المومس العمياء

بدر شاكر السياب

233 بيت

العصر:
العصر الحديث
حفظ كصورة
  1. 1
    المومس العمياء .الليل يطبق مرة أخرى، فتشربه المدينه
  2. 2
    والعابرون، إلى القرارة... مثل أغنية حزينه.وتفتحت كأزاهر الدفلي، مصابيح الطريق،
  3. 3
    كعيون "ميدوزا"، تحجر كل قلب الضغينه،وكأنها نذر تبشر أهل "بابل" بالحريق
  4. 4
    من أي غاب جاء هذا الليل؟ من أي الكهوفمن أي وجر للذئاب؟
  5. 5
    من أي عش في المقابر دف أسفع كالغراب؟"قابيل" أخف دم الجريمة بالأزاهر والشفوف
  6. 6
    وبما تشاء من العطور أو ابتسامات النساءومن المتاجر والمقاهي وهي تنبض بالضياء
  7. 7
    عمياء كالخفاش في وضح النهار، هي المدينة،والليل زاد لها عماها.
  8. 8
    والعابرون:الأضلع المتقوسات على المخاوف والظنون،
  9. 9
    والأعين التعبى تفتش عن خيال في سواهاوتعد آنية تلألأ في حوانيت الخمور:
  10. 10
    موتى تخاف من النشورقالوا سنهرب، ثم لاذوا بالقبور من القبور!
  11. 11
    أحفاد "أوديب" الضرير ووارثوه المبصورن.(جوكست) أرملة كأمس، وباب "طيبة" ما يزال
  12. 12
    يلقي "أبو الهول" الرهيب عليه، من رعب ظلالوالموت يلهث في سؤال
  13. 13
    باق كما كان السؤال، ومات معناه القديممن طول ما اهترأ الجواب على الشفاه.
  14. 14
    وما الجواب؟"أنا" قال بعض العابرين...
  15. 15
    وانسلت الأضواء من باب تثاءب كالجحيميبحثن في النيران عن قطرات ماء... عن رشاش.
  16. 16
    لا تنقلن خطاك فالمبغى "علائي" الأديم:أبناؤك الصرعى تراب تحت نعلك مستباح،
  17. 17
    يتضاحكون ويعولون.أو يهمسون بما جناه أب يبرؤه الصباح
  18. 18
    مما جناه، ويتبعون صدى خطاك إلى السكونالحارس المكدود يعبر متعبات،
  19. 19
    النون في أحداقهن يرف كالطير السجين،وعلى الشفاه أو الجبين
  20. 20
    تترنح البسمات والأصباغ ثكلى، باكيات،متعثرات بالعيون وبالخطى والقهقهات،
  21. 21
    أوصال جندي قتيل كللوها بالزهور،وكأنها درج إلى الشهوات، تزحمه الثغور
  22. 22
    حتى تهدم أو يكاد. سوى بقايا من صخور.جيف تستر بالطلاء، يكاد ينكر من رآها
  23. 23
    أن الطفولة فجرتها ذات يوم بالضياءكالجدول الثرثار - أو أن الصباح رأى خطاها
  24. 24
    في غير هذا الغار تضحك للنسائم والسماء،ويكاد ينكر أن شقا لاح من خلل الطلاء
  25. 25
    قد كان - حتى قبل أعوام من الدم والخطيئة -ثغرا يكركر، أو يثرثر بالأقاصيص البريئه
  26. 26
    لأب يعود بما استطاع من الهدايا في المساء:لأب يقبل وجه طفلته الندي أو الجبين
  27. 27
    أو ساعدين كفرختين من الحمائم في النقاء.ما كان يعلم أن ألف فم كبئر دون ماء
  28. 28
    ستمص من ذاك المحيا كل ماء للحياءحتى يجف على العظام - وأن عارا كالوباء
  29. 29
    يصم الجباه فليس تغسل منه إلا بالدماءسيحل من ذاك الجبين به ويلحق بالبنين -
  30. 30
    والساعدين الأبيضين، كما تنور في السهولتفاحة عذراء، سوف يطوقان مع السنين
  31. 31
    كالحيتين، خصور آلاف الرجال المتعبينالخارجين خروج آدم، من نعيم في الحقول
  32. 32
    تفاحة الدم والرغيف وجرعتان من الكحولوالحية الرقطاء ظل من سياط الظالمين
  33. 33
    أتريد من هذا الحطام الآدمي المستباحدفء الربيع وفرحة الحمل الغرير مع الصباح
  34. 34
    ودواء ما تلقاه من سأم وذل واكتداحالمال، شيطان المدينه
  35. 35
    إبر تسل بها خيوط من وشائع في الحناياوتظل تنسج، بينهن وبين حشد العابرين،
  36. 36
    شيئا كبيت العنكبوت يخضه الحقد الدفين:حقد سيعصف بالرجال
  37. 37
    والأخرىات، النائمات هناك في كنف الرجالوالساهرات على المهود وفي بيوت الأقربين
  38. 38
    حول الصلاء بلا اطراح للثياب ولا اغتسالفي الزمهرير، ودون عد لليالى والسنين!
  39. 39
    ويمر عملاق يبيع الطير، معطفه الطويلحيران تصطفق الرياح بجانبيه، وقبضتاه
  40. 40
    تتراوحان: فللرداء يد وللعبء الثقيليد، وأعناق الطيور مرنحات من خطاه
  41. 41
    تدمي كأثداء العجائز يوم قطعها الغزاهخطواته العجلي، وصرخته الطويلة "يا طيور
  42. 42
    هذي الطيور، فمن يقول تعال..."أفزعها صداه
  43. 43
    عمياء تطفئ مقلتاها شهوة الدم في الرجال.وتحسسته كأن باصرة تهم ولا تدور
  44. 44
    في الراحتين وفي الأنامل وهي تعثر بالطيور،وتوسلته: "فدى لعينك - خلني. بيدي أراها".
  45. 45
    ويكاد يهتك ما يغلف ناظريها من عماهاقلب تحرق في المحاجر واشرأب يريد نور!
  46. 46
    وتمس أجنحة مرقطة فتنشرها يداها،وتظل تذكر - وهي تمسحهن - أجنحة سواها
  47. 47
    كانت تراها وهي تخفق... ملء عينيها تراها:سرب من البط المهاجر، يستحث إلى الجنوب
  48. 48
    أعناقه الجذلى... تكاد تزيد من صمت الغروبصيحاته المتقطعات، وتضمحل على السهوب
  49. 49
    بين الضباب، ويهمس البريد بالرجع الكئيبويرج وشوشة السكون
  50. 50
    طلق... فيصمت كل شيء... ثم يلغط في جنون.هي بطة فلم انتفضت؟ وما عساها أن تكون؟
  51. 51
    ولعل صائدها أبوك، فإن يكن فستشبعون.وتخف راكضة حيال النهر كي تلقى أباها:
  52. 52
    هو خلف ذاك التل يحصد. سوف يغضب إن رآها.مر النهار ولم تعنه... وليس من عون سواها
  53. 53
    وتظل ترقى التل وهي تكاد تكفر من أساها.يا ذكريات علام جئت على العمى وعلى السهاد؟
  54. 54
    لا تمهليها فالعذاب بأن تمري في اتئاد.قصي عليها كيف مات وقد تضرج بالدماء
  55. 55
    هو والسنابل والمساء -وعيون فلاحين ترتجف المذلة في كواها
  56. 56
    والغمغمات: "رآه يسرق"... "واختلاجات الشفاهيخزين ميتها، فتصرخ يا إلهي، يا إلهي
  57. 57
    لو أن غير "الشيخ"، وانكفأت تشد على القتيلشفتين تنتقمان منه أسى وحبا والتياعا
  58. 58
    وكأن وسوسة السنابل والجداول والنخيلأصداء موتى يهمسون رآه يسرق في الحقول
  59. 59
    حيث البيادر تفصد الموتى فتزداد اتساعاوتحس بالدم وهو ينزف من مكان في عماها
  60. 60
    كالماء من خشب السفينة، والصديد من القبور،وبأدمع من مقلتيها كالنمال على الصخور
  61. 61
    أو مثل حبات الرمال مبعثرات في عماهايهوين منه إلى قرارة قلبها آها فآها.
  62. 62
    ومن الملوم وتلك أقدار كتبن على الجبين؟حتم عليها أن تعيش بعرضها، وعلى سواها
  63. 63
    من هؤلاء البائسات وشاء رب العالمينألا يكون سوى أبيها - بين آلاف - أباها
  64. 64
    وقضى عليه بأن يجوعوالقمح ينضج في الحقول من الصباح إلى المساء
  65. 65
    وبأن يلص فيقتلوه... (وتشرأب إلى السماءكالمستغيثة وهي تبكي في الظلام بلا دموع)
  66. 66
    والله - عز الله - شاءأن تقذف المدن البعيدة والبحار إلى العراق
  67. 67
    آلاف آلاف الجنود ليستبيحوا، في زقاقدون الأزقة أجمعين
  68. 68
    (ذاك اسم جارتها الجديد، فليتها كانت تراهاهل تستحق اسما كهذا: ياسمين وياسمين؟)
  69. 69
    يا ليت حمالا تزوجها يعود مع المساءبالخبز في يده اليسار وبالمحبة في اليمين.
  70. 70
    لكن بائسة سواها حدثتها منذ حينعن بيتها وعن ابنتيها، وهي تشهق بالبكاء
  71. 71
    كالغيمة السوداء تنذر بالمجاعة والرزايا،أزراره المتألقات على مغالق كل باب
  72. 72
    مقل الذئاب الجائعات ترود غابا بعد غابوخطاه مطرقة تسمر، في الظلام، على البغايا
  73. 73
    أبوابهن، إلى الصباح - فلا تجاهر بالخطاياويظل يخفرهن من شبع وينثر في الرياح
  74. 74
    أغنية تصف السنابل والأزاهر والصبايا،وتظل تنتظر الصباح وساعديه مع الصباح
  75. 75
    تصغى - وتحتضن ابنتيها في الظلام - إلى النباحوإلى الريح تئن كالموتى وتعول كالسبايا
  76. 76
    وتجمع الأشباح من حفر الخرائب والكهوفومن المقابر والصحاري بالمئات وبالألوف..
  77. 77
    فتقف من فزع وتحجب مقلتيها بالغطاء،ويعود والغبش الحزين يرش بالطل المضاء
  78. 78
    سعف النخيل... يعود من سهر يئن ومن عياء- كالغيمة اعتصرت قواها في القفار، وترتجيها
  79. 79
    عبر التلال قوي تجوع - لكي ينام إلى المساء:عيش أشق من المنية، وانتصار كالفناء
  80. 80
    وطوى يعب من الدماء وسم أفعى في الدماءوعيون زان يشتهيها، كالجحيم يشع فيها
  81. 81
    سخر وشوق واحتقار، لاحقتها كالوباءوالمال يهمس أشتريك وأشتريك فيشتريها
  82. 82
    يا ليتها إذن انتهى أجل بها فطوى أساها!لو أستطيع قتلت نفسي.. همسة خنقت صداها
  83. 83
    أخرى توسوس: والجحيم؟ أتبصرين على لظاها؟وإذا اكفهر وضاق لحدك، ثم ضاق، إلى القرار
  84. 84
    حتى تفجر من أصابعك الحليب رشاش ناروتساءل المكان فيم قتلت نفسك يا أثيمه؟
  85. 85
    وتخطفاك إلى السعير تكفرين عن الجريمه.أفتصرخين أبي فينفض راحتيه من الغبار
  86. 86
    ويخف نحوك وهو يهتف قد أتيتك يا سليمه؟حتى اسمها فقدته واستترت بآخر مستعار
  87. 87
    هي - منذ أن عميت - "صباح"...فأي سخرية مريره!
  88. 88
    أين الصباح من الظلام تعيش فيه بلا نهاروبلا كواكب أو شموع أو كوى وبدون نار؟
  89. 89
    أو بعد ذلك ترهبين لقاء ربك أو سعيره؟القبر أهون من دجاك دجى وأرفق، يا ضريره
  90. 90
    يا مستباحة كالفريسة في عراء يا أسيرهتتلفتين إلى الدروب ولا سبيل إلى الفرار؟
  91. 91
    وتحس بالأسف الكظيم لنفسها: لم تستباح؟ألهر نام على الأريكة قربها... لم تستباح؟
  92. 92
    شبعان أغفى، وهي جائعة تلم من الرياحأصداء قهقهة السكارى في الأزقة، والنباح
  93. 93
    وتعد وقع خطى هنا وهناك: ها هوهو ذا يجيء - وتشرأب، وكاد يلمس ... ثم راح
  94. 94
    وتدق في أحد المنازل ساعة... لم تستباح؟الوقت آذن بانتهاء والزبائن يرحلون.
  95. 95
    كالدرب تذرعه القوافل والكلاب إلى الصباح؟الجوع ينخر في حشاها، والسكارى يرحلون،
  96. 96
    مروا عليها في المساء وفي العشية ينسجونحلما لها هي والمنون:
  97. 97
    عصبات مهجتها سداه وكل عوق في العيون،والآن عادوا ينقضون -
  98. 98
    خيطا فخيطا من قرارة قلبها ومن الجراح -ما ليس بالحلم الذي نسجوا ما لا يدركون ...
  99. 99
    شيئا هو الحلم الذي نسجوا وما لا يعرفون،هو منه أكثر: كالحفيف من الخمائل والرياح،
  100. 100
    والشعر من وزن وقافية ومعنى، والصباح -من شمسه الوضاء... وانصرفوا يضحكون!
  101. 101
    ستعيش للثأر الرهيبوالداء في دمها وفي فمها. ستنفث من رداها
  102. 102
    في كل عرق من عروق رجالها شبحا من الدم واللــشبحا تخطف مقلتيها أمس، من رجل أتاها
  103. 103
    سترده هي للرجال، بأنهم قتلوا أباهاوتلقفوها يعبثون بها وما رحموا صباها،
  104. 104
    لم يبتغوها للزواج لأنها امرأة فقيره،واستدرجوها بالوعود لأنها كانت غريره،
  105. 105
    وتهامس المتقولون فثار أبناء العشيرهمتعطشين - على المفارق والدروب - إلى دماها.
  106. 106
    وكأن موجة حقدها ورؤى أساها.كانت تقرب من بصيرة لبها صورا علاها
  107. 107
    صدأ المدينة وهي ترقد في القرارة من عماها:كل الرجال؟ وأهل قريتها؟ أليسوا طيبين؟
  108. 108
    كانوا جياعا - مثلها هي أو أبيها - بائسين،هم مثلها - وهم الرجال - ومثل آلاف البغايا
  109. 109
    بالخبز والأطمار يؤتجرون، والجسد المهينهو كل ما يتملكون، هم الخطاة بلا خطايا
  110. 110
    ليس الذين تغصبوها من سلالة هؤلاء:كانوا مقطبة الجباه من الصخور
  111. 111
    ثمتص من فزع الضحايا زهوها ومن الدماءمتطلعين إلى البرايا كالصواعق من علاء!
  112. 112
    وتحس، في دمها، كآبة كل أمطار الشتاءمن خفق أقدام السكارى، كالأسير وراء سور
  113. 113
    يصغي إلى قرع الطبول يموت في الشفق المضاء.هي والبغايا خلف سور، والسكارى خلف سور،
  114. 114
    دميت أصابعهن: تحفر والحجارة لا تلين،والسور يمضغهن ثم يقيئهن ركام طين:
  115. 115
    وطلول مقبرة تضم رفات "هابيل" الجنين!سور كهذان حدثوها عنه في قصص الطفوله:
  116. 116
    "يأجوج" يغرز فيه، من حنق أظافره الطويلهويعض جندله الأصم، وكف "مأجوج" الثقيله
  117. 117
    تهوي، كأعنف ما تكون على جلامده الضخام.والسور باق لا يثل... وسوف يبقي ألف عام،
  118. 118
    ... الطفل شاب وسورها هي ما يزال كما رآهمن قبل يأجوج البرايا توأم هو للسعير!
  119. 119
    لص الحجارة من منازل في السهول وفي الجباليتواثب الأطفال في غرفاتها ويكركرون...
  120. 120
    والأمهات يلدن والآباء للغد يبسمون،لم يبق من حجر عليها فهي ريح أو خيال.
  121. 121
    وأدار من خطم البلاد رحى، وساط من البطونما ترتعيه رحاه من لحم الأجنة والعظام،
  122. 122
    وكشاطئين من النجوم على خليج من ظلاميتحرقان ولا لقاء ويخمدان سوى ركام -
  123. 123
    شق الرجال عن النساء سلالتين من الأنامتتلاقيان مع الظلام وتفصلان مع الشروق:
  124. 124
    لو يقطعون الليل بحثا والنهار - على سواهافي حسنها هي؟ في غضارة ناهديها أو صباها
  125. 125
    وبسعرها هي ؟ أي شيء غير هذا يبتغون؟عمياء أنت وحظك المنكود أعمى يا سليمه.
  126. 126
    .... وتلوب أغنية قديمهفي نفسها وصدى يوشوش: يا سليمه، سليمه
  127. 127
    نامت عيون الناس. آه... فمن لقلبي كي ينيمه؟ويل الرجال الأغبياء، وويلها هي، من عماها!
  128. 128
    لم أصبحوا يتجنبون لقاءها؟عيونها، فيخلفوها وحدها إذ يعلمون
  129. 129
    بأنها عمياء؟ فيم يكابرون ومقلتاهاأدري وتعرف أي شيء في البغايا يشتهون
  130. 130
    بنظرة قمراء تغصبها من الروح الكسيرهلترش أفئدة الرجال بها، وكانوا يلهثون
  131. 131
    في وجهها المأجور، أبخرة الخمور، ويصرخونكالرعد في ليل الشتاء
  132. 132
    ولعل غيره "ياسمين" وحقدها سبب البلاءفهي التي تضع الطلاء لها وتمسح بالذرور
  133. 133
    وجها تطفأت النواظر فيه....كيف هو الطلاء؟
  134. 134
    وكيف أبدو؟- وردة ... قمر... ضياء!
  135. 135
    زور.. وكل الخلق زور،والكون مين وافتراء
  136. 136
    لو تبصر المرآة - لمحة مقلتيها - لو تراها- لمح النيازك - ثم تغرق من جديد في عماها!
  137. 137
    برق ويطفأ... ثم تحكم فرقها بيد، وفاهابيد، وترسم بالطلاء على الشفاه لها شفاها
  138. 138
    شفتاك عارية وخدك ليس خدك يا سليمه،ماذا تخلف منك فيك سوى الجراحات القديمه؟
  139. 139
    وتضم زهرة قلبها العطشى على ذكرى أليمه:تلك المعابثة اللعوب... كأنها امرأة سواها!
  140. 140
    كالجدولين تخوض ماءهما الكواكب - مقلتاها،والشعر يلهث بالرغائب والطراوة والعبير
  141. 141
    وبمثل أضواء الطريق نعسن في ليل مطير،تقتات بالعسل النقي وترتدي كسل الحرير.
  142. 142
    ليت النجوم تخر كالفحم المطفأ والسماءركام قار أو رماد، والعواصف والسيول
  143. 143
    تدك راسية الجبال ولا تخلف في المدينة من بناء!أن يعجز الإنسان عن أن يستجير من الشقاء
  144. 144
    حتى بوهم أو برؤيا، أن عيش بلا رجاء...أو ليس ذاك هو الجحيم؟ أليس عدلا أن يزول؟
  145. 145
    شبع الذباب من القمامة في المدينة، والخيولسرحن من عرباتهن إلى الحظائر والحقول،
  146. 146
    والناس ناموا -هذا الذي عرضته كالسلع القديمة: كالحذاء،
  147. 147
    أو كالجرار الباليات، كأسطوانات الغناء...هذا الذي يأبي عليها مشتر أن يشتريه
  148. 148
    قد كان عرضا - يوم كان - ككل أعراض النساء!كان الفضاء يضيق عن سعة، وترتخص الدماء
  149. 149
    إن رنق النظر الأثيم عليه. كان هو الإباءوالعزة القعساء والشرف الرفيع. فشاهديه
  150. 150
    يا أعين الظلماء، وامتلئي بغيظك وارجميهبشواظ عارك واحتقارك يا عيون الأغبياء!
  151. 151
    للموت جوعا، بعد موتي - ميتة الأحياء - عارا.لا تقلقوا.. فعماي ليس مهابة لي أو وقارا.
  152. 152
    مازلت أعرف كيف أرعش ضحكتي خلل الرداءكالقمح لونك يا ابنة العرب،
  153. 153
    كالفجر بين عرائش العنبأو كالفرات، على ملامحه
  154. 154
    دعة الثرى وضراوة الذهب.عربية أنا: أمتى دمها
  155. 155
    خير الدماء... كما يقول أبي.تجري دماء الفاتحين. فلوثوها، يا رجال
  156. 156
    أواه من جنس الرجال... فأمس عاث بها الجنودالزاحفون من البحار كما يفور قطيع دود
  157. 157
    يا ليت للموتى عيونا من هباء في الهواءإلا العفاة المفلسين.
  158. 158
    أنا زهرة المستنقعات، أعب من وحل وطينوأشع لون ضحى...
  159. 159
    وذكرا بجعجعة السنينسعالها. ذهب الشباب!!
  160. 160
    ذهب الشباب!! فشيعيه مع السنين الأربعينومع الرجال العابرين حيال بابك هازئين.
  161. 161
    وأتي المشيب يلف روحك بالكآبة والضباب،فاستقبليه على الرصيف بلا طعام أو ثياب،
  162. 162
    يا ليتك المصباح يخفق ضوءه القلق الحزينفي ليل مخدعك الطويل، وليت أنك تحرقين
  163. 163
    دما يجف فتشترينسواه: كالمصباح والزيت الذي تستأجرين.
  164. 164
    عشرون عاما قد مضين، وشبت أنت، وما يزاليذرذر الأضواء في مقل الرجال.
  165. 165
    لو كنت تدخرين أجر سناه ذاك على السنينها هو ذا يضيء فأي شيء تملكين؟
  166. 166
    ويح العراق! أكان عدلا فيه أنك تدفعينسهاد مقتلك الضريره
  167. 167
    ثمنا لملء يديك زيتا من منابعه الغزيره؟كي يثمر المصباح بالنور الذي لا تبصرين؟
  168. 168
    عشرون عاما قد مضين، وأنت غرثى تأكلينبنيك من سغب، وظمأى تشربين
  169. 169
    حليب ثديك وهو ينزف من خياشيم الجنين!وكزارع له البذور
  170. 170
    وراح يقتلع الجذورمن جوعه، وأتى الربيع فما تفتحت الزهور
  171. 171
    ولا تنفست السنابل فيه...ليس سوى الصخور
  172. 172
    سوى الرمال، سوى الفلاه -خنت الحياة بغير علمك، في اكتداحك للحياه!
  173. 173
    كم رد موتك عنك موت بنيك. إنك تقطعينحبل الحياة لتنقضيه وتضفري حبلا سواه،
  174. 174
    حبلا به تتعلقين على الحياة: تضاجعينولا ثمار سوى الدموع، وتأكلين،
  175. 175
    وتسهرين ولا عيون، وتصرخين ولا شفاه،وغدا. وأمس ... وألف أمس - كأنما مسح الزمان
  176. 176
    حدود ما لك فيه من ماض وآتثم دار، فلا حدود
  177. 177
    ما بين ليلك والنهار، وليس، ثم، سوى الوجود....سوى الظلام، ووطء أجساد الزبائن، والنقود،
  178. 178
    ولا زمان، سوى الأريكة والسرير، ولا مكان!لم تسحبين ليالى السأم المسهدة الرتيبه؟
  179. 179
    ما العمر؟ ما الأيام؟ عندك، ما الشهور؟ وماماتت "رجاء" فلا رجاء ثكلت زهرتك الحبيبه!
  180. 180
    بالأمس كنت إذا حسبت فعمرها هي تحسبين.كانت عزاءك في المصيبه،
  181. 181
    وربيع قفرتك الجديبه.كانت نقاءك في الفجور، ونسمة لك في الهجير،
  182. 182
    وخلاصك الموعود، والغبش الكبير!ما كان حكمه أن تجيء إلى الوجود وأن تموت؟
  183. 183
    ألتشرب اللبن المرنق بالخطيئة واللعاب:أو شال ما تركته في ثدييك أشداق الذئاب؟
  184. 184
    مات الضجيج وأنت، بعد، على انتظاركتتنصتين، فتسمعين
  185. 185
    رنين أقفال الحديد يموت، في سأم، صداه:الباب أوصد
  186. 186
    ذاك ليل مر...فانتظري سواه.
  187. 187
    كعيون ""ميدوزا""، تحجِّر كلّ قلب بالضغينهْ،وكأنّها نذرٌ تبشر أهل ""بابل"" بالحريق
  188. 188
    من أي عش في المقابر دفّ أسفع كالغراب؟""قابيل"" أخف دم الجريمة بالأزاهر والشفوف
  189. 189
    الأضلع المتقوّسات على المخاوف والظنون،والأعين التعبى تفتِّش عن خيالٍ في سواها
  190. 190
    أحفاد ""أوديب"" الضرير ووارثوه المبصورن."جوكست" أرملة كأمس، وباب ""طيبة"" ما يزال
  191. 191
    يلقي ""أبو الهول"" الرهيب عليه، من رعب ظلال""أنا"" قال بعض العابرين...
  192. 192
    وانسلّت الأضواء من باب تثاءب كالجحيمتطفو عليهنّ البغايا كالفراشات العِطَاش
  193. 193
    لا تثقلنَّ خطاك فالمبغى ""علائي"" الأديم:أو يهمسون بما جناه أبٌّ يُبَرِّئُه الصباح
  194. 194
    الحارس المكدود يعبر والبغايا متعبات،النون في أحداقهن يرفُّ كالطير السجين،
  195. 195
    وكأن عاريات الصدورأوصال جندي قتيل كلِّلُوها بالزهور،
  196. 196
    حتى تَهَدّمَ أو يكاد. سوى بقايا من صخور.جِيَفٌ تستّر بالطلاء، يكاد ينكر من رآها
  197. 197
    أن الطفولة فجّرَتْها ذات يومٍ بالضياءويكاد ينكر أن شقًّا لاح من خلل الطلاء
  198. 198
    لأبٍ يعود بما استطاع من الهدايا في المساءلأبٍ يقبِّل وجه طفلته النَّدِيِّ أو الجبينْ
  199. 199
    والساعدين الأبيضين، كما تنوَّرُ في السهولتفاحة عذراء، سوف يطوِّقان مع السنين
  200. 200
    تفاحُةُ الدَّمُ والرغيف وجرعتان من الكحولوالحية الرقطاء ظِلٌّ من سياط الظالمين
  201. 201
    يا أنت، يا أحد السكارىيا من يريد من البغايا ما يريد من العذارى:
  202. 202
    "ما ظلَّ يحلم، منذ كان به ويزرع في الصحارىزبد الشواطئ والمحارا
  203. 203
    مترقبًا ميلاد " أفروديت" ليلا أو نهارا "ودواء ما تلقاه من سأم ٍوذلٍ واكتداحْ ؟
  204. 204
    لم يحظَ، من هذا الرهان، بغير أجسادٍ مهينهْ« فاوست » في أعماقهن يعيد أغنيَةً حزينهْ
  205. 205
    المال، شيطان المدينة، ربُّ « فاوست » الجديدجارت على الأثمان وفرة ما لديه من العبيد
  206. 206
    الخبز والأسمال حظُّ عبيده المتذللينمما يوزع من عطايا، لا اللآلئ والشبابْ
  207. 207
    والمومس العجفاء لا « هيلين » والظمأ اللعينلا حكمة الفرح المجنح والخطيئة والعذاب
  208. 208
    الخيل من سأمٍ تحمحم وهي تضرب بالحوافرحجر الطريق
  209. 209
    هلمَّ فالحوذي يبحث عن مسافروالريح صرٌّ، والبغي بلا زبائن منذ حين
  210. 210
    إن لم تضاجعها وصدَّ سواك عنها معرضينفكيف تحيا؟ وهي، مثلك لا تعيش بلا طعام؟
  211. 211
    لا تخشَ منها أن تراع بما تَأَكَّلَهُ الجذاممن صدرك النخر العريض، وأنت ويحك يا أخاها
  212. 212
    ماذا تريد، وعمَّ تبحث في الوجوه؟ ويا أباهااطعنْ بخنجرك الهواء فأنتما لن تقتلاها
  213. 213
    هي لن تموتْسيظل غاصبها يطاردها وتلفظها البيوت
  214. 214
    ستظل ما دامت سهام التبر تصفر في الهواءتعدو، ويتبعها « أبولو » من جديد كالقضاء
  215. 215
    وتظل تهمس، إذ تكاد يداه أن تتلقَّفاها:بيد أنك لا تصيخ إلى النداء «! أبتي أغثني »
  216. 216
    لو كنت من عرق الجبين ترشُّها ومن الدماءوتحيلها امرأة بحقٍ، لا متاعًا للشراء
  217. 217
    كللتَ منها، بالفخار وبالبطولات، الجباها!وكأنّ الحاظ البغايا
  218. 218
    والأخريات، النائمات هناك في كنف الرجالخطواته العجلي، وصرخته الطويلة ""يا طيور
  219. 219
    هذي الطيور، فمن يقول تعال...""وتوسلته: ""فدى لعينك - خلني. بيدي أراها"".
  220. 220
    قصي عليها كيف مات وقد تضرّج بالدماءوعيون فلاحين ترتجف المذلّة في كواها
  221. 221
    والغمغمات: ""رآه يسرق""... ""واختلاجات الشفاهلو أن غير ""الشيخ""، وانكفأت تشد على القتيل
  222. 222
    ذاك اسم جارتها الجديد، فليتها كانت تراهاهل تستحق اسما كهذا: ياسمين وياسمين؟
  223. 223
    عيش أشقّ من المنيّة، وانتصار كالفناءوطوى يعب من الدماء وسمّ أفعى في الدماء
  224. 224
    وعيون زان يشتهيها، كالجحيم يشعّ فيهاأخرى توسوس: والجحيم؟ أتصبرين على لظاها؟
  225. 225
    وتساءل المَلَكان فيم قتلت نفسك يا أثيمه؟وتخطفاك إلى السعير تكفّرين عن الجريمه.
  226. 226
    هي - منذ أن عميت - ""صباح""...هو ذا يجيء - وتشرئبّ، وكاد يلمس ... ثم راح
  227. 227
    وتدقّ في أحد المنازل ساعة... لم تستباح؟من شمسه الوضاء... وانصرفواسكارى يضحكون!
  228. 228
    في كل عرق من عروق رجالها شبحا من الدم واللــهيبوطلول مقبرة تضم رفات ""هابيل"" الجنين!
  229. 229
    ""يأجوج"" يغرز فيه، من حنق أظافره الطويلهويعض جندله الأصم، وكف ""مأجوج"" الثقيله
  230. 230
    الطفل شاب وسورها هي ما يزال كما رآهوتلوب أغنية قديمه
  231. 231
    ولعل غيره ""ياسمين"" وحقدها سبب البلاءسهاد مقلتك الضريره
  232. 232
    ما بين ليلك والنهار، وليس، ثم، سوى الوجودماتت ""رجاء"" فلا رجاء ثكلت زهرتك الحبيبه!
  233. 233

    وخلاصك الموعود، والغبش الالهي الكبير!