غريب على الخليج
بدر شاكر السياب63 بيت
- العصر:
- العصر الحديث
- 1جلس الغريب يسرع البصر المحير في الخليج◆ويهد أعمدة الضياء بما يصعد من نشيج
- 2"أعلى من العباب يهدر رغوه ومن الضجيج◆صوت تفجر في قرارة نفسي الثكلى: عراق،
- 3كالمد يصعد كالسحابة كالدموع إلى العيون◆الريح تصرخ بي: عراق،
- 4والموج يعول بي: عراق، عراق، ليس سوى عراق!◆البحر أوسع ما يكون وأنت أبعد ما تكون
- 5والبحر دونك يا عراق.◆بالأمس حين مررت بالمقهى، سمعتك يا عراق...
- 6وكنت دورة أسطوانة◆هي دورة الأفلاك من عمري، تكور لي زمانه
- 7في لحظتين من الزمان، وإن تكن فقدت مكانه.◆هي وجه أمي في الظلام
- 8وصوتها، يتزلقان مع الروي حتى أنام،◆وهي النخيل أخاف منه إذا ادلهم مع الغروب
- 9فاكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لا يؤوب◆من الدروب،
- 10وهي المفلية العجوز وما توشوش عن "حزام"◆وكيف شق القبر عنه أمام "عفراء" الجميله
- 11فاحتازها... إلا جديله.◆زهراء، أنت... أتذكرين
- 12تنورنا الوهاج تزحمه أكف المصطلين؟◆وحديث عمتى الخفيض عن الملوك الغابرين؟
- 13ووراء باب كالقضاء◆قد أوصدته على النساء
- 14أيد تطاع بما تشاء لأنها أيدي رجال -◆كان الرجال يعربدون ويسمرون بلا كلال.
- 15أفتذكرين؟ أتذكرين؟◆سعداء كنا قانعين
- 16بذلك القصص الحزين لأنه قصص النساء.◆الريح تلهث بالهجيرة كالجثام، على الأصيل
- 17و على القلوع تظل تطوى أو تنشّر للرحيل◆زحم الخليج بهنّ مكتدحون جوّابو بحار
- 18من كل حاف نصف عاري◆و على الرمال ، على الخليج
- 19جلس الغريب، يسرّح البصر المحيّر في الخليج◆و يهدّ أعمدة الضياء بما يصعّد من نشيج
- 20أعلى من العبّاب يهدر رغوه و من الضجيج"◆صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى : عراق
- 21كالمدّ يصعد ، كالسحابة ، كالدموع إلى العيون◆الريح تصرخ بي عراق
- 22و الموج يعول بي عراق ، عراق ، ليس سوى عراق ◆البحر أوسع ما يكون و أنت أبعد ما يكون
- 23و البحر دونك يا عراق◆بالأمس حين مررت بالمقهى ، سمعتك يا عراق
- 24هي دورة الأفلاك في عمري، تكوّر لي زمانه◆في لحظتين من الأمان ، و إن تكن فقدت مكانه
- 25وصوتها، يتزلقان مع الرؤى حتى أنام◆و هي النخيل أخاف منه إذا ادلهمّ مع الغروب
- 26فاكتظّ بالأشباح تخطف كلّ طفل لا يؤوب◆وهي المفليّة العجوز وما توشوش عن حزام
- 27وكيف شقّ القبر عنه أمام عفراء الجميلة◆فاحتازها .. إلا جديلة
- 28زهراء أنت .. أتذكرين◆تنّورنا الوهّاج تزحمه أكف المصطلين ؟
- 29وحديث عمتي الخفيض عن الملوك الغابرين ؟◆أبد تطاع بما تشاء، لأنها أيدي الرجال
- 30كان الرجال يعربدون ويسمرون بلا كلال◆أفتذكرين ؟ أتذكرين ؟
- 31بذلك القصص الحزين لأنه قصص النساء◆حشد من الحيوات و الأزمان، كنا عنفوانه
- 32كنا مداريه اللذين ينام بينهما كيانه◆أفليس ذاك سوى هباء ؟
- 33حلم ودورة أسطوانة ؟◆إن كان هذا كلّ ما يبقى فأين هو العزاء ؟
- 34أحببت فيك عراق روحي أو حببتك أنت فيه◆يا أنتما - مصباح روحي أنتما - و أتى المساء
- 35و الليل أطبق ، فلتشعّا في دجاه فلا أتيه◆لو جئت في البلد الغريب إلى ما كمل اللقاء
- 36الملتقى بك و العراق على يديّ .. هو اللقاء◆شوق يخضّ دمي إليه ، كأن كل دمي اشتهاء
- 37جوع إليه .. كجوع كلّ دم الغريق إلى الهواء◆شوق الجنين إذا اشرأبّ من الظلام إلى الولادة
- 38إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون◆أيخون إنسان بلاده؟
- 39إن خان معنى أن يكون ، فكيف يمكن أن يكون ؟◆الشمس أجمل في بلادي من سواها ، و الظلام
- 40حتى الظلام - هناك أجمل ، فهو يحتضن العراق◆واحسرتاه ، متى أنام
- 41فأحسّ أن على الوسادة◆من ليلك الصيفي طلاّ فيه عطرك يا عراق ؟
- 42بين القرى المتهيّبات خطاي و المدن الغريبة◆غنيت تربتك الحبيبة
- 43وحملتها فأنا المسيح يجرّ في المنفى صليبه ،◆فسمعت وقع خطى الجياع تسير ، تدمي من عثار
- 44فتذر في عيني ، منك ومن مناسمها ، غبار◆ما زلت اضرب مترب القدمين أشعث ، في الدروب
- 45تحت الشموس الأجنبية◆متخافق الأطمار ، أبسط بالسؤال يدا نديّة
- 46صفراء من ذل و حمى : ذل شحاذ غريب◆بين العيون الأجنبية
- 47بين احتقار ، و انتهار ، و ازورار .. أو ( خطيّة)◆و الموت أهون من خطّية
- 48من ذلك الإشفاق تعصره العيون الأجنبية◆قطرات ماء ..معدنيّة
- 49فلتنطفي، يا أنت ، يا قطرات ، يا دم ، يا .. نقود◆يا ريح ، يا إبرا تخيط لي الشراع ، متى أعود
- 50إلى العراق ؟ متى أعود ؟◆يا لمعة الأمواج رنحهن مجداف يرود
- 51بي الخليج ، ويا كواكبه الكبيرة .. يا نقود◆ليت السفائن لا تقاضي راكبيها من سفار
- 52أو ليت أن الأرض كالأفق العريض ، بلا بحار◆ما زلت أحسب يا نقود ، أعدكنّ و أستزيد ،
- 53ما زلت أنقص ، يا نقود ، بكنّ من مدد اغترابي◆ما زلت أوقد بالتماعتكن نافذتي و بابي
- 54في الضفّة الأخرى هناك . فحدثيني يا نقود◆متى أعود ، متى أعود ؟
- 55أتراه يأزف ، قبل موتي ، ذلك اليوم السعيد ؟◆سأفيق في ذاك الصباح ، و في السماء من السحاب
- 56كسر، وفي النسمات برد مشبع بعطور آب◆و أزيح بالثؤباء بقيا من نعاسي كالحجاب
- 57من الحرير ، يشف عما لا يبين وما يبين◆عما نسيت وكدت لا أنسى ، وشكّ في يقين
- 58ويضيء لي _ وأنا أمد يدي لألبس من ثيابي-◆ما كنت ابحث عنه في عتمات نفسي من جواب
- 59لم يملأ الفرح الخفي شعاب نفسي كالضباب ؟◆اليوم _ و اندفق السرور عليّ يفجأني- أعود
- 60واحسرتاه .. فلن أعود إلى العراق◆من كان تعوزه النقود ؟ وكيف تدّخر النقود
- 61و أنت تأكل إذ تجوع ؟ و أنت تنفق ما تجود◆به الكرام ، على الطعام ؟
- 62لتبكينّ على العراق◆فما لديك سوى الدموع
- 63
وسوى انتظارك ، دون جدوى ، للرياح وللقلوع