أرملة مغني الرباب الحزين

طالب همّاش

78 بيت

حفظ كصورة
  1. 1
    حداءٌ بعيدٌ على مغربِ الشمسِ‏يُصدي على شجرِ الوحشةِ المرِّ،‏
  2. 2
    والغيمُ يعبرُ من خلفِ نافذةِ العمرِ‏مثل بقايا المواويلِ...‏
  3. 3
    لم تبقَ إلا أقلُّ الرياحِ نحيباً،‏وغيرُ هشيرٍ لعشِّ الحمامهْ.‏
  4. 4
    ولم تبقَ غيرُ البراري التي‏يهرعُ القلبُ نحو حواكيرها‏
  5. 5
    فاغراً فاهُ كالذئبِ،‏وهو يراكضُ أنثاه‏
  6. 6
    في شهوةِ الموتِ‏حتى تقوم القيامهْ.‏
  7. 7
    وغيرُ صراخِ الحنينِ المريرِ‏إلى ما فقدناه في لجّةِ الليل،‏
  8. 8
    والصلواتُ التي تتقطّرُ تحتَ الصفاءِ‏الإلهيّ أدعيةً ويتامى.‏
  9. 9
    كأنْ طارَ طيرُ صباحي الحزينُ‏على حقلِ آسٍ جريحٍ‏
  10. 10
    فهوَّم في الأفقِ الطلقِ كالسيفِ،‏ثم تهاوى على زهرةِ الروحِ‏
  11. 11
    مثلَ قميصِ الندامهْ.‏حداءٌ شجيُّ المواويلِ‏
  12. 12
    يطرحني كالربابةِ‏في طرقاتِ الرحيلِ‏
  13. 13
    ولكنني بعدَ أنْ يتعبَ العمرُ‏أصرخُ من ظمئيْ:‏
  14. 14
    اسقني الماءَ عمرو!‏اسقني الماءَ!‏
  15. 15
    أحسبُ أني أراها‏أرى قلبها واقفاً في الشمالِ الحزينْ!‏
  16. 16
    فتاةٌ بعمرِ الرياحينِ.‏وخّطها الشيبُ،‏
  17. 17
    واصفرَّ من حولها ورقُ العمرِ‏والياسمينْ.‏
  18. 18
    كأنْ مرَّ يومانِ أو بعض يومٍ‏على رحلةِ الأمسِ‏
  19. 19
    حتى غدتْ حمصُ قفراءَ‍‏أينَ الحزينةُ بينَ النساءِ؟‏
  20. 20
    وأين مآذنها الباكياتُ‏على قمرِ العشقِ؟‏
  21. 21
    كم مرَّ منها على الأرضِ؟‏مرَّ زمانٌ مديدٌ‏
  22. 22
    فهذي البيادرُ ممحوّةُ القمحِ،‏والأرضُ موغلةٌ في السنينْ.‏
  23. 23
    وحمصُ حنينُ الغريبِ إلى الموتِ!‏محكومةٌ بالنواحِ نواعيرها السودُ،‏
  24. 24
    والحورُ وهو يميلُ مع الريحِ‏كامرأةٍ خاطئهْ..‏
  25. 25
    والهواءُ الأحنُّ على السروِ عند الغروبْ.‏كذئبٍ من الدمعِ يقعي بجانبها‏
  26. 26
    حزنُهَا البدويُّ‏ويغمضُ عينينِ معتمتينِ على الموتِ‏
  27. 27
    مثل فزاعةٍ للنصوبْ.‏وحمصُ لفيفُ الحمامِ‏
  28. 28
    الذي نقتفيهِ إذا حاقنا الموتُ،‏والخمرُ قبلَ ارتعاشِ النمالِ‏
  29. 29
    على خَدَرِ الروحِ،‏والسكنُ الأبديُّ إلى امرأةٍ من ذنوبْ.‏
  30. 30
    وحمصُ الفتاة التي خصَّها الوعرُ بالثكلِ‏حتى استمالتْ إليها المواويلَ!‏
  31. 31
    عَمَّرَهَا الليلُ من شوقهِ للتأوّهِ.‏كي يتأمّلَ رجعَ المياهِ على ركبتيها،‏
  32. 32
    ويغسلَ في جدولِ الحبِّ أعضاءهُ بالشقاءْ.‏وحمصُ امرأهْ‏
  33. 33
    أبدعتها البحيراتُ‏كي تتهادى عليها طيورُ الإوزِّ الحزينُ،‏
  34. 34
    ويأتمَّ شاطئها الأنبياءْ.‏وحمصُ البناتُ اللواتي يزغردنَ‏
  35. 35
    قبلَ تفتّحِ ريحانهنَ على شهوةِ الحزنِ،‏والانتظارُ المريرُ لموجِ الأنوثةِ‏
  36. 36
    وهو يضرّجُ بالكحلِ ضلعَ النساءْ.‏فتاةٌ تسيّجُ حقلاً من القمحِ بالقطنِ‏
  37. 37
    كيما تنادي على قمرٍ ضائعٍ‏في سوادِ السماءْ.‏
  38. 38
    قديماً أهالَ عليها الحداةُ عتاباتهمْ‏واستحالوا رعاةً‏
  39. 39
    يطوفونَ حول الطلولِ‏وهم يقرعونَ طبولَ الفراقِ‏
  40. 40
    ويرثونَ كلَّ المدنْ.‏وجثا قربَ مرقدها الأبديّ‏
  41. 41
    مغنِّي الربابِ الحزينُ‏وراحَ يموّلُ في ظلمةِ الليلِ‏
  42. 42
    للحبِّ والحزنِ‏ذاكَ الغناءَ الشجيّْ.‏
  43. 43
    فعلَّمها الحزنَ‏قبلَ بكاءِ الحمامِ على راحتيها،‏
  44. 44
    وقبلَ رحيل المحبيّنَ صيفاً‏إليها لينتحروا‏
  45. 45
    تحتَ حرِّ حزيرانها الشبقيّْ.‏وقبلَ صعودِ الحليبِ إلى نهدِ (وردٍ)،‏
  46. 46
    وتلويحها الساحليِّ على شجرِ الهذيانِ‏ومسِّ ابن رغبانَ بالجنِّ‏
  47. 47
    وهو يضرّجُ بالندمِ المرِّ وجهَ‏شقيقِ الفراتِ الشقيّْ.‏
  48. 48
    فقامتْ إلى النهرِ تدعوهُ:‏يا دائمَ الحزنِ عندَ جذوعِ النواعيرِ!‏
  49. 49
    خذني بمجراكَ أرملةً للخريرِ!‏الذي رعرعتهُ مواويلُ أمي‏
  50. 50
    وهي تهزُّ سريري،‏وردّدهُ صوتُهَا القرويّْ.‏
  51. 51
    أَبى النهرُ أن يتأوّهَ إلاَّ لمجراهُ بينَ الصخورِ..‏شقيقُ الحقولِ الحزانى،‏
  52. 52
    ووارثُ ذرفِ الدموعِ!‏فأرختْ على كتفِ القمح صفرتها الساحليّةَ‏
  53. 53
    فيما الضفائرُ شاردةٌ في مهبٍّ قصيّْ.‏تموِّجُ في الريحِ ترجيعَهَا المستجيرَ‏
  54. 54
    وتصرخُ عبرَ الفيافي‏صراخَ الحنينِ إِلى المفتقدْ.‏
  55. 55
    زهرةُ حنّائكم في ليالي الزفافِ،‏وزهراءُ بنتُ الهديلِ‏
  56. 56
    التي تتراقصُ مثلَ الزغاريدِ‏فوقَ سماءِ الأحدْ.‏
  57. 57
    أنا المستحّمةُ في نبعةِ الليلِ،‏أولُ أنثى اشتهاها هلالُ الربيعِ‏
  58. 58
    وصارَ حزيناً‏يهيمُ على نفسهِ في الغيومِ‏
  59. 59
    ولا يلتقي بامرأهْ.‏أنا حمصُ معشوقةُ الشعراءِ‏
  60. 60
    الذين مضى عمرهمْ في اقتفائيْ،‏وضيَّعتهمْ في الطريقِ إليّْ.‏
  61. 61
    ولكنها الآنَ ضلّيلةُ الألمِ المرِّ‏متروكة للرياحِ ضفائرُهَا الهاشلاتُ،‏
  62. 62
    ومجروحة روحها بالحداءِ الجنوبيْ.‏ينوحُ القَطا في براري صباها الحزينةِ‏
  63. 63
    من دونِ إلفٍ،‏ويعدو ابن آوى المهجّرُ‏
  64. 64
    في ظلمةِ الوعرِ‏خلفَ فراديسَ ضائعةٍ،‏
  65. 65
    ويشقُّ كما الطفل قمصانَهُ‏لهلالِ المساءِ النبيّْ.‏
  66. 66
    ويهرعُ نحو خرائبها في المغيبِ غريبٌ ونخلتهُ،‏قرويٌّ وحنطتهُ،‏
  67. 67
    جبليٌّ وسروتهُ راجعينَ‏ليرثوا بها حزنها البدويّْ!‏
  68. 68
    يُصدي على شجرِ الوحشةِ المرِّ‏والريحُ تلفحُ زيتونةَ الانتظارِ العجوزِ‏
  69. 69
    ببابِ الأحدْ.‏كأنْ حمص بنتٌ تدقُّ على بابِ‏
  70. 70
    حبٍّ قديم.‏وما منْ أحدْ.‏
  71. 71
    غيرُ ذاكَ الخيالِ الذي يتراءى‏على حائطٍ من ظلالِ الأبدْ.‏
  72. 72
    ولكنها حينَ ينفتحُ البابُ‏تلمحُ ظلاً ضئيلاً‏
  73. 73
    محتهُ سنون الكآبةِ‏يخرجُ من وحشةِ الصمتِ‏
  74. 74
    ثم يسيرُ (ولا يلتقي بأحدْ).‏فيا ليتَ تعرفُ أنّيْ‏
  75. 75
    أنا ذلكَ الشبحُ المريميُّ الحزينْ‍‏ويا ليتها حين تبكي الرياحُ على شجرِ الحورِ‏
  76. 76
    تعرفُ أن نحيبَ الحواكيرِ رَجْعُ صدايَ‏أنا البدويُّ الذي راحَ يحدو‏
  77. 77
    على مغربِ الشمسِ:‏لا تتركوني وحيداً‏
  78. 78

    أقاتلُ وحشَ السنينْ!‏