أوراق من سيرة تأبط منفى

عدنان الصائغ

147 بيت

العصر:
العصر الحديث
حفظ كصورة
  1. 1
    أتسكعُ تحتَ أضواءِ المصابيحِوفي جيوبي عناوين مبللةٌ
  2. 2
    حانةٌ تطردني إلى حانةٍوامرأةٌ تشهيني بأخرى
  3. 3
    أعضُّ النهودَ الطازجةَأعضُّ الكتبَ
  4. 4
    أعضُّ الشوارعَهذا الفمُ لا بدَّ أن يلتهمَ شيئاً
  5. 5
    هذه الشفاه لا بدَّ أن تنطبقَ على كأسٍلمْ يجوعني الله ولا الحقولُ
  6. 6
    بل جوعتني الشعاراتُوالمناجلُ التي سبقتني إلى السنابلِ
  7. 7
    أخرجُ من ضوضائي إلى ضوضاءِ الأرصفةِأنا ضجرٌ بما يكفي لأن أرمي حياتي
  8. 8
    لأيةِ عابرةِ سبيلٍوأمضي طليقاً
  9. 9
    ضجراً من الذكرياتِ والأصدقاءِ والكآبةِضجراً أو يائساً
  10. 10
    كباخرةٍ مثقوبةٍ على الجرفِلا تستطيعُ الإقلاعَ أو الغرق
  11. 11
    تشرين ثاني 1993 عدنكتبي تحتَ رأسي
  12. 12
    ويدي على مقبضِ الحقيبةِالسهول التي حلمنا بها لمْ تمنحنا سوى الوحولِ
  13. 13
    والكتب التي سطرناها لمْ تمنحنا سوى الفاقةِ والسياطِأقدامي امحتْ من التسكعِ على أرصفةِ الورقِ
  14. 14
    وأغنياتي تكسّرتْ مع أقداحِ الباراتِودموعي معلّقةٌ كالفوانيسِ على نوافذِ السجونِ الضيقةِ
  15. 15
    أفردُ خيوطَ الحبرِ المتشابكةَ من كرةِ صوفِ رأسيوأنثرها في الشوارعِ
  16. 16
    سطراً سطراً،حتى تنتهي أوراقي
  17. 17
    آذار 1996 دمشقسأحزمُ حقائبي
  18. 18
    وأرحلُ عن هذه البلادِولو زحفتُ بأسناني
  19. 19
    لا تطلقوا الدموعَ ورائي ولا الزغاريدَأريد أن أذهبَ
  20. 20
    دون أن أرى من نوافذِ السفنِ والقطاراتِمناديلكم الملوحةَ.
  21. 21
    أستروحُ الهواءَ في الأنفاقِمنكسراً أمامَ مرايا المحلاتِ
  22. 22
    كبطاقاتِ البريدِ التي لا تذهبُ لأحدٍلنحمل قبورنَا وأطفالنَا
  23. 23
    لنحمل تأوهاتِنا وأحلامنَا ونمضيقبل أن يسرقَوها
  24. 24
    ويبيعوها لنا في الوطنِ: حقولاً من لافتاتٍوفي المنافي: وطناً بالتقسيط
  25. 25
    لمْ تعدْ تصلحُ لشيءٍكلما طفحتْ فيها مجاري الدمِ والنفطِ
  26. 26
    طفحَ الانتهازيونأرضنا التي نتقيَّأُها في الحانات
  27. 27
    ونتركها كاللذاتِ الخاسرةِعلى أسرةِ القحابِ
  28. 28
    أرضنا التي ينتزعونها مناكالجلودِ والاعترافاتِ
  29. 29
    في غرفِ التحقيقِويلصقونها على اكفنا، لتصفّقَ
  30. 30
    أمامَ نوافذِ الحكامِأيةُ بلادٍ هذه
  31. 31
    ما أن نرحلَ عنها بضعَ خطواتٍحتى نتكسرَ من الحنين
  32. 32
    على أولِ رصيفِ منفى يصادفناونهرعُ إلى صناديقِ البريدِ
  33. 33
    نحضنها ونبكيكانون ثاني 1996 الخرطوم
  34. 34
    حياتنا التي تشبه الضراط المتقطع في مرحاض عامحياتنا التي لمْ يؤرخها أحد
  35. 35
    حياتنا ناياتنا المبحوحةُ في الريحِأو نشيجنا في العلبِ
  36. 36
    حياتنا المستهلكةُ في الأضابيروالمشرورةُ فوق حبالِ غسيلِ الحروبِ
  37. 37
    ترى أين أوَّلي بها الآنحين تستيقظُ فجأةً
  38. 38
    وتظلُّ تعوي في شوارعِ العالم15/7/1999 ليلاً - قناة دوفر Dover بحر المانش
  39. 39
    أضعُ يدي على خريطةِ العالمِوأحلمُ بالشوارعِ التي سأجوبها بقدمي الحافيتين
  40. 40
    والخصورِ التي سأطوقها بذراعي في الحدائقِ العامةِوالمكتباتِ التي سأستعيرُ منها الكتبَ ولن أعيدها
  41. 41
    والمخبرين الذين سأراوغهم من شارعٍ إلى شارعٍمنتشياً بالمطرِ والكركراتِ
  42. 42
    حتى أراهم فجأةً أماميفأرفع إصبعي عن الخارطة خائفاً
  43. 43
    وأنامُ ممتلئاً بالقهر16/7/1999 حديقة الهايدبارك – لندن
  44. 44
    سأقذفُ جواربي إلى السماءِتضامناً مع مَنْ لا يملكون الأحذيةَ
  45. 45
    وأمشي حافياًألامسُ وحولَ الشوارعِ بباطنِ قدمي
  46. 46
    محدقاً في وجوهِ المتخمين وراءَ زجاجِ مكاتبهملو كانتِ الأمعاءُ البشريةُ من زجاجٍ
  47. 47
    لرأينا كمْ سرقوا من رغيفناإذا لمْ تستطعْ أن تملأَ هذه المعدةَ الجرباءَ
  48. 48
    التي تصفرُ فيها الريحُ والديدانُفلماذا خلقتَ لي هذه الأضراسَ النهمة
  49. 49
    وإذا لمْ تبرعمْ على سريري جسداً املوداًفلماذا خلقتَ لي ذراعين من كبريت
  50. 50
    وإذا لمْ تمنحني وطناً آمناًفلماذا خلقتَ لي هذه الأقدامَ الجوّابةَ
  51. 51
    وإذا كنتَ ضجراً من شكوايفلماذا خلقتَ لي هذا الفمَ المندلقَ بالصراخِ
  52. 52
    آب 1999 براغنسيتهما يلوحان للقطاراتِ الراحلةِ
  53. 53
    أين امرأتكَ؟اختلفنا في أولِ متجرٍ دخلناهُ
  54. 54
    ابتلعتهُ المجنـزراتأين سماؤكَ؟
  55. 55
    لا أراها لكثرةِ الدخانِ واللافتاتِأين حريتكَ؟
  56. 56
    أنني لا أستطيعُ النطقَ بها من كثرةِ الارتجاف1996 مقهى الفينيق - عمان
  57. 57
    دموعي سوداءمن فرطِ ما شربتْ عيوني
  58. 58
    من المحابرِ والزنازينخطواتي قصيرة
  59. 59
    من طولِ ما تعثرتْ بين السطورِ بأسلاكِ الرقيبأمدُّ برأسي من الكتاب
  60. 60
    وأتطلعُ إلى ما خلفتُ ورائيمن شوارع مزدحمةٍ
  61. 61
    ونهودٍ متأوهةٍورغباتٍ مورقةٍ في الأسرّةِ
  62. 62
    وأعجبُ كيف مرّتِ السنواتُوأنا مشدودٌ بخيوطِ الكلماتِ إلى ورقة
  63. 63
    تموز 1993 مهرجان جرش- عمانلا شمعة في يدي ولا حنين
  64. 64
    فكيف أرسمُ قلبيلا سنبلة أمامَ فمي فكيفَ أصفُ رائحةَ الشبعِ
  65. 65
    لا عطور في سريري فكيف أستدلُّ على جسد المرأةلنستمع إلى غناءِ الملاحين
  66. 66
    قبل أن يقلعوا بأحلامهم إلى عرضِ البحرِ وينسونالنستمع إلى حوارِ الأجسادِ
  67. 67
    قبل أن ينطفئَ لهاثها على الأرائكأنا القيثارةُ مَنْ يعزفني
  68. 68
    أنا الدموعُ مَنْ يبكينيأنا الكلماتُ مَنْ .. يرددني
  69. 69
    أنا الثورةُ مَنْ يشعلنيتشرين ثاني1993 صنعاء
  70. 70
    أكتبُ ويدي على النافذةتمسحُ الدموعَ عن وجنةِ السماء
  71. 71
    أكتبُ وقلبي في الحقيبةِ يصغي لصفيرِ القطاراتأكتبُ وأصابعي مشتتة على مناضدِ المقاهي ورفوفِ المكتبات
  72. 72
    أكتبُ وعنقي مشدودٌ منذ بدءِ التاريخِإلى حبلِ مشنقةٍ
  73. 73
    أكتبُ وأنا أحملُ ممحاتي دائماًلأقلِّ طرقةِ بابٍ
  74. 74
    وأضحكُ على نفسي بمرارةٍحين لا أجد أحداً
  75. 75
    أن أتخلّصَ من مخاوفيوعيوني مسمرةٌ إلى بساطيلِ الشرطةِ
  76. 76
    لا إلى السماءِوبطاقتي الشخصية معي
  77. 77
    وأنا في سريرِ النومِخشيةَ أنْ يوقفني مخبرٌ في الأحلام
  78. 78
    24/7/1999 امستردامتحتَ سلالمِ أيامي المتآكلةِ
  79. 79
    أجلسُ أمام دواتي اليابسةِأخططُ لمجرى قصيدتي أو حياتي
  80. 80
    ثم أديرُ وجهي باتجاهِ الشوارعناسياً كلَّ شيءٍ
  81. 81
    أريدُ أن أهرعَ لأولِ عمودٍ أعانقهُ وأبكيأريدُ أن أتسكعَ تحتَ السحب العابرة
  82. 82
    حتى تغسل آثارَ دموعيأريد أن أغفو على أيِّ حجرٍ أو مصطبةٍ أو كتاب
  83. 83
    دونَ أن يدققَ في وجهي مخبرٌأو متطفلةٌ عابرةٌ
  84. 84
    أعطوني شيئاً من الحريةِلأغمس أصابعي فيها
  85. 85
    وألحسها كطفلٍ جائعٍأنا شاعرٌ جوّاب
  86. 86
    يدي في جيوبيووسادتي الأرصفة
  87. 87
    وطني القصيدةودموعي تفهرسُ التأريخَ
  88. 88
    أشبخُ السنواتِ والطرقاتِبعجالة مَنْ أضاعَ نصفَ عمرِهِ
  89. 89
    في خنادقِ الحروبِ الخاسرةِ والزنازينمَنْ يغطيني من البردِ واللهاثِ ولسعاتِ العيون
  90. 90
    وحيداً، أبتلعُ الضجرَ والوشلَ من الكؤوسِ المنسيّةِ على الطاولاتِوأحتكُّ بأردافِ الفتياتِ الممتلئةِ في مواقفِ الباصاتِ
  91. 91
    لي المقاعدُ الفارغةُوالسفنُ التي لا ينتظرها أحد
  92. 92
    لا خبز لي ولا وطن ولا مزاجأخلعُ أصابعي
  93. 93
    وأدفنها تحتَ وسادتيخشيةَ أن أقطعها بأسناني
  94. 94
    واحدةً بعدَ واحدةتشرين أول1996 بيروت
  95. 95
    أيها القلبُ الضاليا مَنْ خرجتَ حافياً ذاتَ يومٍ
  96. 96
    مع المطرِ والسياطِ وأوراقِ الخريفِفي حقائبِ الفتياتِ اللامعةِ والمواخيرِ ومحطاتِ القطاراتِ
  97. 97
    حافياً أمرُّ في طرقاتِ طفولتيوعلى فمي تتراكمُ دموعُ الكتب والغبار
  98. 98
    أجمعُ بقايا الصحفِ والغيوم الحزينة وصور الممثلات العاريةوأدلقُ وشلَ القناني الفارغةِ في جوفي
  99. 99
    أجمعُ أعقابَ السجائر المطلية بالأحمروأظلُّ أحلمُ بما تركتهُ الشفاهُ الأنيقةُ من زفراتٍ
  100. 100
    القصائدُ تتعفنُ في جيوبيولا أجد مَنْ ينشرها
  101. 101
    الدموعُ تتيبسُ على شفتيولا أجد مَنْ يمسحها
  102. 102
    راكلاً حياتي بقدمي من شارعٍ إلى شارعٍمثلما يركلُ الطفلُ كرتَهُ الصغيرةَ ضجراً منها
  103. 103
    أتأملُ وجهي في المرايا المتعاكسةبهذه العجالة
  104. 104
    7/1/2000 أوسلوسأجلسُ على بابِ الوطنِ محدودبَ الظهرِ
  105. 105
    كأغنيةٍ حزينةٍ تنبعثُ من حقلٍ فارغٍيغطيني الثلجُ وأوراقُ الشجرِ اليابسة
  106. 106
    أنظرُ إلى أسرابِ العائدين من منافيهم كالطيورِ المتعبةِأمسحُ عن أجفانهم الثلوجَ والغربةَ
  107. 107
    إنهم يعودون...لكن مَنْ يعيد لهم ما ضيعوهُ
  108. 108
    من رملٍ وأحلامٍ وسنواتأقلعتُ في أولِ قطارٍ إلى المنفى
  109. 109
    وأنا أفكرُ بالعودةشاختْ سكةُ الحديدِ
  110. 110
    وتهرأتِ العجلاتُوامحتْ ثيابي من الغسيلِ
  111. 111
    وأنا ما زلتُ مسافراً في الريحِأتطايرُ بحنيني في قاراتِ العالم
  112. 112
    مثل أوراقِ الرسائلِ الممزقةِدموعي مكسّرةٌ في الباراتِ
  113. 113
    وأصابعي ضائعةٌ على مناضدِ المقاهيتكتبُ رسائلَ الحنينِ
  114. 114
    لأصدقائي الذين لا أملكُ عناوينهمأنامُ على سطوحِ الشاحناتِ
  115. 115
    وعيوني المغرورقةُ باتجاهِ الوطنِ البعيدكطائرٍ لا يدري على أيِّ غصنٍ يحطُّ
  116. 116
    لكنني دون أن أتطلعَ من نافذةِ القطارِ العابرِ سهوب وطنيأعرفُ ما يمرُّ بي
  117. 117
    وقرى. أحفظها عن ظهرِ قلبسأرتمي، في أحضانِ أولِ كومةِ عشبٍ تلوحُ لي من حقولِ بلادي
  118. 118
    وأمرّغُ فمي بأوحالها وتوتها وشعاراتها الكاذبةِلن أطرقَ البابَ يا أمي
  119. 119
    إنهم وراء الجدران ينـتظرونني بنصالهم اللامعةلا تنتظري رسائلي
  120. 120
    إنهم يفتشون بين الفوارز والنقاطِ عن كلِّ كلمةٍ أو نأمةٍفاجلسي أمامَ النافذة
  121. 121
    واصغي في الليلِ إلى الريحستسمعين نجوى روحي
  122. 122
    1998 مالموخطوطُ يدي امحت من التشبّثِ بالريحِ والأسلاك
  123. 123
    ومن العاداتِ السرّيةِمع نساء لا أعرفهن
  124. 124
    التقطتهنَّ بسنّارةِ أحلامي من الشارعوهذه الشروخ، التي ترينها ليستْ سطوراً
  125. 125
    بل آثار المساطر التي انهالتْ على كفيوهذه الندوب، عضات أصابعي
  126. 126
    من الندم والغضب والارتجاففلا تبحثي عن طالعي في راحتي
  127. 127
    - ياسيدتي العرافة -ما دمتُ مرهوناً بهذا الشرقِ
  128. 128
    فمستقبلي في راحات الحكام20/3/1990 كورنيش النيل- القاهرة
  129. 129
    لا أعرفُ متى سأسقطُ على رصيفِ قصائديمكوّماً بطلقةٍ
  130. 130
    أو مثقوباً من الجوعِأو بطعنة صديق
  131. 131
    يمرُّ الحكامُ والأحزابُ والعاهراتُولا يد تعتُّ بياقتي وتنهضني من الركامِ
  132. 132
    لا عنق يستديرُ نحويليرى كيفَ يشخبُ دمي كساقيةٍ على الرصيفِ
  133. 133
    لا مشيعين يحملونني متأففين إلى المقبرةالأقدامُ تدوسني أو تعبرني
  134. 134
    الفتياتُ يشحنَ بأنظارهنوهن يمضغن سندويشاتهن ونكاتهن المدرسية البذيئة
  135. 135
    ومئذنةُ الجامعِ الكبيرتصاعدُ تسابيحها - ليلَ نهار -
  136. 136
    دون أن تلتفت لجعيريلا أعرفُ على أيِّ رصيفِ منفى
  137. 137
    ستسّاقطُ أقدامي ورموشي من الانتظارلا أعرفُ أيَّ أظافرٍ نتنةٍ ستمتدُ إلى جيوبي
  138. 138
    وتسلبني قصائديومحبرتي وأحلامي
  139. 139
    لا أعرفُ على أيِّ سريرِ فندقٍ أو مستشفىلأجد وسادتي خاليةً...
  140. 140
    ودموعي باردةًووطني بعيد
  141. 141
    لا أعرفُ في أيِّ منعطفِ جملةٍ أو وردةٍسيسدد أحدهم طعنتَهُ المرتبكةَ العميقةَ
  142. 142
    من أجلِ قصيدةٍ كتبتها ذاتَ يومٍأشتمُ فيها الطغاة والطراطير
  143. 143
    ومع ذلك سأواصلُ طوافي وقهقهاتي وشتائميعابراً وليس لي غير الأرصفةِ والسعالِ الطويلِ
  144. 144
    ليس لي غير الحبرِ والسلالمِ والأمطارِسائراً مثلَ جندي وحيدٍ
  145. 145
    يجرُّ بين الأنقاضِ حياتَهُ الجريحةَلا أريدُ أوسمةً ولا طبولاً ولا جرائدَ
  146. 146
    أريدُ أن أضعَ جبيني الساخنَعلى طينِ أنهارِ بلادي
  147. 147

    وأموت حالماً كالأشجار