْر ِ◆تجرين تحت السماءْ
- 20كأنكِ سلطانةُ البحر، جمرةُ هذا الفراقْ◆تبوسينَ أقدام هذا القتيلْ.
- 21سمعتكِ قبل انحسار الغيوم، وقبل جفاف العيونْ◆سمعتكِ قبل خروج الظباء من الوكر ﻓﻲ الفجرِ
- 22ﻓﻲ الصخر، عند مسيل المياه◆يُراقبن من هامش الليلِ، زلزالَ هذي المتون.
- 23لا، لن يكونْ◆رحيلك كالبحر كالشمس مثل رحيل المطر
- 24تعودين عبر الشرايين قبل أفول القمر◆تعودين مثل الحمام ﺇﻟﻰ بيتك الأخضر الأبديّْ
- 25وبين جزائر هذا الزمان الخؤونْ◆تقيمين عُرساً لأبنائك الطّيبينْ
- 26تقيمين عرساً لأبنائك السُمْر، جاءوكِ◆من صخر هذي الجبال الصَبيَّة قبل هبوط السكونْ.
- 27رحيلك، لا لن يكونْ◆ولن يأكل البحر أطرافك الحجريَّة، والمصطبةْ
- 28سأحلم يا لغةَ الأولين.◆سأحلم يا أيّها الأكحل البدويُّ الصديقْ
- 29سأحلبُ نهد صنوبرةٍ رائعة◆سأشرب نبعاً بكامله،كي أُفيقْ
- 30من الغفوة المُرعبة◆فَبَيّضْ سَماركَ بامرأةٍ متعبهْ
- 31وجَهِّزْ لكنعانَ بيرقه بعد هذا الرقاد العتيقْ◆ليشعل ألوانه الأربعة.
- 32- اللون الأزرق ... لا◆إلاّ إن كان الأزرق مفتوناً بالفتنة ﻓﻲ الأسواقْ
- 33اللون الأحمر ... لا◆إلاّ إن كان الأحمر قرميداً أو حجراً
- 34ﻓﻲ طين الأعماقْ◆اللون الأسود ... لا
- 35إلاّ إن كان حريقاً لفتات البركانْ◆لستُ الصَّدفَةَ، حتى أصبغ وجهي بالألوان.
- 36طينةُ وجهي من حجر الصوّان الأسود ﻓﻲ الوديانْ◆شلاّلاتُ شراييني مرجانْ
- 37الشعر النابت ﻓﻲ صدري،◆ﻓﻲ صدغي ﻓﻲ الساعدْ
- 38فلقد أعلنت على رأس الشاهدْ،◆ملعونٌ من يسمع قهقهة الجانْ.
- 39هل تعرفني يا هذا◆إني من هذا الرمل الأصفر
- 40إني من هذا الطين الأحمر◆ﻓﻲ هذا البحر الميت أحيا كالدوريّ البدويِّ العطشانْ
- 41أشربُ كأسَ نبيذي من وجع الدالية الشقراءْ◆أعصرها، أستنشق عطر الأجدادْ
- 42أتمزمز بالليمون مع الحجل المشويّْ.◆ﻓﻲ غابة بلّوط تتراكض فيها غزلانٌ ووعولْ
- 43أرسم ألوان حبيبي المعلومْ◆قلبي من هذا البحر الولهانْ.
- 44اللون الأخضر ... لا◆تلك مفاتيح الشِعْرِ المغمورْ.
- 45ﻓﻲ قاع البحر الظمآنْ◆سأعيد العاصفة النائمة على صمت مكاتبها
- 46ألقيها ﻓﻲ خطّ النار◆كيما تتحرر من أسر العارْ
- 47لن أصبغ وجهي بالألوان المختلطة,◆حتى لا يدهمني طيرُ الوِرْوارْ
- 48وجهي من هذا البحر المخمور◆قلبي من هذا الزمن السكرانْ
- 49الأبيض لوني – إن عُدت وحيداً كالنجمة◆أو عدت كبفت الموتى
- 50سأكون وحيداً ﻓﻲ شُرُفات مطارات المنفى◆سأعيد ﺇﻟﻰ الألوان، ربيع الألوانْ
- 51يا سينات الحلم، ويا الوعد المقهور.◆- العالم يبدأ من إشراقة قلبي:
- 52(بردى) سوف يصبُّ قليلاً من دمه ﻓﻲ كأس اليرموكْ.◆النهر المنشطر الروح يصبُّ قليلاً من مطر الصيفِ،
- 53على بئر السبع العطشانْ.◆البحر الميّت، سوف يرشّ الملح على مائدة الشام.
- 54القدسُ تصاهر بيروتْ.◆بيروتُ توزع بسمات تسامحها ﻓﻲ كَرْكوكْ.
- 55شجر الغوطة يرقص مُنْتَشِيًا ﻓﻲ عمّانْ◆تلك التفعيلةُ من قَصَبِ،
- 56وﻟﻬﺎ صوتٌ رنّانْ◆طعمُ عصير الرمَّانْ
- 57أما فعلنْ، فانظُرْ ﻓﻲ شعر فسائلها◆تتناسل ألواناً خلف الألوان.
- 58مريمُ تنتشر قلائدَ من صَدَفٍ حول الأعناق.◆ثمَّ توحّدُنا ألوان الروحْ
- 59مشروخٌ قلبي،◆الضِلْعُ كسيرٌ،
- 60الصمتُ ندوبٌ وجروحْ.◆- ولكنني ساطعٌ مثل عشب السطوحْ
- 61وإن جعتُ ... لكنني لا أبوحْ◆سوى للجبال التي أشعلتْ نارها
- 62وللموج للرمل يا سيّدي يا تراب◆كعشب السطوح أنا،
- 63ولكنني ... لا أبوح.◆- تقول البراري
- 64ﺇﻟﻰ مطلع الفجر، وهي تقولْ◆أتيتكِ ... لو تسمعين العويلْ
- 65عويلَ المدائنِ غارقةً ﻓﻲ صهيل الخيولْ◆أتيتك ﻓﻲ النوم – طيفاً عزيزاً عليك،
- 66ولو ﻓﻲ المنام، أجيءْ◆أزور الأحبةَ ﻓﻲ الحلم كالحلم، أقرع باب الذهولْ
- 67وقالت وقالت وقالتْ◆بكت عندها، وحكت أنّها، قد رأتْ أهلها الغائبينْ.
- 68ﻭﻟﻢ ترتشف شفطةً من حليب الأرقْ:◆ينام وحيداً، ويصحو وحيداً، ويبكي وحيداً،
- 69يقهقهه من فرط غربته، ليشدَّ الجناحْ◆وتبكي الخرائب من صحوةٍ كالرقادْ
- 70أتيتك ﻓﻲ ليلةٍ مُرَّةٍ كاحتراق الفراقْ◆وكنت أقصّ عليك حكايا المدائن بعد الغَرَقْ
- 71وأحكي عن الشجر المحترقْ◆يعانق نرجسة النبع بعد العناقْ.
- 72وعن قمر الشام كان مُحاقا،◆فصار زُقاقاً، فدربا ... وصار طريقا
- 73ولمّا بلوتُ الليالي رماني◆ﺇﻟﻰ جزر الصمت فجراً،
- 74وصرت زماناً لقيطا.◆وقال: أعود سحاباً وخمراً وخبزاً لكمْ ﻓﻲ الشروقْ
- 75أعود لكم ﻓﻲ عروق الصخور.◆- إذن صرتُ طفلاً عجوزاً يسابق حكمتك البكر،
- 76فوق الحصانْ◆إذن صرتُ شمساً ترى قاع بحر الأمانْ
- 77إذنْ صرت فوق جبينكِ تاجْ.◆كقطيع الغنمات البيض المذعورات من الذئب المذعورْ.
- 78يتوالى الزَّبَدُ الأبيضُ، موجاتٍ من صحْوٍ، يعلو◆موجاتٍ، تهبط أو تتوارى أو تنعسُ مثلَ
- 79يماماتٍ خلف الصخر الوهّاجْ◆كنّا نتسلّق أعمدة الضوء البحرية
- 80ونرشُّ الملح على الموتى، نخلطه بسناج◆قيل لنا: إنَّ العاصفة الغربية
- 81ستجيء لتحرس أطراف البحر الشرقيْ◆لكنَّ المدن الغارقة الفضيّةْ
- 82شَقَحتْ نجماتِ الأهل بسكين◆الريح الشرقية غضبتْ
- 83قَلَبَتْ سفن الصيادينْ◆فوق الشطآن الصخرية.
- 84غضب الرملُ، وفَنْخَرتِ الخيلُ، وثار عجاجْ◆قالت أمي: بعد خروج الموتى يا كرم الزيتونْ
- 85من هذي المدن الصامتة العزلاءْ◆قالت: يأتون من الريح، يجيئونْ
- 86لكنْ، سأمطُّ شفاهي أيتها الأمواجْ.◆بكينا طويلاً، ﻭﻟﻢ يبك أعداؤنا مرَّةً واحدةْ!!
- 87تقولون: قد شرَّقوا، غرَّبوا، قَبَّلوا يا حمامْ◆وشمّوا رياح الشمال، وكانت كغربتنا الباردة.
- 88مواويل أُمّي على تلّةٍ موحشة◆تعاند قسوة ما حدث البارحة
- 89إذا دشَّروا تينهم ﻓﻲ الصباحِ، يكون التسوُّلُ◆وماتوا على صخرةٍ بين بُصرى وبيروت،
- 90ماتوا على حجر مقمر، عشقته النساءْ◆نجوم النوى تستغيث ورُمّانُها والخيامْ
- 91بكت حوله ﻓﻲ الدُجى، فاتناتُ الكلامْ◆بكينا طويلاً ﻭﻟﻢ يبكِ أعداؤنا مرَّةً واحدة.!!!
- 92- لقد جئتكمْ – ﻓﻲ دمي شهوةٌ للغناءْ◆لأعزف هذي التلالْ
- 93ولملمتُ قبل مجيئي إليكمْ◆خرائطَ للمدن الغارقاتْ
- 94حملتُ لكم من رمال الجزيرةِ، قمحاً،◆وكوفيةً وعقالْ
- 95حملت لكم من كتاب الأماني، عِِظاتْ◆ومن جبل الشام هذا القرنفل والثلج والياسمين
- 96رأيت أﺑﻲ ﻓﻲ خليج الشمالِ، يبيع الأسى للشمالْ◆يغني لغزلانك الشارداتِ، قصائدَ عشقٍ حزينْ
- 97يطارد وعلاً من الملح خلف السدودْ◆ويقتلع المرمر البكر ﻓﻲ غابة من حديدْ.
- 98إذا كنتُمُ تذكرون الذي صاغ وهْج الحروفْ◆ووزّع ﻓﻲ العالمين اللغاتْ
- 99ﻭﻓﻲ شاطئ النيل، ذقتُ اسمرار خدود البناتْ◆فقلت إذا احمرَّ خدُّ البُنيّةِ هاجتْ جموعُ الرجال
- 100لقد قلت يا سيدي ما يقالْ◆ﻭﻟﻢ يبق إلاّ نقوش الخرائب والمدن النائمات
- 101فماذا تقول◆وماذا نقول
- 102أنا أعرف البئر – يا سيّدي – والغطاء.◆- ها أنذا قُدَّامك أهذي وأشير ﺇﻟﻰ اللوح المحفوظْ
- 103العالمُ بين يديّ حظوظ◆وسأحكي عن وطن يأتيني ﻓﻲ منتصف النومْ
- 104يصرخ ﺑﻲ: يا مولانا: أين القومْ؟!◆قلت له: بالأمس ظعائنهمْ عادت من بحر الملحْ
- 105حاملةً عطر العذراء◆ناسيةً جسد العذراء.
- 106- لأنّكَ كنتَ كثير الكلام، كثير السكوتْ◆إذن تركوني هنا ﻓﻲ مدائن هذا البياض الرماديّ،
- 107أشكو موانئها، ﺛﻢ أعشاشَ وقواقها، بانتظار النعوشْ◆إذن صرت مثل التماثيل منقوشةً ﻓﻲ القبورْ.
- 108- لماذا إذاً حاصروني، لماذا أدورْ◆وكيف إذا جوَّعوني، أثور!!
- 109- لأنك تهرب من قَدَر أعرجٍ ... لا يموتْ◆لأنَّ البلاء إذا عمَّ نامتْ عيونُ المدائنِ تحت المياه
- 110لأنك كنت كثيرَ الكلام كثير السكوتْ.◆- لذا ستظلّ هنا ﻓﻲ المقابر، تحت البحار التي لا تعيش
- 111نعم وتموت هنا، قبل يوم الخروج، وقبل قدوم الجيوش.◆- إذن تركوني هنا، مثل راعٍ وحيدْ
- 112يحوم ويسأل عن ظلّ أشجارك الباسقة.◆يحوم ويسأل ﻓﻲ الظلّ طيراً عن النجمة الشاعرة
- 113يحوم ويسأل ... لا تسأل الكاهنة◆إذن تركوني أغازل شمس النهار
- 114هنا مثل عشب السطوح◆ولكنني لا أبوح.
- 115- حدّقْ ﻓﻲ صمت التطريزِ على الإفريزْ◆الموجةُ سلسالٌ ذهبيٌّ تجري خلف الموجة.
- 116فاتنةٌ من عنب تغزل مكبوتَ الأشواقِ الناريَّةْ◆خلف الجفنين المرسومين ذُنوبٌ وذنوبْ
- 117شُبَّاكٌ مفتوحٌ وجبالُ الملحِ تذوبُ تذوبْ.◆- أسمعُ طقطقةَ الأوهام على بالي / وعواء امرأةٍ ﻓﻲ
- 118جوف البحر / عمودٌ من ملحٍ، ﺛﻢ يغيب.◆خرج الشاعر مجروحاً من قلب الموّال
- 119يا أهلَ الأرض أفيقوا من هذا النوم المُزْمنْ◆لكن الناس اندمجوا ﻓﻲ التطبيلْ
- 120حيث انتصر البركان الأرعنْ.◆من خاصرة البحر الشرقيّ يكونُ الأردنْ
- 121ومن البحر الغربيِّ تكونْ فلسطينْ◆مع هذا يلتقيانْ.
- 122يا هذا، إنْ نادانا◆جَدُّكَ، أوْ جَدّي: (كنعانْ).