أفى العرس تنعى يالها قسوة القدر
أحمد زكي أبو شادي75 بيت
- العصر:
- العصر الحديث
- البحر:
- بحر الطويل
- 1أفى العرسِ تُنعى يالها قسوةَ القدر◆ولكن هي الدنيا تُعَّلمُ من غَدر
- 2ولم ترحم الُّدولاتِ يوماً فهل لها◆بأن تُنقذَ الفردَ العظيمَ من الغير
- 3وكنتُ على وعدٍ لألقاكَ مثلما◆ألاقي بشاشاتِ الصبَّاحةِ والزَّهر
- 4لأنعمَ بالحلوِ الحديثِ مُرنَّقاً◆وبالحبِّ موفوراً وبالرّاحِ والثمر
- 5وأقتبسَ المعنى الثمينَ ذخيرةً◆إذا شحَّ ودُ الناسِ أو خاطري افتقر
- 6وأشهدَ أوراقَ الخريف مجانياً◆من الجَّنة الفيحاءِ لا ذابلِ الشجر
- 7وما كنتُ أدرى أن موتكَ سابقي◆وإن كنتَ لم تَبرحَ على الوعدِ تنتظر
- 8وما رخُصت يوماً بقربك لحظةٌ◆بذلتَ لإسعادي ولا مَسَّها الضجر
- 9فها أنا من يلقاكَ والدمعُ خانقي◆وما لي ابتسامٌ كابتسامكَ مدُخُّر
- 10تجَّلى على الوجهِ الحبيبِ بوَسنةٍ◆هي الرَّاحةُ الكبرىِ لمن كَّدهُ السفر
- 11نَداماكَ جاؤا جازعين وطالما◆بِشعرِكَ كانوا الطائفينَ على السمر
- 12يطوفون سكرَى حول نعشكَ في الأَسى◆وبالأمس كنتَ الشعرَ يُسكرُ من سكر
- 13رأيتَ بعين الرُّوحِ عُقباكَ إنَّما◆أَبيتَ عزيزاً أن تكون على حَذرَ
- 14وَخَلفتناَ لم نفقد الفنَّ وحدَه◆بل الرجلَ الفذَّ الذي قلبهُ انفطر
- 15وفي هيكلِ الحبِّ السماوىِّ نَفحهُ◆وُشعلتهُ الُمثلىَ تَضئُ لمن عَبرَّ
- 16وفي ذّمةِ الرحمنِ نورٌ أذابه◆على الطِّرسِ أو نورٌ على العالم ابتكر
- 17وما كان بالتهويلِ والرَّوعِ فَنُّهُ◆ولكنَّه نبعٌ تَسلسلَ وازدهر
- 18وكل الذي أسدى سَجيِّةٌ نفسهِ◆وليس مُعاراً من فَلاة ولا حَضر
- 19أَبيتُ الربا إلاَّ ربا الوقتِ عنده◆فمن زاره يَغنىَ ومن فَاتَهُ خَسر
- 20كانَّ السنينَ الخمسَ خمسون حجَّةً◆بصحبتهِ أو كالخضمِ إذا غَمر
- 21عرفتُ بها الانسانَ في ملكوتة◆مَلاكاً وقد عادَى الصغائرَ واحتقر
- 22وأَنشقنيِ عَرفَ التسامي إباؤهُ◆وأشعرني بالجاهِ ما صاغ من درُر
- 23لقد عبدوا الأصنامَ وهي سواخرٌ◆لغفلتهم أضعافَ ما عبدوا البقر
- 24وَعُّجوا بشكواهم وهم من بِذلِّهم◆جحيمٌ اعُّدوه وفي جُبنهمِ سقر
- 25وما ندرةٌ إلا هديةُ رحمةٍ◆إلى الخلقِ فاغتيلَ الحنانُ الذي نَدرَ
- 26وقد بَذرَ الحبَّ المصفىَّ لعالمٍ◆شقىٍ كأنَّ الله من قلبه بَذَر
- 27ولم يصطحب إلاّ السُّهادَ ببحثه◆كذاك النجوم الزُّهرُ تصطحبُ السَّهر
- 28لئن لم يَنل من عمره غيرَ ذكره◆فإنَّ أَجلَّ العمرِ ما شَعَّ بالذِّكر
- 29يُصلى عليه المسلمون كأنّه◆ولُّى وفي بُرديهِ عثمانُ أو عمر
- 30وتبكى له الصُّلبانُ حتىّ كأنّما◆بذبحته كان الفداءَ لمن كَفر
- 31ويعرفه الانسانَ من كل مِلَّةٍ◆أخاه فِمن وجدانِه ذاقَ واعتصره
- 32ولم يشرح الانجيلَ إلا خلالُه◆ولا كُتب الأديانِ دونَ الذي سَطر
- 33وما قيمةٌ الانسانِ إلاّ بقلبه◆فينبضُ بعد الموت في كلّ ما خطر
- 34كذلك غَنَّتنا القرونُ التي مضت◆وغنت لنا الافلاكُ إن ليلنا اعتكر
- 35فكيفَ بِمن لمَ يعرف الموتَ طبعهُ◆وعاشَ جمالاً للحياة بما نَشر
- 36وكيف بِمن أنفاسُه علويَّةٌ◆تَشرَّبها من حولنا كل ما نَضر
- 37إذا قيل يوم الذكر هذا فإنَّه◆تضمَّخَ أضعافاً بذكركَ لِلعصر
- 38وما الفاتحُ الغلاّبُ بالنارِ ذكرهُ◆بأخلد من لحنٍ تأجَّجَ وانتصر
- 39صديقي الُمسَّجى أي رُزءٍ لعالمٍ◆سيبقى على الآباد يَشقىَ ويحتضر
- 40وَيَفنىَ مراراً حين يُبنىَ مكَّرراً◆وقد خُلطت فيه الخرائبُ والصُّور
- 41وكان وما زالت معاليه هُوةص◆وكان ولم يبرح إذا اكتملَ اندثر
- 42وكان ولم ينفكَّ ماساةَ مسرحٍ◆يُهدّمه الباني وتملؤهُ العبر
- 43وهلَ ثمَّ معنىً للنبوغ بأَوِجهِ◆يُساقُ إلى الموتِ المحَّتم والحفر
- 44أم الموتُ ميلادُ الحياةِ غنيةً◆بما كسبتهُ من تُراثٍ ومن فِكر
- 45وأنك أنتَ العبقري بروِحه◆تُحدِّثُ من نَاجَى وُتلهم من شعر
- 46ومنبركُ الحُّر المطل على الُّدَنا◆تَفَّردَ لم تحجبه شمسٌ ولا قَمر
- 47عجائبُ ضاقَ العقلُ عنها ببحثه◆وَزلَّ خيالُ الشعر فانبتَّ وانكسر
- 48أِجبنيِ كما عوّدتني في صراحةٍ◆وفي نظرةٍ نفاذةٍ حلفَ ما استتر
- 49فما كان هذا الصمتُ صمتاً لخاطري◆أذا شئت أن تُوحى وتُصدَقني الخبر
- 50وإلاَّ فوا حُزني المضاعفَ عندما◆يُرَدِ نجائي كالجريحِ الذي عثر
- 51ويا وحشتي في غُربتيَّ وقلما◆أرى غير من باهىَ على الشرِّ وابتدر
- 52عزاء بنى حدَّادِ والخطبُ خطبنا◆جميعاً وخطب الألمعيةِ والبشر
- 53ومن ذا يُعزّى في النبيين آلهم◆وينسى شعوباً حُّظها اليأسُ والخطر
- 54فما كان هذا النبل ملكاً لأمةٍ◆ولا لغةٍ عزّت ولا مرسلٍ ظهر
- 55ولكنه ملكٌ لآفاق نفسه◆ومن بعضها أسنى العواطفِ والوتر
- 56غفرنا ذنوبَ الدهر إلاَّ ذنوَبه◆على المبدعِ الفنانِ لو أنه غفر
- 57عزاءً لنا جمعاً عراءً فإنما◆إذا الشعب لم يُنصف نوابغه انتحر
- 58وما كانت الُقربى الوشيجةَ وحدَها◆فبين دموعِ الناسِ ما خَلقَ المطر
- 59وليست دموعٌ تُبذل اليوم حوله◆دموعكمو بل ِ من معانيه ما انتثر
- 60ومن ذا الذي منا يؤبن فضله◆بأبلغَ من نفحِ الخمائلِ والنَّهر
- 61ومن خطراتِ النور تُضفى حَنانَها◆فيلثمها في بِرَّها التربُ والحجر
- 62ومن كلِّ حسنٍ في الوجودُ مؤصلٍ◆يجاوبُه بالرُّوح والسمعِ والبصر
- 63ولم أَلقهُ يوماً وكلي حيالَه◆خُشوعٌ كحالي اليومَ لا أملكُ النظر
- 64وليس جلالُ الموتِ ما هو قاهري◆ولكن جلالٌ في تساميه ما قَهر
- 65لمن رَقرقَ الشعرَ العصىَّ جداولاً◆من السحر والآىَ الطهورةِ في سُور
- 66ومن كان أدنى فضله يَبهرُ النُّهى◆ويُخفى حياءً منه أضعافَ ما بهر
- 67ومن دمعةُ العاصي عليه كدمعتي◆كأني جزءُ منه بد بُتَّ فانشطر
- 68أراني صديقي في وقوفي مؤبناً◆أخادعُ نفسي في صفاتك والأثر
- 69وإلاّ فما عذري ومثلكَ من أتى◆إلى هذه الأطلال من سدُمٍ أَخر
- 70وليس رثائي غيرَ رمزٍ لوحشتي◆فشأنُك بين العبقريةِ والقدر
- 71ومن كان من نورٍ وعطرٍ حياتُه◆فغايته التخليدُ في نوره العطر
- 72تعالى على الشكر الحميم بعيشهِ◆وفي الموت لا يعينهِ تأبينُ من شَكر
- 73ولكنما يعنيه ثأرٌ على المدى◆من الظلم والُّظلامِ والبطشِ والبطر
- 74لئن جادَ بالشعر الرقيقِ أغانياً◆فمن خلفها الآلام تقدح بالشرر
- 75لقد عاش عيش التضحياتِ وموته◆حياةٌ لمن يحيا وإلهامُ من ثأر