حفار القبور

بدر شاكر السياب

146 بيت

العصر:
العصر الحديث
حفظ كصورة
  1. 1
    ضوء الأصيل يغيم كالحلم الكئيب على القبور◆واه كما ابتسم اليتامى أو كما بهتت شموع
  2. 2
    في غيهب الذكرى يهوم ظلهن على دموع◆والمدرج النائي تهب عليه أسراب الطيور
  3. 3
    كالعاصفات السود كالأشباح في بيت قديم◆برزت لترعب ساكنيه
  4. 4
    من غلرفة ظلماء فيه◆وتثاءب الطلل البعيد يحدق الليل البهيم
  5. 5
    من بابه الأعمى ومن شباكه الخرب البليد◆والجو يملؤه النعيب
  6. 6
    فتردد الصحراء في يأس واعوال رتيب◆أصداءه المتلاشيات
  7. 7
    والريح تذروهن في سأم على التل البعيد◆وكأن بعض الساحرات
  8. 8
    مدت أصابعها العجاف الشاحنات الى السماء◆تومي الى سرب من الغربان تلويه الرياح
  9. 9
    في آخر الأفق المضاء◆حتى تعال ثم فاض على مراقيه الفساح
  10. 10
    فكأن ديدان القبور◆فارت لتلتهم الفضاء وتشرب الضوء الغريق
  11. 11
    وكأنما أزف النشور◆فاستيقظ الموتى عطاشى يلهثون على الطريق
  12. 12
    وتدفع السرب الثقيل◆يطفو ويرسب في الأصيل
  13. 13
    لجبا يرنق بالظلام على القبور الباليات◆وظلاله السوداء تزحف كالليالي الموحشات
  14. 14
    وعلى القبور◆وتنفس الضوء الضئيل
  15. 15
    بعد اختناق بالطيوف الراعبات وبالجثام◆ثم ارتخت تلك الظلال السود وانجاب الظلام
  16. 16
    فانجاب عن ظل طويل◆يلقيه حفار القبور
  17. 17
    كفان جامدتان أبرد من جباه الخاملين◆وكأن جولهما هواء كان في بعض اللحود
  18. 18
    في مقلة جوفاء خاوية يهوم في ركود◆كفان قاسيتان جائعتان كالذئب السجين
  19. 19
    وفم كشق في جدار◆مستوحد بين الصخور الصم من أنقاض دار
  20. 20
    عند المساء ومقلتان تحدقان بلا بريق◆وبلا دموع في الفضاء
  21. 21
    هو ذا المساء◆يدنو وأشباح النجوم تكاد تبدو والطريق
  22. 22
    خال فلا نعش يلوح على مداه ولا عويل◆الا النعيب
  23. 23
    وتنهد الريح الطويل◆وعلام تنعب هذه الغربان والكون الرحيب
  24. 24
    باق يدور يعج بالأحياء مرضى جائعين◆بيض الشعور كأعظم الأموات لكن خالدين
  25. 25
    لا يهلكون علام تنعب ان عزرائيل مات◆وغدا أموت غدا أموت
  26. 26
    وهز حفار القبور◆يمناه في وجه السماء وصاح رب أما تثور
  27. 27
    فتبيد نسل العار تحرق بالرجوم المهلكات◆أحفاد عاد باعة الدم والخطايا والدموع
  28. 28
    يا رب ما دام الفناء◆هو غاية الأحياء فأمر يهلكوا هذا المساء
  29. 29
    سأموت من ظماء وجوع◆ان لم يمت هذا المساء الى غد بعض الأيام
  30. 30
    فابعث به قبل ااالظلام◆يا رب أسبوع طويل مر كالعام الطويل
  31. 31
    والقبر خاو يفغر الفم في انتظار في انتظار◆ما زلت أحفرةه وبطمر الغبار
  32. 32
    تتثاءب الظلماء فيه ويرشح القاع البليل◆مما تعصر أعين الموتى وتنضحه الجلود
  33. 33
    تلك الجلود الشاحبات وذلك اللحم النثير◆حتى الشفاءه يمص من دمها الثرى حتى النهود
  34. 34
    تذوي ويقطر في ارتخاء من مراضعها المغير◆واها لهاتيك النواهد والمآقي والشفاه
  35. 35
    واها لأجساد الحسان أيأكل الليل الرهيب◆والدود منها ما تمناه الهوى واخيبتاه
  36. 36
    كم جثة بيضاء لم تفتضها شفتا حبيب◆هل كان عدلا أن أحن إلى السراب و لا أنال
  37. 37
    إلا الحنين و ألف أنثى تحت أقدامي تنام◆أفكلما اتقدت رغاب في الجوانح شح مال
  38. 38
    ما زلت أسمع بالحروب فأين أين هي الحروب◆أين السنابك و القذابف و الضحايا في الدروب
  39. 39
    لأظل أدفنها فلا تسع الصحارى◆فأدس في قمم التلال عظامهن و في الكهوف
  40. 40
    فكأن قعقهة المنازل في اللظى نقر الدفوف◆أو وقع أقدام العذارى
  41. 41
    يرقص حولي لا عبات بالضصنوج و بالسيوف◆نبئت عن حرب تدور لعل عزرائيل فيها
  42. 42
    في الليل يكدح و النهار فلن يمر على قرانا◆أو بالمدينة و هي توشك أن تضيق بساكنيها
  43. 43
    نبئت أن القاصفات هناك ما تركت مكانا◆إلا وحل به الدمار فأي سوق للقبور
  44. 44
    حتى كأن الأرض من ذهب يضاحك حافريها◆حتى كأن معاصر الدم دافقات بالخمور
  45. 45
    أواه لو أني هناك أسد باللحم النثير◆جوع القبور و جوع نفسي في بلاد ليس فيها
  46. 46
    إلا أرامل أو عذارى غاب عنهن الرجال◆وافتضهن الفاتحون إلى الذماء كما يقال
  47. 47
    مازلت أسمع بالحروب فما لأعين موقديها◆لا تستقر على قرانا ليت عيني تلتقيها
  48. 48
    و تخضهن إلى القرار و كالنيازك و الرعود◆تهوي بهن على النخيل على الرجال على المهود
  49. 49
    حتى تحدق أعين الموتى كآلاف اللآلي◆من كل شبر في المدينه ثم تنظم كالعقود
  50. 50
    في هذه الأرض الخراب فيا لأعينها و يا لي◆رباه إني أقشعر أكاد أسمع في الخيال
  51. 51
    أغنية تصف العيون◆تنثال من مقهى فأنصت في الزحام و ينصتون
  52. 52
    و كأن ما بيني و بين الآخرين من الهواء◆ثدي سخي بالحليب و بالمحبة و الأخاء
  53. 53
    يا رب أسبوع يمر و لست أسمع من غناء◆إلا النعيب
  54. 54
    و تنهد الريح الرتيب◆واخيبتاه ألن أعيش بغير موت الآخرين
  55. 55
    و الطيبات من الرغيف إلى النساء إلى البنين◆هي منة الموتى علي فكيف أشفق بالأنام
  56. 56
    فلتمطرنهم القذائف بالحديد و بالضرام◆و بما تشاء من انتقام
  57. 57
    من حميات أو جذام◆نذر علي لئن تشب لازرعن من الورود
  58. 58
    ألفا تروى بالدماء و سوف أرصف بالنقود◆هذا المزار وسوف أركض في الهجير بلا حذاء
  59. 59
    و أعد أحذية الجنود◆و أخط في وحل الرصيف وقد تلطخ وقد تلطخ بالدماء
  60. 60
    أعدادهن لأستبيح عدادهن من النهود◆و سأدفن الطفل الرمي و أطرح الأم الحزينة
  61. 61
    بين الصخور على ثراه◆و لسوف أغرز بين ثدييها أصابعي اللعينة
  62. 62
    و يكاد يحنقها لهاثي و هي تسمع في لظاه◆قلبي ووسوسة النقود نقودها و اخجلتاه
  63. 63
    أنا لست أحقر من سواي و إن قسوت فلي شفيع◆أني كوحش في الفلاء
  64. 64
    لم أقرأ الكتب الضخام و شافعي ظمأ و جوع◆أو ما ترى المتحضرين
  65. 65
    المزدهين من الحديد بما يطير و ما يذيع◆مهما ادنأت فلن أسف كما أسفوا لي شفيع
  66. 66
    أني نويت و يفعلون و إن من يئد البنين◆و الأمهات و يستحل دم الشيوخ العاجزين
  67. 67
    لأحط من زان انتهك الغزاة و ما استباحوا◆و القاتلون هم الجناه و ليس حفار القبور
  68. 68
    و هم الذين يلونون لي البغايا بالخمور◆و هم المجاعة و الحرائق و المذابح و النواح
  69. 69
    و هم الذين سيتركون أبي وعمته الضريره◆بين الخرائب ينبشان ركامهن عن العظام
  70. 70
    أو يفحصان عن الجذور و يلهثان من الأورام◆و الصخر كالمقل الضريرة
  71. 71
    و سيوثقون بشسعر أختي قبضتي و كالظلام◆و كخضة الحمى تسمرها على دمها صدور
  72. 72
    تعلو و تهبط باللهاث كأنهن رحى تدور◆يا مجرمون إلى الوراء فسوف تنتفض القبور
  73. 73
    و تقيء موتاها و يا موتي على اسم الله ثورا◆رباه عفوك إن قابيل المكبل بالحديد
  74. 74
    في نفسي الظلماء هب وقر يعصره الملال◆فالليل جاء و ما أزال
  75. 75
    مستوحدا أرعى القبور و أنفض الدرب البعيد◆و كأن يا بشرى كأن هناك في أقصى الجنوب
  76. 76
    خطا كأذيال الظلام و لمعة كدم الغروب◆لكأنه ضيف جديد
  77. 77
    و بدا الجناز و راح يشهق و هو يدنو في ارتخاء◆الأوجه المتحجرات يضيئها الشفق الكئيب
  78. 78
    و الغمغمات الخافتات من انفعال أو رياء◆و النعش يحجبه غطاء
  79. 79
    ألوانه المترنحات كأنما اعتصر المغيب◆فيها قواه و ذاب فيها كوكب واهي الضياء
  80. 80
    حتى إذا انهال التراب و صفح القبر الجديد◆و تراعش الألق الضئيل على الظهور المتعبات
  81. 81
    حتى اضمحل و غيبتها ظلمة الأفق البعيد◆كانت مصابيح السماء تذر ضوءا كالضباب
  82. 82
    بين القبور الموحشات◆و على الخرائب و الرمال و كان حفار القبور
  83. 83
    متعثر الخطوات يأخذ دربه تحت الظلام◆يرعى مصابيح المدينه و هي تخفق في اكتئاب
  84. 84
    وز يظل يحلم بالنساء العاريات و بالخمور◆و تحسست يده النقود و هيأ الفم لابتسام
  85. 85
    حتى تلاشى في الظلام◆-2- النور ينضح من نوافذ حانه عبر الطريق
  86. 86
    و تكاد رائحة الخمور◆تلقى على الضوء المشبع بالدخان و بالفتور
  87. 87
    ظلا كألوان حيارى واهيات من حريق◆ناء توهم في الدجى الضافي على وجه حزين
  88. 88
    و تلوح أشباح عجاف◆خلف الزجاج تهيم في الضوء السرابي الغريق
  89. 89
    و يشد حفار القبور على الزجاجة باليمين◆و كمن يحاذر أو يخاف
  90. 90
    يرنو إلى الدرب المنقط بالمصابيح الضئال◆و تحركت شفتاه في بطء و غمغم في انخذال
  91. 91
    أظننت أنك سوف تقتحم المدينه كالغزاه◆كالفاتحين و تشتريها بالذي ملكت يداك
  92. 92
    بأقل من ثمن الطلاء القرمزي على شفاه◆أو في أظافر لاحقتها ذات يوم مقلتاك
  93. 93
    سأعود لانهد تعصره يدي حتى الذهول◆حتى التأوه و الأنين و صرخة الدم في العروق
  94. 94
    و السكرة العمياء و الخدر المضعضع و الأفول◆و الأذرع المتفترات يلون الضوء الخفوق
  95. 95
    هزاتها المستسلمات و ينفح الدم و العبير◆ظل لهن على السرير
  96. 96
    الأذرع المتفترات و زهرتان على الوساد◆نسجتهما كف مخضبة الأظافر زهرتان
  97. 97
    تتفتحان على الوسادة كالشفاه و تهمسان◆نغما يذوب إلى رقاد
  98. 98
    و تألق الجيد الشهي و لفحة النفس البهير◆و النور منفلتا من ال|أهداب تثقله الطيوب
  99. 99
    قلقا كمصباح السفينه راوحته صبا لعوب◆و تخافق الأظلال في دعة ووسوسة الحرير
  100. 100
    و الحلمتان أشد فوقهما بصدري في اشتهاء◆حتى أحسهما بأضلعي و أعتصر الدماء
  101. 101
    باللحم و الدم و الحنايا منهما لا باليدين◆حتى تغيبا في صدري إلى غير انتهاء
  102. 102
    حتى تمصا من دماي و تلفظاني في ارتخاء◆فوق السرير
  103. 103
    ثم نثوي جثتين◆لولا التماعات الكواكب و انعكاس من ضياء
  104. 104
    تلقيه نافذة ووقع خطى تهاوى في عياء◆يصدى له الليل العميق و حارس تعب يعود
  105. 105
    و سنان يحلم بالفراش و زوجه تذكي السراج◆و تؤجج التنور صامته و أخيلة اللهيب
  106. 106
    تضفي عليها ما تشاء من اكتئاب و ابتهاج◆ثم اضمحل الحارس المكدود و النغم الرتيب
  107. 107
    وقع الخطى المتلاشيات كأنه الهمس المريب◆ما زال يخفق من بعيد
  108. 108
    و تململت قدمان و ارتفعت يد بعد انتظار◆و هوت على الباب العتيق فأرسل الخشب البليد
  109. 109
    صوتا كإيقاع المعاول حين إدبار النهار◆بين القبور الموحشات و أطبق الصمت الثقيل
  110. 110
    و أطل من إحدى النوافذ و هي تفتح و ارتياب◆وجه حزين ثم غاب
  111. 111
    و تحرك الباب المضعضع و هو يجهش بالعويل◆و تقول أنثى في اكتئاب
  112. 112
    ضيف جديد ثم تفرك مقلتيها في فتور◆و يظل يزحف كالكسوف يحجب الألق الضئيل
  113. 113
    عن وجهها ظل يقيدها بحفار القبور◆في زهوة الشفق الملون حيث يحترق النهار
  114. 114
    في عودة الرعيان أشباحا يظللها الغبار◆في ساعة الشوق الكئيب إلى شواطيء كالضباب
  115. 115
    و إلى أكف مخلصات◆و إلى أغان مبهمات هائمات في شعاب
  116. 116
    أنأى من الأصداء تغشاها نجوم ساهمات◆في ساعة الشفق الملون كان إنسان يثور
  117. 117
    بين الجنادل و القبور◆نفس معذبه تثور
  118. 118
    أأظل أحلم بالنعوش و أنفض الدرب البعيد◆بالنظرة الشزراء و اليأس المظلل بالرجاء
  119. 119
    يطفو و يرسب و السماء كأنها صنم بليد◆لا مأمل في مقلتيه و لا شواظ و لا رثاء
  120. 120
    لو أنها انفجرت تقهقه بالرعود القاصفات◆لو أنها انكمشت وصاحت كالذئاب العاويات
  121. 121
    فات الأوان فخط لحدك واثو فيه إلى النشور◆لو أنها انطبقت علي كأنها فم أفعوان
  122. 122
    لو أنها اعتصرت قواي◆و مات ظل الأرجوان
  123. 123
    في آخر الأفق البعيد و لألأت قطرات نور◆مما تبعثره المدينة و هي تبسم في فتور
  124. 124
    و كأنما رضعت مصابيح المدينة مقلتاه◆فسرت لهيبا في دماه و ألغمتها بالرغاب
  125. 125
    و كأنهن على المدى المقرور آلاف الشفاه◆تدعوه ظمأى لاهثات مثل أحداق الذئاب
  126. 126
    ما زلت تحترقين من فرح و أحتراق انتظار◆أنا انتهينا
  127. 127
    يا سماء و يا قبور أما أراها◆لا بد من هذا وصوب مقلتيه إلى السماء
  128. 128
    حنقا يزمجر ثم أطرق و هو يحلم بالقاء◆باب تفتح في الظلام و ضحكة و شذى ثقيل
  129. 129
    ويدان تجتذبان أغطية السرير و ترخيان◆إحدى الستائر
  130. 130
    ثم تنطفئان في الضوء الضئيل◆و تغيم أخيلة و تجلى ثم تبرز حلمتان
  131. 131
    ويطل وجه شاحب القسمات مختلج الشفاه◆و تغيم أخيلة و تحلى ثم تفتح مقلتاه
  132. 132
    فيرى القبور◆و يرى المصابيح البعيدة كالمجامر في اتقاد
  133. 133
    و يرى الطريق إلى القبور◆يكتظ بالأشباح زاحفة إليه على اتئاد
  134. 134
    فيصيح من فرح سألقاها فإن الطريق◆نعشا و إن حف النساء به و أملق حاملوه
  135. 135
    إني سألقاها و ينهض و هو يرفع باليمين◆فانوسة الصدىء العتيق
  136. 136
    يلقي سناه على الوجوه◆و على الدثار القرمزي و في عيون القادمين
  137. 137
    لو أنه اخترق الدثار بمقلتيه و بالضياء◆لو حدث التابوت عمن فيه أو رفعت يداها
  138. 138
    أو هبة للزعزع النكباء حاشية الغطاء◆تحت النجوم الساهمات
  139. 139
    لكاد ينكر من رآها◆و تظل أنوار المدينة و هي تلمع من بعيد
  140. 140
    و يظل حفار القبور◆ينأى عن القبر الجديد
  141. 141
    معتثر الخطوات يحلم باللقاء و بالخمرو◆فابعث به قبل الظلام
  142. 142
    فالليل جاء وما أزال◆خطا كأذيال الظلام ولمعة كدم الغروب
  143. 143
    ويظل يحلم بالنساء العاريات وبالخمور◆و تحسست يده النقود وهيأ الفم لابتسام
  144. 144
    بين الجنادل والقبور◆أأظل أحلم بالنعوش وأنفض الدرب البعيد
  145. 145
    بالنظرة الشزراء واليأس المظلل بالرجاء◆يطفو ويرسب والسماء كأنها صنم بليد
  146. 146
    لا مأمل في مقلتيه ولا شواظ ولا رثاء◆معتثر الخطوات يحلم باللقاء وبالخمور