الشاعر و الملك الجائر
إيليا أبو ماضي59 بيت
- العصر:
- العصر الحديث
- 1في كساء حائل الصّبغة واه جانباه◆و حذاء أوشكت تفلت منه قدماه
- 2قال : صف جاهي ، ففي وصفك لي للشعر جاه◆إنّ لي القصر الذي لا تبلغ الطير ذراه
- 3و لي الروض الذي يعبق بالمسك ثراه◆و لي الجبش الذي ترشح بالموت ظباه
- 4و لي الغابات و الشمذ الرواسي و المياه◆و لي الناس ... و بؤس الناس منّي و الرفاه
- 5إنّ هذا الكون ملكي ، أنا في الكون إله !◆ضحك الشاعر ممّا سمعته أذناه
- 6و تمنّى إنّ يداجي فعصته شفتاه◆قال: إنّي لا أرى كما أنت تراه
- 7إنّ ملكي قد طوى ملكك عنّي و محاه◆ألقصر ينبيء عن مهارة شاعر
- 8لبق ، و يخبر بعده عنّكا◆هو الألى يدرون كنه جماله
- 9فإذا مضوا فكأنّه دكّا◆ستزول أنت و لا يزول جلاله
- 10كالفلك تبقى ، إن خلت ، فلكا◆و الرّوض ؟ إنّ الروض صنعه شاعر
- 11سمح ، طروب ، رائق ، جزل◆وشّى حواشيه وزيّن أرضه
- 12بروائع الألوان و الظلّ◆لفراشة تحيا له ، و لنحلة
- 13تحيا به ، و لشاعر مثلي !◆و لديمة تذري عليه دموعها
- 14كيما تقيه غوائل المحل◆و لبلبل غرد يساجل بلبلا
- 15غردا ، و للنسمات و الطلّ◆و أقام في قلبي و في عقلي !
- 16و الجيش معقود لواؤك فوقه◆ما دمت تكسوه و تطعمه
- 17للخبز طاعته و حسن ولائه◆هو " لاته " الكبرى و " برهمه "
- 18فهو الذي بيديه يحطّمه◆لك منه أسيفه ، و لكن في غد
- 19لسواك أسيفه و أسهمه◆أتراه سار إلى الوغى متعلّلا
- 20لولا الذي الشعراء تنظمه ؟◆و إذا ترنّم هل بغير قصيدة
- 21من شاعر مثلي ترنّمه ؟◆و البحر ، قد ظفرت يداك بدرّه
- 22و حصاه ، لكن هل ملكت هديره ؟◆و الصّبح يسكب ، و هو يضحك ، نوره
- 23أمرجت أنت مياهه ؟ أصبغت أن◆ت رماله ؟ أجبلت أنت صخوره
- 24هو للرياح تهزّه و تثيره◆و الشهب تسمع في الظلام زئيره
- 25لا للذين يروّعون طيوره◆للشاعر المفتون يخلق لاهيا
- 26من موجة حورا و يعشق حوره◆و لمن فيه رمز كيانه
- 27و لمن يجيد لغيره تصويره◆يا من يصيد الدرّ من أعماقه
- 28لا تدّعيه ... فليس يملك ، إنّه◆كالرّوض جهدك أن تشمّ عبيره
- 29و مررت بالجبل الأشمّ فما زوى◆عنّي محاسنه و لست أميرا
- 30و مررت أنت فما رأيت صخوره◆ضحكت و لا رقصت لديك حبورا
- 31و لقد نقلت لنملة ما تدّعي◆فتعجّبت ، ممّا حكيت ، كثيرا
- 32قالت : صديقك ما يكون ؟ أقشعما◆أو أرقما ؟ أم ضيغما هيصورا ؟
- 33حوكا ؟ و يبني كالنسور و كورا ؟◆هل يملأ الأعوار تبرا كالضّحى
- 34و يردّ كالغيث الموات نضيرا ؟◆أيلفّ كاللّيل الأباطح و الرّبى
- 35و المنزل المعمور و المهجورا ؟◆فأجبتها : كلّا ! فقالت : سمّه
- 36في غير خوف " كائنا مغرورا ! "◆فاحتدم السّلطان أيّ احتدام
- 37و لاح حبّ البطش في مقلتيه◆وصاح بالجلّاد : هات الحسام !
- 38فقال: دحرج رأس هذا الغلام◆قد طبع السّيف لحزّ الرّقاب
- 39و هذه رقبة ثرثار◆أقتله ...و اطرح جسمه للكلاب
- 40و لتذهب الروح إلى النّار◆سمعا و طوعا ، سيّدي !.. و انتضى
- 41و لم يكن إلاّ كبرق أضا◆كأنّما يبحث عن رأسه
- 42" ذو جنّة " أمسى بلا جنّته◆أجل ، هكذا هلك الشاعر
- 43فما غضّ في روضة طائر◆و لم ينطفيء في السّما كوكب
- 44و لا جزع الشّجر الناضر◆و لا اكتأب المطرب
- 45و كوفيء عن قتله القاتل◆فقال له خلقه السّافل :
- 46ألا ليت لي كلّ يوم قتيل !◆بين حراب الجند و الأسهم
- 47و الأسيف الهنديّة الحمر◆إلى أمير البرّ و البحر !!
- 48ففارق الدنيا و لمّا تزل◆فيها خمور و أغاريد
- 49و لا ذوى في الرّوض أملود◆في حومة الموت و ظلّ البلى
- 50قد التقى السّلطان و الشاعر◆هذا بلا مجد ، و هذا بلا
- 51ذلّ ، فلا باغ و لا ثائر◆واصطحب المقهور و القاهر
- 52ليس وراء القبر سيف و رمح◆و لا يبالي ذاك أن يعذلا
- 53سيّان عند الميّت ذمّ و مدح◆و توالت الأجيال تطّرد
- 54جيل يغيب و آخر يفد◆الجدران قائمة و لا العمد
- 55و مشت على الجيش الكثيف فلا◆خيل مسوّمة و لا زرد
- 56ذهبت بمن صلحوا و من فسدوا◆و مضت بمن تعسوا و من سعدوا
- 57و بمن أذاب الحبّ مهجته◆و بمن تأكّل قلبه الحسد
- 58و طوت ملوكا ما لهم عدد◆و الشاعر المقتول باقية
- 59ألشيخ يلمس في جوانبها◆صور الهوى و الحكمة الوله