قالت الأرض

أدونيس

153 بيت

حفظ كصورة
  1. 1
    قالت الأرض في جذوري أبادُحنين ، وكلُّ نلضي سؤالُ
  2. 2
    بيَ جوعٌ إلى الجمال ، ومن صدريَكان الهوى ، وكان الجمالُ
  3. 3
    ماليَ اليوم أستفيقُ ، فلا حقلينضيرٌ ، ولا تلالي زواهِرْ
  4. 4
    لا النواطير يسمرون مع النّجمولا الضوء راتعٌ في المحاجرْ
  5. 5
    أنا كنزٌ مخبّأٌ ، أين أبنائيفكلّي صوتٌ ، وكلّي حناجرْ .
  6. 6
    ربّما أنهكتْهمُ ضربةٌ عمياءُفاستسلموا لها واستلانوا
  7. 7
    ربّما أُلبسوا ثياباً سَرَت فيهاأكفُّ الأوثان ، والأوثانُ
  8. 8
    ربما..ربما ، كأن الحروف السودصُمّت في وقعها الآذانُ
  9. 9
    فكأن لم أطلعْ على الأرض ميلاداًةيُخلقْ من صدرَ الإنسانُ.
  10. 10
    قُمْ مع الشمس يا شبابي ، وحرِّكْعالماً ساهِمَ البصيرة ، جامِدْ
  11. 11
    أنتَ علّمته الحياة قديماًوستبقى له دليلاً ورائدْ
  12. 12
    أنا سوّيتُ من عروقيَ أبنائيوربّيتهم ذرىً وجبالا
  13. 13
    يتسامحون فالطموح مدىً جدبٌويحيون في الزمان مثالا
  14. 14
    أنا سوّيت من عروقي أطفاليوسوّيتُ فيهمِ الأطفالا.
  15. 15
    مجّدوني ، تفتّقوا في ينابيعيفيضاً ، وفي ترابي ربيعا
  16. 16
    وحدةٌ نحن ، يضحك القلبُ للقلبوتَستلْهِمُ الضلوعُ الضلوعا
  17. 17
    كم أقَلْنا مُعثَرينَ حيارىواحترقنا على الدروب شموعا
  18. 18
    ومَدَدْنا للظامئين نفوساًفُجِّرت في حياتهم ينبوعا.
  19. 19
    يا لتَوقي، يا عمقَه ، يُخلقُالمجهول فيه ، وتولد الأيامُ
  20. 20
    يمسحُ الوهمَ عن حياتي فلاالإيهام يلهو فيها ولا الأوهام
  21. 21
    بعضيَ الفجرُ ، بعضيَ النور والحبُّفما مرّ في كياني ظلامُ
  22. 22
    إن أكن نمتُ مرةٌ ، فلأعماقيدويٌّ مجلجِلٌ لا ينامُ.
  23. 23
    أيّ خلقٍ كالسرّ، كالحلْم، كالفتحيفضُّ البعيدَ والمجهولا...
  24. 24
    جُمِّع الكلّ فيه ، فالخلقُمضفورٌ على كبريائه إكليلا.
  25. 25
    حملت فجرَه بلادي أنباءَحياةٍ غَلابةٍ وشبابِ
  26. 26
    قُلْ لمن يحضن السّراب ويلهوبفراغٍ مُطرّزٍ بالسّرابِ
  27. 27
    أشرقَ العالم الجديدُ ، وماتتْخلفَهُ ، جاهليّةُ الأحقاب.
  28. 28
    يَئِس الشعب من مغالبة اليأسِففيه لليأس بابٌ عتيقُ
  29. 29
    يتمشّى في صدره قلقٌ جمْرٌوصوتٌ مجرّحُ مخنوق
  30. 30
    جُنَّ فيه السؤالُ ، أين غدٌيخلق ما شاءه ، وأين الطريقُ
  31. 31
    كلّما همّ أن يثور على القيدتولاه خائنٌ أو عَقوقُ
  32. 32
    ربّ صبحٍ أفاق فيه فعَفّىخائنيه، إباؤه المستفيقُ.
  33. 33
    لا نواعيرهُ تدور، وإن دارتفالبؤس والشقاء تدورُ
  34. 34
    بيدرٌ يسأل الحصادَ عن القمحوحقلٌ يذوي وأرضٌ تبورُ
  35. 35
    وعلى أنّةِ العذاب وآه اليُتْمِتعلو مرابعٌ وقصورُ
  36. 36
    تَشرئبُ الذرى على ضجّة الويلوتشكو إلى الصخور الصخورُ.
  37. 37
    في الدروب انتفاضةُ الكبْرفالخَطْوُ عليها محقّرٌ مرذولُ
  38. 38
    قدَمٌ تكتب الجريمة والبغيَفخطْواتُها دمٌ وقتيل
  39. 39
    والقرى صفرةٌ ، فقد مسح الخضرةَعن وجهها النضير ، الذبولُ
  40. 40
    كل بيتٍ فيها ، شفاهٌ تجمّدْنَ ...فماذا تشكو ، وماذا تقولُ؟
  41. 41
    يورِقُ اليَبْسُ في الصراع ، ويحياالمَيْتُ فيه ، ويبطل المستحيلُ !
  42. 42
    ألجبال العتاقُ والصخر والشاطئُوالزورق المُدِلُّ المغامرْ
  43. 43
    صَرخاتٌ - مَدى كأن عليهمن جفون التاريخ آلافَ ساهرْ
  44. 44
    هي فينا حبٌّ يسائل عن حبٍّوماضٍ يلفّ بالمجد حاضرْ
  45. 45
    عبثاً ، لن تهدّ جلجلةَ البغيشفاهُ ندّابة ، أو منابرْ
  46. 46
    ليس إلا أن ننسجَ الحبّ راياتٍوأن نرفع النفوس منائرْ
  47. 47
    ها طريقُ الحياة نحن شقَفْناهاعِراكاً وثورةً وجهادا
  48. 48
    نتخطى عنفَ الزّمانِ ونُلقيصورَ العُنفِ خلفنا أمجادا
  49. 49
    ربّ نورٍ كان الحياةَ لشعبٍلمحته عين الظلام سوادا.
  50. 50
    لغة الحقّ أن نموت مع الحقِّانتصاراً أو أن نموت انكسارا
  51. 51
    ليس عاراً لنا ، إذا ما نُكِبْناإنّ في خفضنا الجِباهَ العارا
  52. 52
    يا لذلٍّ يطوي النفوس ويبنيهاعروشاً تتيه ، أو سلطانا
  53. 53
    كم مشت حولنا مواكبها السودُجحيماً ، وغلغلت أفعوانا
  54. 54
    أيّ حقّ حَنَا الجمالُ عليهلم يصرْ في ضميرها بهتانا
  55. 55
    مالها، ما لها يُمزّقُها الحقدُجنوناً، وترتمي خذلانا
  56. 56
    لم يَلِن نابُها العتيُّ ، ولكنلمَحَت في صدورنا الطوفانا.
  57. 57
    آنَ يا شعبُ أن تزولَ حياةٌتَتَمادى قولاً وقيلاً وقالا
  58. 58
    لا يصير السّراب حقاً ولا تُعطيأكفّ الرّمال إلا رمالا.
  59. 59
    أيها الجيلُ أين كبرك يا جيلُفهل ماتَ في هواكَ الجهادُ؟
  60. 60
    أرضك الأرضُ لا السنابل آفاقٌتهزُّ الرؤى ولا الحصادُ
  61. 61
    أتُرى هدّك العياءُ وأسلسْتَقياداً ، فجُنّ فيك القيادُ
  62. 62
    كيف تحيا وكلّ أرضكَ أنّاتٌحيارى ، وكلّها أصفادُ
  63. 63
    أين يا جيلُ ، أين كبرك يا جيلُفهل مات في هواكَ الجهادُ
  64. 64
    ما علينا قهرُ الصعاب، ولكنعلينا أن نقهر المستحيلا
  65. 65
    نحن تاريخنا ونحن ليالٍضحكت في يمينه إزميلا
  66. 66
    فجّر الكِبْرَ في جوانحنا زيتاًوألقى جراحنا قنديلا
  67. 67
    هَمُّنا أن نمزِّقَ الحُجُب السودضياءٌ ، ونكشف المجهولا
  68. 68
    كثّفتنا الحياة حتى كأنّاألفُ جيلٍ منها يعانق جيلا.
  69. 69
    أبداً، نخلقُ الوجودَ ونعطيهحياةٌ ، كما نرى ونشاءُ
  70. 70
    قطرت في أكفّنا فلقُ الصَخْرعبيراً، واهتزّتِ الصحراءُ
  71. 71
    قيلَ:كنّا ، فاخضرّ من شَغَفٍحلمُ الليالي، واخضرّت الأشياءُ.
  72. 72
    منذ كنّا ، كنّا طغاةً على الذلّوكنّا في وجهه ثوارا
  73. 73
    نتخطّى عنف الحياة ونُلقيخلف خُطْواتِنا الشذى والغارا
  74. 74
    فزرعنا عين الوجود جمالاًوملأنا أعماقه أسرارا
  75. 75
    وشمخنا نلفّ بالعبَق الدنياونبني في جبهة الشمس دارا
  76. 76
    سهرت بعدنا النجوم وصارتلأساطيرِ مجدنا سُمّارا.
  77. 77
    ذاك مجدافنا يسيرُ إلى الشاطئفي مهرجانه المجتاحِ
  78. 78
    لم تُلامسْ شراعَه رعشةُ اليأسولا هزّه ضجيج الرّياحِ
  79. 79
    ما روانا دضفْقُ الجراح، ففينالمداها، تلفّتُ الملتاح
  80. 80
    كلما اسْتَيْأسَ بصدرٍجلجلت تستفزُّنا للكفاح.
  81. 81
    ربّ أمٍّ تمدُّ كفّاً إلى الأرضوكفّا لطفلها المقرورِ
  82. 82
    لمحت في صراخه لغة القهرِورُعْبَ الدنيا وموت الشعور
  83. 83
    ورأت في جبينه ثورة الجوعوأطياف جفنها المذعور
  84. 84
    فانحنتْ تأكل التراب وتسْتَفُّبقايا موائد وقشور.
  85. 85
    وعلى ثغرها رجاءٌ: غدا تخضرُّأرضي، غداً يُضيء سريري.
  86. 86
    وغداً تلعب الطفولة بالوردِوتنمو حقولنا وتفيض
  87. 87
    يملأ الخير أرضنا، فإذا الشعبُنموٌّ ، وقوّةٌ ، ونهوض
  88. 88
    وإذا أرضنا منائر لا تخبوودفْقٌ من الشذى لا يغيض
  89. 89
    لا مُكِبٌّ على السؤال ولا مُلقىًعلى شاسع الدروب مريض
  90. 90
    كل فقْرٍ يفنى، ويفنى مع الفقرزمانٌ جَهْمٌ وكَوْنٌ بَغيضُ.
  91. 91
    .. فإذا الكون كونُنا وإذا الدناياشمالٌ لحبِّنا ، ويمينُ
  92. 92
    إنّ خلق الحياة صعبٌ، ولكنكلّ صعب، إذا أردنا يهونُ.
  93. 93
    أنا شئتُ الزمان حلْماً على جفنيوصوتاً مجلجلاً في شبابي
  94. 94
    لي غدٌ كلما تَلَمّسه الليل ببابأطلّ من ألف باب
  95. 95
    فتحت كفّه دروبي وأرْسَتْهاعلى التّيه، دفقةً من شهاب
  96. 96
    أنا وجهُ المدَى، فكلّ جمالٍفي فؤادي يحيا وفي أهدابي
  97. 97
    كلّما أومأَ التراب لأجفانيتمثّلتُ قوتي في الترابِ.
  98. 98
    لبلادي أنا، لثورتها الكبرىلآفاقها الفِساح البواسِم
  99. 99
    لحقول..مواسمٍ، تزرع الأرضربيعاً، تكلّمي يا مواسِمْ !
  100. 100
    ثورةٌ من تفتّح الذاتِ لا تُطْلعُإلا منائراً وملاحِمْ.
  101. 101
    أنا فيها الفلاح أزرعها قمحاًوورداً، وأقلع الأشواكا
  102. 102
    سكّتي تنطح الصخور، وتمشيفي الأحافير، نَشْوةٌ وعراكا
  103. 103
    وحقولي سنابلٌ تفرع النجمكأني زرعت فيها السِّماكا
  104. 104
    قيّمٌ باسم أمّتي..لست مقطوعاًولا غاصباً ولا ملاكا
  105. 105
    أن للشعب.. أيها الشعب مُجِّدتَفإني في كل شيءٍ أراكا.
  106. 106
    أنا فيها الراعي..أطوف وأغناميذراها وغابها ورُباها
  107. 107
    ليَ قلبٌ يُحِسُّ خلْج المجاهيلويصطاد في البعيد الآها
  108. 108
    قَلقٌ ، يحرس القطيع وينْقَضُّعلى الرُّعب ، شامخاً تيّاها
  109. 109
    ومعي النايُ - جُمِّعت فيه آفاقبلادي: شطآنها وقراها
  110. 110
    أُطلِعُ اللّحنَ ، لحنها فكأنيواضعٌ بين راحتيّ إلها.
  111. 111
    كلها في دمي : تراباً وأجواءٌوزهراً ، وصبيةٌ وصبايا
  112. 112
    سُوِّيَتْ من رحابها الخضر أجفانيوقُدّتْ جوانحي ويدايا
  113. 113
    أنا إن متُّ ، لا أموت ، فقدركّزْتُ في جبهة البقاء، خطايا
  114. 114
    ربّما عشتُ في مزاميرها لحناًوغَلْغَلْتُ في ذراها عشايا
  115. 115
    كلها في دمي، وكليَ فيها:صبيةٌ يعشقونها وصبايا.
  116. 116
    أنا دربي طويلةٌ كَغَدٍ يُقْبِلُكالكون ، في مداه الطويلِ
  117. 117
    أنا دربي خضراءُ ، لوّنها قلبيوغطّى جراحها تقبيلي
  118. 118
    أنا دربي وَثْب على الموت خَطّافٌوغَذٌّ في المغلق المجهول
  119. 119
    أنا جيلٌ في أمّتي ، وأنا فردٌمن الجيل ، بل أنا كلٌّ جيل
  120. 120
    أينما كنت ، كنت في صدرها أحياوفي روحها الكبير الأصيلِ .
  121. 121
    أنا جرحٌ مُضَمّخٌ بالبطولاتوضوءٌ على الذرى مرشوقُ
  122. 122
    أنا لي مشرقُ النجوم ومرساهاولي أفْقُها الفسيح العميق
  123. 123
    وليَ البحرُ ؛ شمسُهُ ودياجيهولغزٌ في جانحيه عتيق
  124. 124
    أنا لي أمتي: جمالٌ وتاريخٌولي أرضها: غدٌ وطريق
  125. 125
    لست وحدي، فكلّها كلّ مافيها، نداءٌ يضمّني ورفيقُ.
  126. 126
    أنا فيضٌ من أمّتي وعتيقٌمر في كونها العتيقِ الجديدِ
  127. 127
    مطْلَقٌ في كيانها، فأنا فيهاكيانٌ طَلْقٌ بغير حدودِ
  128. 128
    كلّ فردٍ فيها أُحِسُّ كأنْجُمِّع فيه صدري، وسال وريدي
  129. 129
    إنّ في الغير بعضَ نفسي ، وفيالآخر، شرطاً ومنبعاً لوجودي.
  130. 130
    أنا لي نبضةُ الملايين في شعبيولي هذه السهولُ الفِساحُ
  131. 131
    ليّ آهات أمّتي وأمانيهاولي كبرياؤها والجِراحُ
  132. 132
    أنا وردٌ في هذه الأرض نَمّامٌوعِطْرٌ من أمّتي فوّاحُ.
  133. 133
    آن لي أن أَسُلَّ نفسيَمن ليلٍ أليفٍ ، ومن صباح مُعادِ
  134. 134
    آن لي أن أكون نفسيَ ، أن أحياوجودي، وأمّتي وبلادي
  135. 135
    وأردّ التاريخ شهقة جوعٍتتغذّى من قبْضتي وفؤادي.
  136. 136
    من هنا، من بلادنا، نحن أقْلعناشراعاً ، وموجةً ، وليالي
  137. 137
    ومشينا حرفاً على صفحة القلبوحرفاً على شفاه السؤال
  138. 138
    زرعت كبرياؤنا صور الحبِّوروداً وسوسناً ودوالي
  139. 139
    وملأنا عين الزمان، فما تبصرُإلا كواكباً ولآلي
  140. 140
    فإذا نحن لهفة القلب للقلبوإرثُ الأجيال للأجيال.
  141. 141
    ها بلادي ، كأنّ بغدادَ صارتمن ذُرى الشّامِ ، أو غَدت لبنانا
  142. 142
    نحن شئنا الدنيا جمالاً وحَقّاًوخلقنا للعالم الإنسانا
  143. 143
    من رأى الشمس تستفيقُ مع الشّعْبِوتشتاقُه مدىً وضياءَ ؟
  144. 144
    من رآها تنْكبُّ ظمْأى على أرضبلادي: صخراً وظلاً وماءَ ؟
  145. 145
    آن يا شمس أن نغرِّب في الأرضِونُلقي عن صدرها الأعباءَ
  146. 146
    عرفتْنا مراكباً تقهر الموجوفأساً خلاقةً خضراءَ
  147. 147
    ورأتنا نسير فيها أساطيرونحيا في قلبها أنبياءَ .
  148. 148
    ها رجعنا للْكَشْفِ : تُنْشَرُ آفاقُعُصورٍ ، وتنطوي آفاقُ
  149. 149
    سُفُنٌ تقحم العباب .. ففي اللجّدويٌّ مغامرٌ ، خلاقُ
  150. 150
    بعضها سنديانةُ ، بعضها أرزٌوبعضٌ مغامرون رفاقُ
  151. 151
    تتغنّى بنا الشواطئ ، فاللحنشموخٌ ونشوةٌ وانعتاق
  152. 152
    كلّما فُضّ مغلقٌ في مداهاجذبتْنا الأبعادُ والأعماقْ ...
  153. 153

    ( 1949 - 1959 )