البلبل الغريب
بدوي الجبل112 بيت
- العصر:
- العصر الحديث
- 1سلي الجمر هل غالى وجنّ و عذّبا◆كفرت به حتّى يشوق و يعذبا
- 2و لا تحرميني جذوة بعد جذوة◆فما اخضلّ هذا القلب حتّى تلهّبا
- 3و ما نال معنى القلب إلاّ لأنّه◆تمرّغ في سكب اللّظى و تقلّبا
- 4هبيني حزنا لم يمرّ بمهجة◆فما كنت أرضى منك حزنا مجرّبا
- 5و صوغيه لي وحدي فريدا و أشفقي◆على سرّه المكنون أن يتسرّبا
- 6مصونا كأغلى الدرّ عزّ يتيمه◆فأودع في أخفى الكنوز و غيّبا
- 7و صوغيه مشبوب اللّظى و تخيّري◆لآلامه ما كان أقسى و أغربا
- 8و صوغيه كالفنّان يبدع تحفه◆و يرمقها نشوان هيمان معجبا
- 9فما الحزن إلاّ كالجمال ، أحبّه◆و أترفه ، ما كان أنأى و أصعبا
- 10خيالك يا سمراء ، مرّ بغربتي◆فحيّا و رحّبنا طويلا و رحّبا
- 11جلاك لعيني مقلتين و ناهدا◆و ثغرا كمطول الرياحين أشنبا
- 12فصانك حبّي في الخيال كرامة◆و همّ بما يهواه لكن تهيّبا
- 13و بعض الهوى كالغيث إن فاض تألّق◆و بعض الهوى كالغيث إن فاض خرّبا
- 14أرى طيفك المعسول في كلّ ما أرى◆وحدت و لكن لم أجد منه مهربا
- 15سقاني الهوى كأسين : يأسا و نعمة◆فيالك من طيف أراح و أتعبا
- 16و خالط أجفاني على السّهد و الكرى◆فكان إلى عيني من الجفن أقربا
- 17شكونا له السّمراء حتّى رثى لنا◆و جرّأنا حتّى عتبنا فأعتبنا
- 18و ناولني من أرز لبنان نفحة◆فعطّر أحزاني و ندّى و خضّبا
- 19و ثنّى بريّا الغوطتين يذيعها◆فهدهد أحلامي وأغلى و طيّبا
- 20و هل دلّلت لي الغوطتان لبانة◆أحبّ من النعمى و أحلى و أعذبا
- 21وسيما من الأطفال لولاه لم أخف◆_ على الشيب_ أن أنأى و أن أتغرّبا
- 22تودّ النّجوم الزهر لو أنّها دمى◆ليختار منها المترفات و يلعبا
- 23و عندي كنوز من حنان و رحمة◆نعيمي أن يغرى بهنّ و ينهبا
- 24يجور و بعض الجور حلو محبّب◆و لم أر قبل الطفل ظلما محبّبا
- 25و يغضب أحيانا و يرضى و حسبنا◆من الصفو أن يرضى علينا و يغضبا
- 26و إن ناله سقم تمنّيت أنّني◆فداء له كنت السقيم المعذّبا
- 27و يوجز فيما يشتهي و كأنّه◆بإيجازه دلاّ أعاد و أسهبا
- 28يزفّ لنا الأعياد عيدا إذا خطا◆و عيدا إذا ناغى و عيدا إذا حبا
- 29كزغب القطا لو أنّه راح صاديا◆سكبت له عيني و قلبي ليشربا
- 30و أوثر أن يروى و يشبع ناعما◆و أظمأ في النعمى عليه و أسغبا
- 31و ألثم في داج من الخطب ثغره◆فأقطف منه كوكبا ثمّ كوكبا
- 32ينام على أشواف قلبي بمهده◆حريرا من الوشي اليمانيّ مذهبا
- 33و أسدل أجفاني غطاء يظلّه◆و ياليتها كانت أحنّ و أحدبا
- 34و حمّلني أن أقبل الضيم صابرا◆و أرغب تحنانا عليه و أرهبا
- 35فأعطيت أهواء الخطوب أعنّتي◆كما اقتدت فحلا معرق الزّهو مصعبا
- 36تأبّى طويلا أن يقاد .. و راضه◆زمان فراخى من جماح و أصحبا
- 37تدلّهت بالإيثار كهلا و يافعا◆فدلّلته جدّا و أرضيته أبا
- 38و تخفق في قلبي قلوب عديدة◆لقد كان شعبا واحدا فتشعّبا
- 39و يا ربّ من أجل الطفولة وحدها◆أفض بركات السلم شرقا و مغربا
- 40و ردّ الأذى عن كلّ شعب و إن يكن◆كفورا و أحببه و إن كان مذنبا
- 41و صن ضحكة الأطفال يا ربّ إنّها◆إذا غرّدت في موحش الرمل أعشبا
- 42ملائك لا الجنّات أنجبن مثلهم◆و لا خلدها _ أستغفر الله _ أنجبا
- 43و يا ربّ حبّب كلّ طفل فلا يرى◆و إن لجّ في الإعنات وجها مقطّبا
- 44و هيّئ له في كلّ قلب صبابة◆و في كلّ لقيا مرحبا ثمّ مرحبا
- 45و يا ربّ : إنّ القلب ملكك إن تشأ◆رددت محيل القلب ريّان مخصبا
- 46و يا ربّ في ضيق الزّمان و عسره◆أرى الصّبر آفاقا أعزّ و أرحبا
- 47صليب على غمز الخطوب و عسفها◆و لولا زغاليل القطا كنت أصلبا
- 48و لي صاحب أعقيته من موّدتي◆و ما كان مجنون الغرور ليصحبا
- 49غريبان لكنّي وفي و ما وفى◆و نازع حبل الودّ حتّى تقضّبا
- 50و با ربّ هذي مهجتي و جراحها◆سيبقين إلاّ عنك سرّا محجّبا
- 51فما عرفت إلاّ قبور أحبّتي◆و إلاّ لداتي في دجى الموت غيّبا
- 52و ما لمت في سكب الدّموع فلم تكن◆خلقت دموع العين إلاّ لتسكبا
- 53و لكنّ لي في صون دمعي مذهبا◆فمن شاء عاناه و من شاء نكّبا
- 54و يا ربّ لأحزاني وضاء كأنّني◆سكبت عليهنّ الأصيل المذهّبا
- 55ترصّد نجم الصبح منهنّ نظرة◆و أشرف من عليائه و ترقّبا
- 56فأرخيت آلاف الستور كأنّني◆أمدّ على حال من النّور غيهبا
- 57فغوّر نجم الصّبح يأسا و ما أرى◆على طهره _ حتّى بنانا مخضّبا
- 58و قد تبهر الأحزان و هي سوافر◆و لكنّ أحلاهنّ حزن تنقّبا
- 59و يا ربّ : درب الحياة سلكته◆و ما حدت عنه لو عرفت المغيّبا
- 60و لي وطن أكبرته عن ملامة◆و أغليه أن يدعى _ على الذّنب مذنبا
- 61و أغليه حتّى قذ فتحت جوانحي◆أدلّل فيهنّ الرّجاء المخيّبا
- 62تنكّر لي عند المشيب و لا قلى◆فمن بعض نعماه الكهولة و الصبا
- 63و من حقّه أن أحمل الجرح راضيا◆و من حقّه أن لا ألوم و أعتبا
- 64و ما ضقت ذرعا بالمشيب فإنّني◆رأيت الضحى كالسّيف عريان أشيبا
- 65يمزّق قلبي البعد عمّن أحبّهم◆و لكن رأيت الذلّ أخشن مركبا
- 66و أستعطف التاريخ ضنّا بأمّتي◆ليمحو ما أجزى به لا ليكتبا
- 67و يا ربّ : عزّ من أميّة لا انطوى◆و يا ربّ : نور وهّج الشرق لا خبا
- 68و أعشق برق الشام إن كان ممطرا◆حنونا بسقياه و إن كان خلّبا
- 69و أهوى الأديم السّمح ريّان مخصبا◆سنابله نشوى و أهواه مجدبا
- 70مآرب لي في الرّبوتين و دمّر◆فمن شمّ عطرا شمّ لي فيه مأربا
- 71سقى الله عند اللاذقيّة شاطئا◆مراحا لأحلامي و مغنى و ملعبا
- 72و أرضى ذرى الطّود الأشمّ فطالما◆تحدّى و سامى كلّ نجم و أتعبا
- 73و جاد ثرى الشهباء عطرا كأنّه◆على القبر من قلبي أريق و ذوّبا
- 74و حيّا فلم يخطئ حماة غمامه◆وزفّ لحمص العيش ريّان طيّبا
- 75و نضّر في حوران سهلا و شاهقا◆و باكر بالنّعمى غنّيا و متربا
- 76و جلجل في أرض الجزيرة صيّب◆يزاحم في السّقيا و في الحسن صيّبا
- 77سحائب من شرق و غرب يلمّها◆من الريح راع أهوج العنف مفضبا
- 78له البرق سوط لا تندّ غمامة◆لتشرد إلاّ حزّ فيها و ألهبا
- 79يؤلفها حينا و تطفر جفّلا◆و حاول لم يقنط إلى أن تغلّبا
- 80أنخن على طول السماء و عرضها◆يزاحم منها المنكب الضخم منكبا
- 81فلم أدر هل أمّ السماء قطيعه◆من الغيم أو أمّ الخباء المطنّبا
- 82تبرّج للصحراء قبل انسكابه◆فلو كان للصحراء ريق تحلّبا
- 83و تعذر طلّ الفجر لم يرو صاديا◆و لكنّه بلّ الرّمال و رطّبا
- 84و يسكرها أن تشهد الغيم مقبلا◆و أن تتملاّه و أن تترقّبا
- 85كأنّ طباع الغيد فيه فإن دنا◆قليلا . نأى حتّى لقد عزّ مطلبا
- 86و يطمعها حتّى إذا جنّ شوقها◆إليه انثنى عن دربها و تجنّبا
- 87تعدّ ليالي هجره و سجيّة◆بكلّ مشوق أن يعدّ و يحسبا
- 88و يبده بالسقيا على غير موعد◆فما هي إلاّ لمحة وتصبّبا
- 89كذلك لطف الله في كلّ محنة◆و إن حشد الدّهر القنوط و ألّبا
- 90إلى أن جلاها كالكعاب تزيّنت◆لتحسد من أترابها أو لتخطبا
- 91و مرّت على سمر الخيام غمامة◆تجرّ على صاد من الرّمل هيدبا
- 92نطاف عذاب رشّها الغيم لؤلؤا◆وتبرا فما أغنى و أزهى و أعجبا
- 93حبت كلّ ذي روح كريم عطائها◆فلم تنس آراما و لم تنس أذؤبا
- 94و جنّت مهاة الرّمل حتّى لغازلت◆و جنّ حمام الأيك حتّى لشبّبا
- 95و طاف الحمام السمح في البيد ناسكا◆إلى الله في سقيا الظماء تقرّبا
- 96عواطل مرّ المزن فيهنّ صائغا◆ففضّض في تلك السّهول و ذهّبا
- 97و ردّ الرّمال السمر خضرا و حاكها◆سماء و أغناها و رشّ و كوكبا
- 98و ردّ ضروع الشاء بالدرّ حفّلا◆لترضع حملانا جياعا و تحلبا
- 99و حرّك في البيد الحياة و سرّها◆فما هامد في البيد إلا توثّبا
- 100و لا عب في حال من الرّمل ربربا◆و ضاحك في غال من الوشي ربربا
- 101و جمّع ألوان الضياء و رشّها◆فأحمر ورديّا و أشقر أصهبا
- 102و أخضر بين الأيك و البحر حائرا◆و أبيض بالوهج السماوي مشربا
- 103و لونا من السّمراء صيغت فتونه◆بياضا نعم لكن بياضا تعرّبا
- 104أتدري الرّبى أنّ السماوات سافرت◆لتشهد دنيانا فأغفلت على الربى
- 105ألمّ بكفي النجوم و أنتقي◆مزرّرها في باقتي و المعصّبا
- 106دياري و أهلي بارك الله فيهما◆و ردّ الرّياح الهوج أحنى من الصبا
- 107و أقسم أنّي ما سألت بحبّها◆جزاء و لا أغليت جاها و منصبا
- 108و لا كان قلبي منزل الحقد و الأذى◆فإنّي رأيت الحقد خزيان متعبا
- 109تغرّب عن مخضلّة الدوح بلبل◆فشرّق في الدنيا وحيدا و غرّبا
- 110و غمّس في العطر الإلهيّ جانحا◆و زفّ من النّور الإلهيّ موكبا
- 111تحمّل جرحا داميا في فؤاده◆و غنّى على نأي فأشجى و أطربا
- 112و جرّأنا حتّى عتبنا فأعتبا◆تنكّر لي عند المشيب _ و لا قلى _