مونولوج العزلة
طالب همّاش140 بيت
- 1أطفأتُ مصباحي لأغفو◆أيها الليلُ العتيقْ!
- 2أطفات مصباحي..◆أنا حزناً إلى حزنٍ
- 3أضمُّ مصاحفي◆وأغطُّ في نومٍ عميقْ.
- 4نمْ هانئاً يا أيها الليل العتيقْ!◆فأنا أقمتُ صلاةَ وقتي
- 5وسكنتُ نوماً لا يفيقْ.◆أجاهدُ في النفسِ حزناً قديماً
- 6وأغلقُ بابيْ..◆أنا كيفَ أعلنُ عن عزلتي
- 7وعلى الباب يبكي غيابيْ؟◆سكنتُ مع الليلِ
- 8إذ سكنَ الليلُ أبكي عليّْ!◆يدايَ على الصدرِ
- 9تلمسُ رجعاً حزيناً،◆ورأسي ينامُ يتيماً على ركبتيّْ!
- 10متدلّياً كشجيرةِ صفراءَ فوق النهرِ◆قبري تحت أغصاني
- 11وأكفاني بقربي.◆يا أيها الراعي
- 12دعِ الأغنامَ ترعى◆عشبَ أيامي وحبّي!
- 13وانهضْ بحزنكَ يا رفيقَ الناي◆واعزفْ لحنك البالي
- 14على أطلالِ قلبي!◆تعالَ لنصغي إلى الناي يا سامعي!
- 15تعالَ لنصغي إلى صوتِ أيامنا الضائعِ!◆قمري فرخُ حمامٍ ساهرٌ
- 16والليلُ سطحٌ للهديلْ.◆أيها الحبُّ
- 17أنا الساهرُ أبكي لحبيبي..◆وعلى السرو يناجيني الكناريُّ الجميلْ!
- 18والشبابيكُ كتابُ العشقِ◆قد أغلقتها
- 19لطفاً بحزني أيها النايُ◆فقلبي ثقّبتهُ زهرةُ الدمّ
- 20وروحي جرّحتها الريح◆والعشقُ مناديلُ رحيلْ!
- 21يا حماماتُ ترفقّنَ بحبي◆لا تطيري بالهديلْ!
- 22وراءَ سياجِ الحديقة تجلسُ عاشقةٌ◆لتنصتَ للريحِ تحتَ غصون
- 23تحنُّ إلى الحبّ لكنهُ غائبٌ◆وتحنُّ إلى الحزنِ
- 24لكنه ساكنٌ في أعالي الحفيفْ!◆وتنسى يديها على راحتيّ
- 25إذا أسرفَ الحورُ بالهَدْيِ◆تاركةً نحلةَ الحبِّ في شفتيَّ
- 26تمصُّ رحيقَ النزيفْ!◆وراءَ سياجِ الحديقةِ
- 27طيّبتُ أحزانها بالغناءِ◆وأهديتها ورقاً (أصفراً)
- 28وجمعتُ بمنديلها الحلو◆كلَّ بكاءِ الخريفْ!
- 29يا ليلُ ما أكملتُ أغنيتي◆ولا شاختْ على عمري المواويلُ!
- 30قلبٌ كفيفُ الحزنِ يبكيني◆إذا رحلوا
- 31وفي روحي إذا غابوا◆تجرّحني التراتيلُ.
- 32حطَّ الحمامُ على نخيل الروحِ◆نواحاً على ثكلٍ
- 33فلا انصرفَ الخريفُ بحزنهِ عني،◆ولا انقطعَ الهديلُ المرُّ عن حزني..
- 34ولا مرّتْ على ليلى الأناجيلُ◆عذراءُ من حزنٍ شفيفْ.
- 35جلستْ كسنبلةٍ◆تراقبُ من نوافذها الخريفْ.
- 36عينانِ تنكمشانِ كالعصفورِ◆في غضنٍ حزينٍ
- 37و(أصابع) بيضاءُ◆تغزلُ في الغروبِ حكايةً من ياسمينْ!
- 38عذراءُ يغفو قربها نهرٌ،◆ويذبلُ في حقيبتها الخريفْ!
- 39على شاطئ البحر عند الغروبِ.◆تنامُ الحكاياتُ متعبةً
- 40ويصيرُ على الموج أن يتأمّلَ مرآته ويذوبْ.◆يصيرُ على الغيم أن يترحّلَ
- 41مثل التماثيلِ بيضاءَ◆نحو كنيسةِ حقلِ النصوبْ.
- 42يصيرُ على الشمسِ◆أن تستضيء بماساتها الحمرِ
- 43والأرجوانِ العتيقِ◆لتفتحَ محرابها للغروبْ!
- 44على مفرقِ الليل تبكي الربابةُ◆من وحشةِ الناس يائسةً
- 45وتدقُ على حائطِ الموتِ:◆يا أبتي الموتُ
- 46لم يبق إلا القليلُ القليلْ!◆وتعولُ ريحٌ على شجرِ الحورِ مرّ العويلْ.
- 47يقعدُ النايُ في الليل مستوحشاً وكئيبْ!◆يقعدُ الناي في معبدِ الليلِ
- 48فرداً سلبياً◆يجمّعُ كلَّ أغانيهِ من حولهِ
- 49ويبكونَ حولَ ضريح الغريبْ!◆حينَ ماتَ المغنّي
- 50بكينا كلانا◆أنا والربابةُ أختي
- 51بكيتُ عليها، تباكتْ عليَّ◆بكينا على الناي منفرداً في الأغاني!
- 52بكينا على جدّنا الشيخ◆ماتَ وخلّفنا نائحينَ..
- 53نغني ككهّانِ ليلٍ عتيقٍ◆فأختي اعتراها الخريفُ
- 54وأيلولُ بالاصفرار اعتراني.◆على وجهها يا غريبْ:
- 55شموعٌ من الآسِ◆يذرفُ دمعاتها الليلُ
- 56فوق كتابِ المغيبْ!◆ولو كانَ عمري طويلاً
- 57لعمّرتُ من هدهداتِ ضفائرها السودِ◆كوخاً على شجر الكينياءْ!
- 58ولو كانَ قلبي حزيناً◆لمشّطتُ شَعْرَ البكاءْ!
- 59وقلتُ تعالي إلى وحشتي◆إن كلامَ الرياحِ على الحورِ مُبْكٍ!،
- 60وأسدلتُ فوق مسائي قميصَ الغريبْ!◆ولو أن روحي تعزفُ بالناي
- 61كوّرتُ من عشبِ روحي عشّاً◆ليسكنهُ العندليبْ.
- 62وما كانَ حزنكَ؟◆هذا مساءٌ محرّمْ.
- 63تدلّتْ عناقيدُ ما كنتُ تهوى◆وجاءتْ جرارٌ من الخمرِ
- 64عتَّقها أنها من تواقٍ مندّمْ.◆وما كانَ..
- 65لو أخذَ النومُ هذا الكرى◆بمعاقدِ أجفانها سنةً أن تفيقَ
- 66فقبركَ كلُّ الفضاءِ◆وكونٌ من الفضّةِ واللازورد المذّهبِ
- 67يرتادهُ الفقراءُ◆وأعلاه بدرٌ جميلٌ كمريمْ.
- 68رأيتكَ تحملُ قبريَ،◆فاحتارَ من أمركَ اليوم أمري..
- 69وفاضَ على شفقِ الروحِ◆شيءٌ من السكرِ حتى الندمْ.
- 70وما كانَ حزنكَ أنني◆من فرقتي أتألّمْ!
- 71بكى صاحبي◆حين أمسك بالناي بعد فراقٍ طويلْ!
- 72تذكّرُ مرَّ المواويل،◆والعشقَ في أولِ العمرِ،
- 73والفتيات اللواتي كذبنَ على قلبهِ القرويّ◆وطيّرنَ قبل أوان الهديلْ!
- 74بكى صاحبي!◆قال: كنت أغازل أنثاي بالناي
- 75عند الغروب◆فعلّمتها وحشتي
- 76وتعلّمتُ منها البكاءَ على من أحبُّ،◆وحزنَ أغاني الرحيلْ!
- 77وها قاربَ العمرُ أن ينتهي◆والعيونُ الكليمةُ تعمى
- 78وما زالَ ينحبُ في الروحِ نايُ الرحيلْ!◆قمرٌ أبيضُ في شرفاتِ الليلِ
- 79ونجمٌ يهبطُ أدراجَ الملكوتْ.◆ما لي من كلِّ الناسِ
- 80وروحي تقطفُ من شجرِ العزلةِ◆أزهارَ الياقوتْ؟
- 81سألتُ الحزينةَ عن اسمها◆وسألتُ اسمها عن كلامٍ حزينْ!
- 82سألتُ أصابعها عن خواتمَ ضائعةٍ،◆وأساورَ من ذهبٍ وعقيقٍ،
- 83فأجهشَ بين أناملها الخمس◆صوتُ الرنينْ!
- 84قمرٌ يغرقُ الليل في الروحِ◆ثم يلاشيهِ عذبُ الغناءِ،
- 85حنينُ الصبايا لأولِ زغرودةٍ◆طيّر النايُ أنغامها في سماءِ الحماماتِ
- 86أنتِ الصلاةُ إلى الأمّ◆وهي تمسّدُ بالطَّيبِ حزنِ المسيحِ
- 87وتشعلُ قنديلها لهلالِ محرّمْ!◆أنتِ أيقونةُ الثكل
- 88وهي تقطّرُ من فضّةِ الليلِ◆دمعاتِ مريمْ!
- 89وحساسينُ صبحٍ مغمّسةٌ بالدموعِ،◆عصافيرُ داشرةٌ،
- 90بلبلٌ في غصون الصدى يتألّمْ!◆أنت ما يجعلُ الروحَ تبكي على عمرها،
- 91والمحبُّ إذا ما قضى نحبهُ.. يتندّمْ.◆الأفقُ أقمارٌ مفتّحةٌ
- 92وحبرُ الليلِ منسكبٌ على حقلِ◆والغروبُ يعبُّ من تبغِ الجبالِ بنشوةٍ
- 93ويهزُّ فوقَ طفولةِ الريحانِ◆أجراسَ النعاسْ.
- 94نامتْ صبيّةُ حبيَ البيضاءُ◆فاتكأتْ لتحرسَ نومها
- 95من وحشةِ الحلمِ الغراسْ.◆يا طائرَ الإنشادِ
- 96لا ترسلْ غناءَ مسائكَ الشفافَ◆فوقَ النبعِ
- 97إن حبيبتي تغفو◆ونومُ حبيبتي في المهدِ
- 98درّاقٌ وآسْ!◆نأينا عن الحبّ يوماً
- 99فغابَ القطا، والحمامُ انتأى◆والغمامُ على الساحلِ.
- 100أأبقى حزيناً أطلّ كطائرِ صيفٍ◆على جدولي؟
- 101وتبقى السماءُ البعيدة أحلى على السفحِ◆تبقى الأباريقُ سهرانةً في سطوح النبيذِ
- 102وتبقى تحوك يداكِ رسومَ الوداعِ على المخملِ.◆... أطرّزُ يوماً على ثوب عرسكِ
- 103ما ضيّع الحبُّ من كلماتٍ◆وألقي قميصي على الشوكِ
- 104لا تحسبيني حزيناً من الحبّ◆إني أحوكُ سوادَ الليالي
- 105على مغزلي!◆يا هديلُ التي مرَّ عمري على عمرها
- 106وطرنا صغيرينِ في أولِ الحبِّ◆حتى بلغنا الغيومَ
- 107وصرنا بطاركةً عاشقينْ!◆يا هديلُ التي ما ركضنا
- 108إلا لنسبقَ أيامنا،◆ونخلّفها نادمينْ!
- 109يا هديلُ كبرنا!..◆وها نحن كهلين في آخرِ العمرِ
- 110نجلسُ قدّام بوابة البيتِ◆منتظرينَ على مللٍ
- 111ما تأخّرَ من كلِّ تلك السنينْ.◆طولَ الليلِ تئنُ الريحُ المهجورةُ
- 112وتبكي في أرجاءِ العزلةِ◆أجراسُ الموتِ،
- 113ويحتضرُ النايْ!◆وطوالَ الليل أدقُ على جدرانِ الصمت
- 114لينهضَ من آبارِ الوحشةِ◆جثمانُ أسايْ!
- 115.. طول الليل ينوحُ غريبٌ◆مكتهل الروحِ
- 116ويجمعُ مبكاهُ إلى مبكايْ!◆يا لابساً ورقَ الخريفِ،
- 117وجبّة َ الوقتِ الجريحْ!◆ستهبُّ ريحْ
- 118ستهبّ ريحْ.◆يا أيها الليلُ المهاجر
- 119منذ آلاف السنينْ!◆قد نامتِ الأبوابْ.
- 120فاقطعْ بفأسكَ وحشتي◆من جذعها المرّ الحزينْ!
- 121بالله يا حطّابْ!◆الكمانُ الصموتْ.
- 122الكمانُ الذي كانَ أمَّ الأيتامِ روحي،◆وأرضعني الدمعَ من ثديهِ المرّ
- 123حتى رواني.◆الكمانُ الذي رعرعَ الثكلُ
- 124أيامه ورعاني..◆وطيّرني كالعصافيرِ فوقَ سطوحِ البيوتْ.
- 125الكمانُ الذي ذُرفتْ دمعاتُ◆حياتي على صدرهِ
- 126سمعتُ بآخرةِ الليل أغنيتينِ◆تدقّانِ بابي.
- 127هذا صداي القديمُ يعاودُ حزني،◆وذاكَ الغناءُ الأبحُّ من الريح
- 128صوتُ غيابي.◆هل أسمي الغماماتِ فوق سطوحِ الغروبِ
- 129مناديلَ حبّ، وأوراقَ حزنٍ◆تطيرها الريحُ فوق القرى
- 130ورقهْ... ورقهْ.◆هل أسمي البحيراتِ
- 131حين تطيرُ الحماماتُ◆فوقَ حقول الهديلِ غياباً
- 132يلّونُ وجهَ المساءِ،◆ويرمي على ليلنا أزرقهْ.
- 133هل أسمي الصغيرةَ أمّاً لعائلةِ النحلِ◆وهي تربّي الحساسينَ في شجرِ البّنّ
- 134زقزقةً... زقزقهْ◆ما انتبهتُ لحزنِ العصافيرِ
- 135ديّارةَ المغربِ.◆ما انتبهتُ..
- 136تنهّدَ نايٌ بعيدٌ◆على شجرِ الليل ما بيننا
- 137والحمامةُ غنّتْ هديلاً على مذهبي!◆يا هديلُ الصغيرةُ لا تجعليني حزيناً
- 138فإني طرّزتُ حبّكِ في مخملِ الليلِ◆حتى وجدتُ الحياةَ خيوطاً
- 139وها أنذا كلما حُكْتُ ثوباً جديداً◆بكفِّ الحريرِ
- 140
تلبّسني الحزنُ ديّارةَ المغربِ!