انكفاءة على إمرأة ووطن
إبراهيم محمد إبراهيم80 بيت
- 1في سُترتِهِ يَندسُّ◆يتحرّى الكونَ
- 2ويرسمهُ حسبَ رؤاهُ.◆فالزّحمةُ تُبعِدُهُ عنهُ،
- 3وتفاهاتُ الشارعِ◆تُقصيهِ عن بعضِ سجاياهُ.
- 4ماكان رماديّا أبداً،◆كان بياضاً صِرفاً في كلّ الأحوالِ
- 5وكان إذا حلّ الليلُ ونامَ النسّكُ◆وحمّل بالشوقِ مطاياهُ.
- 6كان يُجاهرُ في صمتٍ◆تقرأُ في عينيهِ،
- 7أهازيجَ البحرِ وثورتَهُ◆حين تُثَرْثِرُ في الأسواقِ الأفواهُ.
- 8ثم اجتهدوا في فكّ طلاسمِهِ◆فازداد غموضاً ..
- 9واستعذبَ خُلوتَهُ◆وتوسّدَ جُلّ مراياهُ.
- 10كان جديداً كالصّبحِ◆ومغسولاً بندى النّخلِ
- 11يمدُّ الكونَ شراعاً◆يرحلُ في ملكوتِ الأشياءِ
- 12يُؤَوِّلُها كيفَ يشاءُ.◆بِكراً كان العالمُ في عينيهِ
- 13ومشحوناً بالدّهشةِ ..◆علّمهُ الصمتُ
- 14كلامَ المنسيينَ بأركانِ الليلِ،◆حتى أجراهُ لغةً كالفُلِّ
- 15على ألسنةِ الطيرِ◆وأفئدةِ العُشّاقْ.
- 16كان يخُطُّ الشّعرَ بلا أوراقْ.◆ينقشُ في ذاكرةِ الصّحوِ المُطلقِ غفوتهُ
- 17مابين سمائينِ تصبّانِ السّهدَ◆بعينيهِ الغارقتين بماء الحبِّ
- 18وتنْصبّانِ به وجعاً حُلواً ..◆تعرفهُ حين الصحراءُ تراهُ.
- 19وأرصفة الليلِ الحُبلى بالأسرارِ◆حين يعودُ من الغيبةِ
- 20متّشِحاً بالشوقِ◆يفتشُ تحتَ الجدرانِ المنسيةِ
- 21عن بعضِ بقاياهُ.◆يوقِفُهُ اللّحنُ الغَجَرِيُّ
- 22على أطرافِ أصابعِهِ◆يزرعُ فيه الترحالَ وطعمَ البعدِ
- 23إذا مر بهِ سحَرا كالطيفِ◆بما أنْستْهُ الأيامُ.
- 24يوصلهُ برِفاق◆مازالوا يرعون النجمَ
- 25ويختطّونَ على الرّملِ قصائدَهُمْ◆مازالوا بعْدُ على العهدِ
- 26ومازال يُذَكّرهم بالملحِ◆وبالفكرةِ حين تُساورُها الأوهامُ.
- 27إلا في الحبِّ◆إلا حين يضامُ.
- 28هَوَتِ الأعوامُ عليهِ◆كأشباحِ الموتِ,
- 29فما أفلحتِ الأعوامُ.◆زُمَراً قاموا ..
- 30لما ألفوه تيمّم بالغيمِ◆وصلى الغائب ..
- 31قالوا : ردوه إليكمْ،◆حتى لا تفتَتِنَ الأرضُ
- 32أقيموهُ على فيءِ البصرةِ ..◆هذا من صُنعِ النخلِ،
- 33تجذّرَ واستعصى ..◆وضعَ الدنيا في كفّيهِ وغَرْبَاَها ..
- 34فتهاوتْ من بين أصابعهِ رملاً ..◆هذا من صُنعِ اللهِ،
- 35ألقى كل غُبارِ الرّجعةِ◆حتى صار شفيفاً
- 36إلا حين ينزُّ الجُرحُ بدمعِ امرأةٍ◆ترفعُ عن كاهلهِ
- 37قِسْطاً من بوحِ الصحراءِ◆أعيدوهُ إلى الفصلِ الأوّلِ
- 38من سِفرِ الأسفارِ◆يهيمَ بوحشتِهِ ..
- 39لا امرأةٌ تؤويهِ إليها،◆تُخرجُ منه الفكرةَ
- 40أو تُخرجُهُ من رَحِمِ الحُزنِ.◆دعوهُ عشراً ثانيةً
- 41حتى يهرُمَ فيهِ الجمرُ◆ثم تُهَدْهِدُهُ الرّيحُ رماداً
- 42زُمَراً قاموا،◆وهو هناكَ يصلّي ..
- 43ويُعيدُ نظامَ الشّوكة في الميزانِ◆وترتيبَ الأشياءْ.
- 44مازال يصلي ..◆ينفثُ من أقصى الوجعِ
- 45بهذي البطنِ العاقِرْ.◆مازال يصلّي ويُكابرْ.
- 46يومُك يا إبراهيمُ طويلُ.◆والحفرةُ حمراءٌ كلسانِ الطيرِ
- 47إلا من وشْيٍ أنامِلها ..◆يوم انتفضَ القلبُ الحالمُ
- 48من رقدتِهِ ..◆مازلتْ في الصدرِ أناملُها
- 49تبحثُ عن زاوية ليس بها جرحٌ◆مازالتْ تتحسّسُ أوردةً
- 50تلهثُ فيها الخيلُ عقوداً ..◆خارجَ هذا الكونِ الباهِتِ
- 51للحب وللموتِ وللعودةِ.◆لكن الحفرةَ
- 52أوسعُ من أن يملأها◆هذا الجسدُ المثقلُ بالشوقِ.
- 53أروني قبراً آخرَ يحضُنني◆يجمع فِيَّ شتاتَ الصوتْ.
- 54قبراً ما مرّ بهِ أحدٌ قبلي ..◆قبراً يصلُحُ للحُبّ وللموتْ.
- 55قبراً لا يتعدى الشبرينِ◆لقلبينِ صغيرينِ
- 56قلبينِ انتبها بعد أفولِ النجمِ◆بأن الشمسَ ستحرقُ أستارَ الليلِ
- 57وأن الساعةَ آتيةٌ لا ريبْ.◆آه لو نقرأُ مافي الغيبْ.
- 58لو كُنا نتهجّى الأيامَ الحُبلى ..◆لزرعنا الرّمانَ الأسودَ
- 59في البحرِ الأحمرِ للحيتانْ.◆ونسجنا من أهدابِ بنات الموصلِ
- 60أسلاكاً حول البستانْ.◆لو تعلمُ سيدتي
- 61ما تحت السترةِ من بركانْ.◆لغَفوْتُ بعينيها الساهرتينِ العمرَ،
- 62ولاسْتنطقتُ السَّيْحَ الظامِئَ والسّمرَ◆ليشهدَ أن الموقدَ
- 63مازال يُعطّرُ بالقهوةِ والهيلِ ظفيرتها◆واسْتنطقتُ الجبل الضاربَ في الغيمِ
- 64بأني مازلتُ أصلي ..◆سيدةَ الجبلِ الشامخِ
- 65فنجانُكِ بين الفرعِ المائلِ والموقدِ◆يدعوكِ إليهِ ..
- 66ألا أرفعَ أشرعتي قبلَ مجيئكِ◆فالريحُ شِمالٌ
- 67ورجالُ البحرِ قليلُ ..◆ألا أبرح مُتّكئي هذا،
- 68حتى تأتينَ بخبزِ الصبحِ◆فقد أعددتُ القهوةَ لاثْنينْ.
- 69أقسَمَ فنجانُكِ◆ألا يبرُدَ حتى تأتينْ.
- 70أقسَمِ أنكِ آتيةٌ لا ريبْ.◆آه لوكنا نقرأ مافي الغيبْ.
- 71وشجيراتٌ ظمأى◆وبقايا آثارٍ
- 72لفتىً أثقلهُ الشوقُ،◆وبيتانِ من الشعرِ
- 73على بابِ عروسِ البحرِ،◆وسوسنةٌ في صدر الصّبْ.
- 74أويكفي هذا للحبْ ؟◆على قارعةِ الصمتِ
- 75كأشجارِ الشارِعْ ..؟◆ينقُرُنا في الليلِ حمامٌ
- 76من كل جهاتِ الأرضِ◆ونحن الأقربُ للشمسِ ؟!
- 77أودُّ الموتَ بقبرٍ◆لا يتعدّى الشبرينِ
- 78هذا فنجانُكِ سيّدتي،◆أسكبُهُ الآنَ
- 79لتخضَرّ البطحاءُ◆ويزهو البَرَمُ الذابِلُ في السّمْرْ
- 80
فانا لن أحرِقَ أشرِعتي