مدينة بلا مطر
بدر شاكر السياب55 بيت
- العصر:
- العصر الحديث
- 1مدينتنا تؤرّق ليلها نار بلا لهب◆تحمّ دروبها و الدّور ثم تزول حمّاها
- 2و يصبغها الغروب بكل ما حملته من سحب◆فتوشك أن تطير شراره و يهب موتاها
- 3صحا من نومه الطينيّ تحت عرائش العنب◆صحا تموز عاد لبابل الخضراء يرعاها
- 4و توشك أن تدق طبول بابل ثم يغشاها◆صفير الريح في أبراجها و أنين مرضاها
- 5و في غرفات عشتار◆تظل مجامر الفخار خاوية بلا نار
- 6و يرتفع الدعاء كأن كل حناجر القصب◆من المستنقعات تصيح
- 7لاهثة من التعب◆تؤوب إله الدم خبز بابل شمس آذار
- 8و نحن نهيم كالغرباء من دار إلى دار◆لنسأل عن هداياها
- 9جياع نحن و اأسفاه فارغتان كفّاها◆و قاسيتان عيناها
- 10و باردتان كالذهب◆سحائب مرعدات مبرقات دون إمطار
- 11قضينا العام بعد العام بعد العام نرعاها◆وريح تشبه الإعصار لا مرّت كإعصار
- 12و لا هدأت ننام و نستفيق و نحن نخشاها◆فيا أربابنا المتطلعين بغير ما رحمه
- 13عيونكم الحجار نحسّها تنداح في العتمة◆لترجمنا بلا نقمة
- 14تدور كأنهن رحى بطيئات تلوك جفوننا◆حتى ألناها
- 15عيونكم الحجار كأنّها لبنان أسوار◆بأيدينا بما لا تفعل الأيدي بنيناها
- 16عذارانا حزاني ذاهلات حول عشتار◆يغيض الماء شيئا بعد شيء من محيّاها
- 17و غصنا بعد غصن تذبل الكرمة◆بطيء موتنا المنسلّ بين النور و الظلمة
- 18له الويلات من أسد نكابد شدقه الأدرد◆أنار البرق في عينيه أم من شعله المعبد
- 19أفي عينيه مبخرتان أوجرتا لعشتار◆أنافذتان من ملكوت ذات العالم الأسود
- 20هنالك حيث يحمل كل عام جرحة الناريّ◆جرح العالم الدوار فاديه
- 21و منقذه الذي في كل عام من هناك يعود بالازهار◆و الأمطار تجرحنا يداه لنستفيق على أياديه
- 22و لكن مرّت الأعوام كثرا ما حسبناه◆بلا مطر و لو قطرة
- 23و لا زهرة و لو زهرة◆بلا ثمر كأنّ نخيلنا الجرداء أنصاب أقمناها
- 24لنذبل تحتها و نموت◆سيدنا جفانا آه يا قبره
- 25أما في قاعك الطيني من جرّة◆أما فيها بقايا من دماء الرب أو بذره
- 26حدائقه الصغيرة أمس حعنا فافترسناها◆سرقنا من بيوت النمل من أجرانها دخنا و شوفانا
- 27و أوشابا زرعناها◆فوفّينا و ما وفى لنا نذره
- 28و سار صغار بابل يحملون سلال صبّار◆و فاكهة من الفخّار قربانا لعشتار
- 29و يشعل خاطف البرق◆بظل من ظلال الماء و الخضراء و النار
- 30و جوههم المدوّرة الصغيرة و هي تستسقي◆فيوشك أن يفتّح و هي تومض حقل نوار
- 31ورفّ كأنّ ألف فراشة نثرت على الأفق◆نشيدهم الصغير
- 32قبور إخوتنا تنادينا◆و تبحث عنك أيدينا
- 33ل؟أن الخوف ملء قلوبنا و رياح آذار◆تهز مهودنا فنخاف و الأصوات تدعونا
- 34جياع نحن مرتجفون في الظلمة◆و نبحث عن يد في الليل تطعمنا تغطّينا
- 35نشد عيوننا المتلفتات بزندها العاري◆و نبحث عنك في الظلماء عن ثديين عن حلمة
- 36فيا من صدرها الأفق الكبير و ذديها الخيمة◆سمعت نشيجنا و رأيت كيف نومت فاسقينا
- 37نموت و أنت واأسفاه قاسية بلا رحمة◆فيا آباءنا من يفتدينا من سيحيينا
- 38و من سيمةت يولم لحمه فينا◆و أبرقت السماء كأن زنبقة من النار
- 39تفتح فوق بابل نفسها و أضاء وادينا◆و غلغل في قراره أرضنا
- 40فتوشك أن تطير شرارة و يهب موتاها◆تؤوب ألهة الدم خبز بابل شمس آذار
- 41فيا أربابنا المتطلعين بغير ما رحمة◆حتى ألفناها
- 42عيونكم الحجار كأنّها لبنات أسوار◆أنار البرق في عينيه أم من شعلة المعبد
- 43أنافذتان من ملكوت ذاك العالم الأسود◆و منقذه الذي في كل عام من هناك يعود بالأزهار
- 44و لكن مرّت الأعوام كثرا ما حسبناها◆و لا زهر و لو زهرة
- 45حدائقه الصغيرة أمس جعنا فافترسناها◆لأن الخوف ملء قلوبنا و رياح آذار
- 46نشد عيوننا المتلفقات بزندها العاري◆فيا من صدرها الأفق الكبير و ثديها الغيمة
- 47سمعت نشيجنا ورأيت كيف نموت فاسقينا◆نموت وأنت _وا أسفاه_ قاسيةٌ بلا رحمةْ
- 48و من سيموت يُولمُ لَحمه فينا◆و غلغل في قرارة أرضنا
- 49وهج فعرّاها◆بكل بذورها وجذورها وبكل موتاها
- 50وسحّ وراء مارفعته بابل حول حماها◆وحول ترابها الظمآن من عمد وأسوار
- 51سحاب لولا هذه الأسوار رواها◆وفي أبد من الإصغاء بين الرعد والرعد
- 52سمعنا لاحفيف النخل تحت العارض السحّاح◆أو ماوشوشته الريح حيث ابتلت الأدواح
- 53ولكن خفقة الأقدام والأيدي◆وكركرة وآه صغيرة قبضت بيمناها
- 54على قمر يرفرف كالفراشة ، أو على نجمة◆على هبة من الغيم
- 55على رعشات ماء قطرت همست بها نسمة◆لنعلم أن بابل سوف تغسل من خطاياها