يا رائد البرق يمم دارة العلم

محمود سامى البارودى

447 verses

Era:
العصر الحديث
Meter:
بحر البسيط
  1. 1
    يا رَائِدَ البَرقِ يَمّمِ دارَةَ العَلَمِ◆وَاحدُ الغَمامَ إِلى حَيٍّ بِذِي سَلَمِ
  2. 2
    وَإِن مَرَرتَ عَلى الرَّوحاءِ فَامرِ لَها◆أَخلافَ سارِيَةٍ هَتّانَةِ الدِّيَمِ
  3. 3
    مِنَ الغِزارِ الَّلواتي في حَوالِبِها◆رِيُّ النَّواهِلِ مِن زَرعٍ وَمِن نَعَمِ
  4. 4
    إِذا اِستَهَلَّت بِأَرضٍ نَمنَمَت يَدُها◆بُرداً مِنَ النَّورِ يَكسُو عارِيَ الأَكَمِ
  5. 5
    تَرى النَّباتَ بِها خُضراً سَنابِلُهُ◆يَختالُ في حُلَّةٍ مَوشِيَّةِ العَلَمِ
  6. 6
    أَدعُو إِلى الدَّارِ بِالسُّقيا وَبِي ظَمَأٌ◆أَحَقُّ بِالريِّ لَكِنّي أَخُو كَرَمِ
  7. 7
    مَنازِلٌ لِهَواها بَينَ جانِحَتي◆وَدِيعَةٌ سِرُّها لَم يَتَّصِل بِفَمي
  8. 8
    إِذا تَنَسَّمتُ مِنها نَفحَةً لَعِبَت◆بِيَ الصَبابَةُ لِعبَ الريحِ بِالعَلَمِ
  9. 9
    أَدِر عَلى السَّمعِ ذِكراها فَإِنَّ لَها◆في القَلبِ مَنزِلَةً مَرعِيَّةَ الذِمَمِ
  10. 10
    عَهدٌ تَوَلّى وَأَبقى في الفُؤادِ لَهُ◆شَوقاً يَفُلُّ شَباةَ الرَأيِ وَالهِمَمِ
  11. 11
    إِذا تَذَكَّرتُهُ لاحَت مَخائِلُهُ◆لِلعَينِ حَتّى كَأَنّي مِنهُ في حُلُمِ
  12. 12
    فَما عَلى الدَهرِ لَو رَقَّت شَمائِلُهُ◆فَعادَ بِالوَصل أَو أَلقى يَدَ السَلَمِ
  13. 13
    تَكاءَدَتني خُطُوبٌ لَو رَمَيتُ بِها◆مَناكِبَ الأَرض لَم تَثبُت عَلى قَدَمِ
  14. 14
    في بَلدَةٍ مِثلِ جَوفِ العَير لَستُ أَرى◆فيها سِوى أُمَمٍ تَحنُو عَلى صَنَمِ
  15. 15
    لا أَستَقِرُّ بِها إِلّا عَلى قَلَقٍ◆وَلا أَلَذُّ بِها إِلّا عَلَى أَلَمِ
  16. 16
    إِذا تَلَفَّتُّ حَولي لَم أَجد أَثَراً◆إِلا خَيالي وَلَم أَسمَع سِوى كَلِمي
  17. 17
    فَمَن يَرُدُّ عَلى نَفسي لُبانَتَها◆أَو مَن يُجيرُ فُؤادِي مِن يَدِ السَّقَم
  18. 18
    لَيتَ القَطا حِينَ سارَت غُدوَةً حَمَلَت◆عَنّي رَسائِلَ أَشواقي إِلى إِضَمِ
  19. 19
    مَرَّت عَلَينا خِماصاً وَهيَ قارِبَةٌ◆مَرَّ العَواصِفِ لا تَلوي عَلى إِرَمِ
  20. 20
    لا تُدركُ العَينُ مِنها حينَ تَلمَحُها◆إِلا مِثالاً كَلَمعِ البَرقِ في الظُّلَمِ
  21. 21
    كَأَنَّها أَحرُفٌ بَرقِيَّةٌ نَبَضَت◆بِالسِّلكِ فَانتَشَرَت فِي السَّهل وَالعَلَمِ
  22. 22
    لا شَيءَ يَسبِقُها إِلّا إِذا اِعتَقَلَت◆بَنانَتي في مَديحِ المُصطَفى قَلَمِي
  23. 23
    مُحَمَّدٌ خاتَمُ الرُسلِ الَّذي خَضَعَت◆لَهُ البَرِيَّةُ مِن عُربٍ وَمِن عَجَمِ
  24. 24
    سَميرُ وَحيٍ وَمَجنى حِكمَةٍ وَنَدى◆سَماحَةٍ وَقِرى عافٍ وَرِيُّ ظَمِ
  25. 25
    قَد أَبلَغَ الوَحيُ عَنهُ قَبلَ بِعثَتِهِ◆مَسامِعَ الرُسلِ قَولاً غَيرَ مُنكَتِمِ
  26. 26
    فَذاكَ دَعوَةُ إِبراهيمَ خالِقَهُ◆وَسِرُّ ما قالَهُ عِيسى مِنَ القِدَمِ
  27. 27
    أَكرِم بِهِ وَبِآباءٍ مُحَجَّلَةٍ◆جاءَت بِهِ غُرَّةً في الأَعصُرِ الدُّهُمِ
  28. 28
    قَد كانَ في مَلَكوتِ اللَهِ مُدَّخراً◆لِدَعوَةٍ كانَ فيها صاحِبَ العَلَمِ
  29. 29
    نُورٌ تَنَقَّلَ في الأَكوانِ ساطِعُهُ◆تَنَقُّلَ البَدرِ مِن صُلبٍ إِلى رَحِمِ
  30. 30
    حَتّى اِستَقَرَّ بِعَبدِ اللَهِ فَاِنبَلَجَت◆أَنوارُ غُرَّتِهِ كَالبَدرِ في البُهُمِ
  31. 31
    وَاِختارَ آمِنَةَ العَذراءَ صاحِبَةً◆لِفَضلِها بَينَ أَهلِ الحِلِّ وَالحَرَمِ
  32. 32
    كِلاهُما فِي العُلا كُفءٌ لِصاحِبِهِ◆وَالكُفءُ في المَجدِ لا يُستامُ بِالقِيَمِ
  33. 33
    فَأَصبَحَت عِندَهُ في بَيتِ مَكرُمَةٍ◆شِيدَت دَعائِمُهُ في مَنصِبٍ سِنمِ
  34. 34
    وَحِينما حَمَلَت بِالمُصطَفى وَضَعَت◆يَدُ المَشيئَةِ عَنها كُلفَةَ الوَجَمِ
  35. 35
    وَلاحَ مِن جِسمِها نُورٌ أَضاءَ لَها◆قُصُورَ بُصرى بِأَرضِ الشَّأمِ مِن أمَمِ
  36. 36
    وَمُذ أَنى الوَضعُ وَهوَ الرَّفعُ مَنزِلَةً◆جاءَت بِرُوحٍ بِنُورِ اللَهِ مُتَّسِمِ
  37. 37
    ضاءَت بِهِ غُرَّةُ الإِثنَينِ وَاِبتَسَمَت◆عَن حُسنِهِ في رَبيعٍ رَوضَةُ الحَرَمِ
  38. 38
    وَأَرضَعَتهُ وَلَم تَيأَس حَليمَةُ مِن◆قَولِ المَراضِعِ إِنَّ البُؤسَ في اليَتَمِ
  39. 39
    فَفاضَ بِالدرِّ ثَدياها وَقَد غَنِيَت◆لَيالياً وَهيَ لَم تطعَم وَلَم تَنَمِ
  40. 40
    وَاِنهَلَّ بَعدَ اِنقِطاعٍ رِسلُ شارِفِها◆حَتّى غَدَت مِن رَفِيهِ العَيشِ في طُعَمِ
  41. 41
    فَيَمَّمَت أَهلَها مَملُؤَةً فَرَحاً◆بِما أُتيحَ لَها مِن أَوفَرِ النِّعَمِ
  42. 42
    وَقَلَّصَ الجَدبُ عَنها فَهيَ طاعِمَةٌ◆مِن خَيرِ ما رَفَدَتها ثَلَّةُ الغَنَمِ
  43. 43
    وَكَيفَ تَمحَلُ أَرضٌ حَلَّ ساحَتَها◆مُحَمَّدٌ وَهوَ غَيثُ الجُودِ وَالكَرَمِ
  44. 44
    فَلَم يَزَل عِندَها يَنمُو وَتَكلَؤُهُ◆رِعايَةُ اللَهِ مِن سُوءٍ وَمِن وَصَمِ
  45. 45
    حَتّى إِذا تَمَّ مِيقاتُ الرَّضاعِ لَهُ◆حَولَينِ أَصبَحَ ذا أَيدٍ عَلَى الفُطُمِ
  46. 46
    وَجاءَ كَالغُصنِ مَجدُولاً تَرِفُّ عَلى◆جَبِينِهِ لَمحاتُ المَجدِ وَالفَهَمِ
  47. 47
    قَد تَمَّ عَقلاً وَما تَمَّت رَضاعَتُهُ◆وَفاضَ حِلماً وَلَم يَبلُغ مَدى الحُلُمِ
  48. 48
    فَبَينَما هُوَ يَرعى البَهمَ طافَ بِهِ◆شَخصانِ مِن مَلَكوتِ اللَهِ ذي العِظَمِ
  49. 49
    فَأَضجَعاهُ وَشَقّا صَدرَهُ بِيَدٍ◆رَفِيقَةٍ لَم يَبِت مِنها عَلى أَلَمِ
  50. 50
    وَبَعدَ ما قَضَيا مِن قَلبِهِ وَطَراً◆تَوَلَّيا غَسلَهُ بِالسَّلسَلِ الشَّبِمِ
  51. 51
    ما عالَجا قَلبَهُ إِلّا لِيَخلُصَ مِن◆شَوبِ الهَوى وَيَعِي قُدسِيَّةَ الحِكَمِ
  52. 52
    فَيا لَها نِعمَةً لِلّهِ خَصَّ بِها◆حَبيبَهُ وَهوَ طِفلٌ غَيرُ مُحتَلِمِ
  53. 53
    وَقالَ عَنهُ بُحَيرا حِينَ أَبصَرَهُ◆بَأَرضِ بُصرى مَقالاً غَيرَ مُتَّهَمِ
  54. 54
    إِذ ظَلَّلَتهُ الغَمامُ الغُرُّ وَانهَصَرَت◆عَطفاً عَلَيهِ فُروعُ الضَّالِ وَالسَّلَمِ
  55. 55
    بِأَنَّهُ خاتَمُ الرُّسلِ الكِرامِ وَمَن◆بِهِ تَزُولُ صُرُوفُ البُؤسِ وَالنِّقَمِ
  56. 56
    هَذا وَكَم آيَةٍ سارَت لَهُ فَمَحَت◆بِنُورِها ظُلمَةَ الأَهوالِ وَالقُحَمِ
  57. 57
    ما مَرَّ يَومٌ لَهُ إِلّا وَقَلَّدَهُ◆صَنائِعاً لَم تَزَل فِي الدَّهرِ كَالعَلَمِ
  58. 58
    حَتّى اِستَتَمَّ وَلا نُقصانَ يَلحَقُهُ◆خَمساً وَعِشرِينَ سِنُّ البارِعِ الفَهِمِ
  59. 59
    وَلَقَّبَتهُ قُرَيشٌ بِالأَمينِ عَلى◆صِدقِ الأَمانَةِ وَالإِيفاءِ بِالذِّمَمِ
  60. 60
    وَدَّت خَديجَةُ أَن يَرعى تِجارَتَها◆وِدادَ مُنتَهِزٍ لِلخَيرِ مُغتَنِمِ
  61. 61
    فَشَدَّ عَزمَتَها مِنهُ بِمُقتَدِرٍ◆ماضِي الجِنانِ إِذا ما هَمَّ لَم يخمِ
  62. 62
    وَسارَ مُعتَزِماً لِلشَّأمِ يَصحَبُهُ◆في السَّيرِ مَيسُرَةُ المَرضِيُّ فِي الحَشَمِ
  63. 63
    فَما أَناخَ بِها حَتّى قَضى وَطَراً◆مِن كُلِّ ما رَامَهُ في البَيعِ وَالسَّلَمِ
  64. 64
    وَكَيفَ يَخسَرُ مَن لَولاهُ ما رَبِحَت◆تِجارَةُ الدِّينِ في سَهلٍ وَفِي عَلَمِ
  65. 65
    فَقَصَّ مَيسُرَةُ المَأمونُ قِصَّتَهُ◆عَلَى خَديجَةَ سَرداً غَيرَ مُنعَجِمِ
  66. 66
    وَما رَواهُ لَهُ كَهلٌ بِصَومَعَةٍ◆مِنَ الرَّهابينِ عَن أَسلافِهِ القُدُمِ
  67. 67
    في دَوحَةٍ عاجَ خَيرُ المُرسَلينَ بِها◆مِن قَبل بعثَتِهِ لِلعُربِ وَالعَجَمِ
  68. 68
    هَذا نَبِيٌّ وَلَم يَنزِل بِساحَتِها◆إِلّا نَبيٌّ كَريمُ النَّفسِ وَالشِّيَمِ
  69. 69
    وَسِيرَةَ المَلَكَينِ الحائِمَينِ عَلى◆جَبِينِهِ لِيُظِلّاهُ مِنَ التّهَمِ
  70. 70
    فَكانَ ما قَصَّهُ أَصلاً لِما وَصَلَت◆بِهِ إِلى الخَيرِ مِن قَصدٍ وَمُعتَزَمِ
  71. 71
    أَحسِن بِها وصلَةً في اللَّهِ قَد أَخَذَت◆بِها عَلى الدَّهرِ عَقداً غَيرَ مُنفَصِمِ
  72. 72
    فَأَصبَحا في صَفاءٍ غَير مُنقَطِعٍ◆عَلى الزَّمانِ وَوِدٍّ غَير مُنصَرِمِ
  73. 73
    وَحِينَما أَجمَعَت أَمراً قُرَيشُ عَلى◆بِنايَةِ البَيتِ ذي الحُجّابِ وَالخَدَمِ
  74. 74
    تَجَمَّعَت فِرَقُ الأَحلافِ وَاِقتَسَمَت◆بِناءَهُ عَن تَراضٍ خَيرَ مُقتَسَمِ
  75. 75
    حَتّى إِذا بَلَغَ البُنيانُ غايَتَهُ◆مِن مَوضِعِ الرُّكنِ بَعدَ الكَدِّ وَالجشَمِ
  76. 76
    تَسابَقوا طَلَباً لِلأَجرِ وَاِختَصَمُوا◆فِيمَن يَشُدُّ بِناهُ كُلَّ مُختَصَمِ
  77. 77
    وَأَقسَمَ القَومُ أَن لا صُلحَ يَعصِمُهُم◆مِن اقتِحامِ المَنايا أَيّما قَسَمِ
  78. 78
    وَأَدخَلوا حينَ جَدَّ الأَمرُ أَيدِيَهُم◆لِلشَرِّ في جَفنَةٍ مَملُوءَةٍ بِدَمِ
  79. 79
    فَقالَ ذُو رَأيِهِم لا تَعجَلُوا وَخُذُوا◆بِالحَزم فَهوَ الَّذي يَشفِي مِنَ الحَزَمِ
  80. 80
    لِيَرضَ كُلُّ امرِئٍ مِنّا بِأَوَّلِ مَن◆يَأتي فَيَقسِطُ فِينا قِسطَ مُحتَكِمِ
  81. 81
    فَكانَ أَوَّلَ آتٍ بَعدَما اِتَّفَقُوا◆مُحَمَّدٌ وَهوَ في الخَيراتِ ذُو قَدَمِ
  82. 82
    فَقالَ كُلٌّ رَضينا بِالأَمينِ عَلَى◆عِلمٍ فَأَكرِم بِهِ مِن عادِلٍ حَكَمِ
  83. 83
    فَأَعلَمُوهُ بِما قَد كانَ وَاِحتَكَمُوا◆إِلَيهِ في حَلِّ هَذا المُشكِلِ العَمَمِ
  84. 84
    فَمَدَّ ثَوباً وَحَطَّ الرُّكنَ في وَسَطٍ◆مِنهُ وَقالَ اِرفَعُوهُ جانِبَ الرَّضَمِ
  85. 85
    فَنالَ كُلُّ امرِئٍ حَظّاً بِما حَمَلَت◆يَداهُ مِنهُ وَلَم يَعتِب عَلى القِسَمِ
  86. 86
    حَتّى إِذا اِقتَرَبوا تِلقاءَ مَوضِعِهِ◆مِن جانب البَيتِ ذي الأَركان وَالدّعمِ
  87. 87
    مَدَّ الرَّسُولُ يَداً مِنهُ مُبارَكَةً◆بَنَتهُ في صَدَفٍ مِن باذِخٍ سَنِمِ
  88. 88
    فَليَزدَدِ الرُّكنُ تِيهاً حَيثُ نالَ بِهِ◆فَخراً أَقامَ لَهُ الدُّنيا عَلَى قَدَمِ
  89. 89
    لَو لَم تَكُن يَدُهُ مَسَّتهُ حِينَ بَنَى◆ما كانَ أَصبَحَ مَلثُوماً بِكُلِّ فَمِ
  90. 90
    يا لَيتَنِي وَالأَمانِي رُبَّما صَدَقَت◆أَحظى بِمُعتَنَقٍ مِنهُ وَمُلتَزَمِ
  91. 91
    يا حَبَّذا صِبغَةٌ مِن حُسنِهِ أَخَذَت◆مِنها الشَّبِيبَةُ لَونَ العُذرِ وَاللمَمِ
  92. 92
    كَالخالِ في وَجنَةٍ زِيدَت مَحاسِنُها◆بِنُقطَةٍ مِنهُ أَضعافاً مِنَ القِيَمِ
  93. 93
    وَكَيفَ لا يَفخَرُ البَيتُ العَتيقُ بِهِ◆وَقَد بَنَتهُ يَدٌ فَيّاضَةُ النِّعَمِ
  94. 94
    أَكرِم بِهِ وازِعاً لَولا هِدايَتُهُ◆لَم يَظهَرِ العَدلُ في أَرضٍ وَلَم يَقُمِ
  95. 95
    هَذا الَّذي عَصَمَ اللَّهُ الأَنامَ بِهِ◆مِن كُلِّ هَولٍ مِنَ الأَهوالِ مُختَرِمِ
  96. 96
    وَحِينَ أَدرَكَ سِنَّ الأَربَعينَ وَما◆مِن قَبلِهِ مَبلَغٌ لِلعِلمِ وَالحِكَمِ
  97. 97
    حَباهُ ذُو العَرشِ بُرهاناً أَراهُ بِهِ◆آيات حِكمَتِهِ في عالَمِ الحُلُمِ
  98. 98
    فَكانَ يَمضي لِيَرعى أُنسَ وَحشَتِهِ◆في شاسِعٍ ما بِهِ لِلخَلقِ مِن أَرَمِ
  99. 99
    فَما يمُرُّ عَلى صَخرٍ وَلا شَجَرٍ◆إِلّا وَحَيّاهُ بِالتَّسليمِ مِن أَمَمِ
  100. 100
    حَتّى إِذا حانَ أَمرُ الغَيبِ وَاِنحَسَرَت◆أَستارُهُ عَن ضَميرِ اللَوحِ وَالقَلَمِ
  101. 101
    نادى بِدَعوَتِهِ جَهراً فَأَسمَعَها◆في كُلِّ ناحِيةٍ مَن كانَ ذا صَمَمِ
  102. 102
    فَكانَ أَوَّلُ مَن في الدِّين تابَعَهُ◆خَدِيجَةٌ وَعَلِيٌّ ثابِتُ القَدَمِ
  103. 103
    ثُمَّ اِستَجابَت رِجالٌ دُونَ أُسرَتِهِ◆وَفي الأَباعِدِ ما يُغني عَنِ الرَّحِمِ
  104. 104
    وَمَن أَرادَ بِهِ الرَّحمنُ مَكرُمَةً◆هَداهُ لِلرُّشدِ في داجٍ مِنَ الظُّلَمِ
  105. 105
    ثُمَّ اِستَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ مُعتَزِماً◆يَدعُو إلى رَبِّهِ في كُلِّ مُلتَأَمِ
  106. 106
    وَالنّاسُ مِنهُم رَشيدٌ يَستَجِيبُ لَهُ◆طَوعاً وَمِنهُم غَوِيٌّ غَيرُ مُحتَشِمِ
  107. 107
    حَتّى اِستَرابَت قُرَيشٌ وَاِستَبَدَّ بِها◆جَهلٌ تَرَدَّت بِهِ في مارِجٍ ضَرِمِ
  108. 108
    وَعَذَّبوا أَهلَ دِينِ اللَّهِ وَاِنتَهَكوا◆مَحارِماً أَعقَبَتهُم لَهفَةَ النَّدَمِ
  109. 109
    وَقامَ يَدعُو أَبو جَهلٍ عَشِيرَتَهُ◆إِلى الضَّلالِ وَلَم يَجنَح إِلى سَلَمِ
  110. 110
    يُبدِي خِدَاعاً ويُخفِي ما تَضَمَّنَهُ◆ضَمِيرُهُ مِن غَراةِ الحِقد وَالسَّدَمِ
  111. 111
    لا يَسلَمُ القَلبُ مِن غِلٍّ أَلَمَّ بِهِ◆يَنقى الأَدِيمُ وَيَبقى مَوضِعُ الحَلَمِ
  112. 112
    وَالحِقدُ كَالنّارِ إِن أَخفَيتَهُ ظَهَرَت◆مِنهُ عَلائِمُ فَوقَ الوَجهِ كَالحُمَمِ
  113. 113
    لا يُبصِرُ الحَقَّ مَن جَهلٌ أَحاطَ بِهِ◆وَكَيفَ يُبصِرُ نُورَ الحَقِّ وَهوَ عَمِ
  114. 114
    كُلُّ امرِئٍ وَاجِدٌ ما قَدَّمَت يَدُهُ◆إِذا اِستَوى قائِماً مِن هُوَّةِ الأَدَمِ
  115. 115
    وَالخَيرُ وَالشَّرُّ في الدُّنيا مُكافَأَةٌ◆وَالنَّفسُ مَسؤولَةٌ عَن كُلِّ مُجتَرَمِ
  116. 116
    فَلا يَنَم ظالِمٌ عَمّا جَنَت يَدُهُ◆عَلى العِبادِ فَعَينُ اللَّهِ لَم تَنَمِ
  117. 117
    وَلَم يَزَل أَهلُ دِين اللَّهِ في نَصَبٍ◆مِمّا يُلاقُونَ مِن كَربٍ وَمِن زَأَمِ
  118. 118
    حَتّى إِذا لَم يَعُد في الأَمر مَنزَعَةٌ◆وَأَصبَحَ الشَّرُّ جَهراً غَيرَ مُنكَتِمِ
  119. 119
    سارُوا إِلى الهِجرَةِ الأُولى وَما قَصَدوا◆غَيرَ النَّجاشِيِّ مَلكاً صادِقَ الذِّمَمِ
  120. 120
    فَأَصبَحُوا عِندَهُ في ظِلِّ مَملَكَةٍ◆حَصِينَةٍ وذِمامٍ غَيرِ مُنجَذِمِ
  121. 121
    مَن أَنكَرَ الضَّيمَ لَم يَأنَس بِصُحبَتِهِ◆وَمَن أَحاطَت بِهِ الأَهوالُ لَم يُقِمِ
  122. 122
    وَمُذ رَأى المُشرِكون الدّين قَد وضَحَت◆سَماؤُهُ وَاِنجَلَت عَن صِمَّةِ الصِّمَمِ
  123. 123
    تَأَلَّبُوا رَغبَةً في الشَّرِّ وَائتَمَرُوا◆عَلى الصَّحيفَةِ مِن غَيظٍ وَمِن وَغَمِ
  124. 124
    صَحِيفَةٌ وَسَمَت بِالغَدرِ أَوجُهَهُم◆وَالغَدرُ يَعلَقُ بِالأَعراضِ كَالدَّسَمِ
  125. 125
    فَكَشَّفَ اللَّهُ مِنها غُمَّةً نَزَلَت◆بِالمُؤمِنينَ وَرَبِّي كاشِفُ الغُمَمِ
  126. 126
    مَن أَضمَرَ السُّوءَ جازاهُ الإِلَهُ بِهِ◆وَمَن رَعى البَغيَ لَم يَسلَم مِنَ النِقَمِ
  127. 127
    كَفى الطُّفَيلَ بنَ عَمرٍو لُمعَةٌ ظَهَرَت◆فِي سَوطِهِ فَأَنارَت سُدفَةَ القَتَمِ
  128. 128
    هَدى بِها اللَّهُ دَوساً مِن ضَلالَتِها◆فَتابَعَت أَمرَ داعِيها وَلَم تَهِمِ
  129. 129
    وَفِي الإِراشِيِّ لِلأَقوامِ مُعتَبَرٌ◆إِذ جاءَ مَكَّةَ فِي ذَودٍ مِنَ النّعَمِ
  130. 130
    فَباعَها مِن أَبي جَهلٍ فَماطَلَهُ◆بِحَقِّهِ وَتَمادى غَيرَ مُحتَشِمِ
  131. 131
    فَجاءَ مُنتَصِراً يَشكُو ظُلامَتَهُ◆إِلى النَّبِيِّ ونِعمَ العَونُ في الإِزَمِ
  132. 132
    فَقامَ مُبتَدِراً يَسعى لِنُصرَتِهِ◆وَنُصرَةُ الحَقِّ شَأنُ المَرءِ ذِي الهِمَمِ
  133. 133
    فَدَقَّ بابَ أَبي جَهلٍ فَجاءَ لَهُ◆طَوعاً يَجُرُّ عِنانَ الخائِفِ الزَّرِمِ
  134. 134
    فَحِينَ لاقى رَسُولَ اللَّهِ لاحَ لَهُ◆فَحلٌ يَحُدُّ إِلَيهِ النابَ مِن أَطَمِ
  135. 135
    فَهالَهُ ما رَأى فَاِرتَدَّ مُنزَعِجاً◆وَعادَ بِالنَّقدِ بَعدَ المَطلِ عَن رَغَمِ
  136. 136
    أَتِلكَ أَم حِينَ نادى سَرحَةً فَأَتَت◆إِلَيهِ مَنشُورَةَ الأَغصانِ كَالجُمَمِ
  137. 137
    حَنَت عَلَيهِ حُنُوَّ الأُمِّ مِن شَفَقٍ◆وَرَفرَفَت فَوقَ ذاكَ الحُسنِ مِن رَخَمِ
  138. 138
    جاءَتهُ طَوعاً وَعادَت حينَ قالَ لَها◆عُودِي وَلو خُلِّيت لِلشَّوقِ لَم تَرِمِ
  139. 139
    وَحَبَّذا لَيلَةُ الإِسراءِ حِينَ سَرى◆لَيلاً إِلى المَسجِدِ الأَقصى بِلا أَتَمِ
  140. 140
    رَأَى بِهِ مِن كِرامِ الرُّسلِ طائِفَةً◆فَأَمَّهُم ثُمَّ صَلَّى خاشِعاً بِهِمِ
  141. 141
    بَل حَبَّذا نَهضَةُ المِعراجِ حينَ سَما◆بِهِ إِلى مَشهَدٍ في العزِّ لَم يُرَمِ
  142. 142
    سَما إِلى الفَلَك الأَعلى فَنالَ بِهِ◆قَدراً يَجِلُّ عَن التَّشبيهِ في العِظَمِ
  143. 143
    وَسارَ في سُبُحاتِ النُّورِ مُرتَقِياً◆إِلى مَدارِجَ أَعيَت كُلَّ مُعتَزِمِ
  144. 144
    وَفازَ بِالجَوهَرِ المَكنونِ مِن كَلِمٍ◆لَيسَت إِذا قُرِنَت بِالوَصفِ كَالكَلِمِ
  145. 145
    سِرٌّ تَحارُ بِهِ الأَلبابُ قاصِرَةً◆وَنِعمَةٌ لَم تَكُن في الدَّهرِ كَالنِّعَمِ
  146. 146
    هَيهاتَ يَبلُغُ فَهمٌ كُنهَ ما بَلَغَت◆قُرباهُ مِنهُ وَقَد ناجاهُ مِن أَمَمِ
  147. 147
    فَيا لَها وصلَةً نالَ الحَبيبُ بِها◆ما لَم يَنَلهُ مِنَ التَّكريمِ ذُو نَسَمِ
  148. 148
    فاقَت جَميعَ اللَّيالي فَهيَ زاهِرَةٌ◆بِحُسنِها كَزُهُورِ النّارِ في العَلَمِ
  149. 149
    هَذا وَقَد فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاةَ عَلى◆عِبادِهِ وَهَداهُم واضِحَ اللَّقَمِ
  150. 150
    فَسارَعُوا نَحوَ دِينِ اللَّهِ وَاِنتَصَبُوا◆إِلى العِبادَةِ لا يَألُونَ مِن سَأَمِ
  151. 151
    وَلَم يَزَل سَيِّدُ الكَونَينِ مُنتَصِباً◆لِدَعوَةِ الدِّين لَم يَفتر وَلَم يَجِمِ
  152. 152
    يَستَقبِلُ النّاسَ في بَدوٍ وَفي حَضَرٍ◆وَيَنشُرُ الدِّينَ في سَهلٍ وَفي عَلَمِ
  153. 153
    حَتّى اِستَجابَت لَهُ الأَنصارُ وَاِعتَصَمُوا◆بِحَبلِهِ عَن تَراضٍ خَيرَ مُعتَصمِ
  154. 154
    فَاِستَكمَلَت بِهِمُ الدُنيا نَضارَتَها◆وَأَصبَحَ الدينُ في جَمعٍ بِهِم تَمَمِ
  155. 155
    قَومٌ أَقَرُّوا عِمادَ الحَقِّ وَاِصطَلَمُوا◆بِيَأسِهِم كُلَّ جَبّارٍ وَمُصطَلِمِ
  156. 156
    فَكَم بِهِم أَشرَقَت أَستارُ داجِيَةٍ◆وَكَم بِهِم خَمَدَت أَنفاسُ مُختَصِمِ
  157. 157
    فَحينَ وافى قُرَيشاً ذِكرُ بَيعَتِهِم◆ثارُوا إِلى الشَّرِّ فِعلَ الجاهِلِ العَرِمِ
  158. 158
    وَبادَهُوا أَهلَ دِينِ اللَهِ وَاِهتَضَمُوا◆حُقُوقَهُم بِالتَّمادِي شَرَّ مُهتَضَمِ
  159. 159
    فَكَم تَرى مِن أَسيرٍ لا حِراكَ بِهِ◆وَشارِدٍ سارَ مِن فَجٍّ إِلى أَكَمِ
  160. 160
    فَهاجَرَ الصَّحبُ إِذ قالَ الرَّسُولُ لَهُم◆سيرُوا إِلى طَيبَةَ المَرعِيَّةِ الحُرَمِ
  161. 161
    وَظَلَّ في مَكَّةَ المُختارُ مُنتَظِراً◆إِذناً مِنَ اللَهِ في سَيرٍ وَمُعتَزَمِ
  162. 162
    فَأَوجَسَت خيفَةً مِنهُ قُرَيشُ وَلَم◆تَقبَل نَصيحاً وَلَم تَرجع إِلى فَهَمِ
  163. 163
    فَاِستَجمَعَت عُصَباً في دارِ نَدوَتِها◆تَبغي بِهِ الشَّرَّ مِن حِقدٍ وَمِن أَضَمِ
  164. 164
    وَلَو دَرَت أَنَّها فِيما تُحاوِلُهُ◆مَخذولَةٌ لَم تَسُم في مَرتَعٍ وَخِمِ
  165. 165
    أَولى لَها ثُمَ أَولى أَن يَحيقَ بِها◆ما أَضمَرَتهُ مِنَ البَأساءِ وَالشَّجَمِ
  166. 166
    إِنّي لَأَعجَبُ مِن قَومٍ أُولي فِطَنٍ◆باعُوا النُّهى بِالعَمى وَالسَّمعَ بِالصَّمَمِ
  167. 167
    يَعصُونَ خالِقَهُم جَهلاً بِقُدرَتِهِ◆وَيَعكُفُونَ عَلى الطاغُوتِ وَالصَّنَمِ
  168. 168
    فَأَجمَعُوا أَمرَهُم أَن يَبغتُوهُ إِذا◆جَنَّ الظَّلامُ وَخَفَّت وَطأَةُ القَدَمِ
  169. 169
    وَأَقبَلُوا مَوهِناً في عُصبَةٍ غُدُرٍ◆مِنَ القَبائِلِ باعُوا النَّفسَ بِالزَّعَمِ
  170. 170
    فَجاءَ جِبريلُ لِلهادِي فَأَنبأَهُ◆بِما أَسَرُّوهُ بَعدَ العَهدِ وَالقَسَمِ
  171. 171
    فَمُذ رَآهُم قِياماً حَولَ مَأمَنِهِ◆يَبغُونَ ساحَتَهُ بِالشَّرِّ وَالفَقَمِ
  172. 172
    نادى عَلِيّاً فَأَوصاهُ وَقالَ لَهُ◆لا تَخشَ وَالبَس رِدائي آمِناً وَنَمِ
  173. 173
    وَمَرَّ بِالقَومِ يَتلُوُ وَهوَ مُنصَرِفٌ◆يَس وَهيَ شِفاءُ النَّفسِ مِن وَصَمِ
  174. 174
    فَلَم يَرَوهُ وَزاغَت عَنهُ أَعيُنُهُم◆وَهَل تَرى الشَّمس جَهراً أَعيُنُ الحَنَمِ
  175. 175
    وَجاءَهُ الوَحيُ إِيذاناً بِهِجرَتِهِ◆فَيَمَّمَ الغارَ بِالصِّدِّيقِ في الغَسَمِ
  176. 176
    فَما اِستَقَرَّ بِهِ حَتّى تَبَوَّأَهُ◆مِنَ الحَمائِمِ زَوجٌ بارِعُ الرَّنَمِ
  177. 177
    بَنى بِهِ عُشَّهُ وَاِحتَلَّهُ سَكناً◆يَأوي إِلَيهِ غَداةَ الرّيحِ وَالرّهَمِ
  178. 178
    إِلفانِ ما جَمَعَ المِقدارُ بَينَهُما◆إِلّا لِسِرٍّ بِصَدرِ الغارِ مُكتَتَمِ
  179. 179
    كِلاهُما دَيدَبانٌ فَوقَ مَربأَةٍ◆يَرعَى المَسالِكَ مِن بُعدٍ وَلَم يَنَمِ
  180. 180
    إِن حَنَّ هَذا غَراماً أَو دَعا طَرَباً◆بِاسمِ الهَديلِ أَجابَت تِلكَ بِالنَّغَمِ
  181. 181
    يَخالُها مَن يَراها وَهيَ جاثِمَةٌ◆في وَكرِها كُرَةً مَلساءَ مِن أَدَمِ
  182. 182
    إِن رَفرَفَت سَكَنَت ظِلّاً وَإِن هَبَطَت◆رَوَت غَليلَ الصَّدى مِن حائِرٍ شَبِمِ
  183. 183
    مَرقُومَةُ الجِيدِ مِن مِسكٍ وَغالِيَةٍ◆مَخضُوبَةُ الساقِ وَالكَفَّينِ بِالعَنَمِ
  184. 184
    كَأَنَّما شَرَعَت في قانِيءٍ سربٍ◆مِن أَدمُعِي فَغَدَت مُحمَرَّةَ القَدَمِ
  185. 185
    وَسَجفَ العَنكَبُوتُ الغارَ مُحتَفِياً◆بِخَيمَةٍ حاكَها مِن أَبدَعِ الخِيَمِ
  186. 186
    قَد شَدَّ أَطنابَها فَاِستَحكَمَت وَرَسَت◆بِالأَرضِ لَكِنَّها قامَت بِلا دِعَمِ
  187. 187
    كَأَنَّها سابِريٌّ حاكَهُ لَبِقٌ◆بِأَرضِ سابُورَ في بحبُوحَةِ العَجَمِ
  188. 188
    وَارَت فَمَ الغارِ عَن عَينٍ تُلِمُّ بِهِ◆فَصارَ يَحكي خَفاءً وَجهَ مُلتَثِمِ
  189. 189
    فَيا لَهُ مِن سِتارٍ دُونَهُ قَمَرٌ◆يَجلُو البَصائِرَ مِن ظُلمٍ وَمِن ظُلَمِ
  190. 190
    فَظَلَّ فيهِ رَسولُ اللَّهِ مُعتَكِفاً◆كَالدُرِّ في البَحر أَو كَالشَمسِ في الغُسَمِ
  191. 191
    حَتّى إِذا سَكَنَ الإِرجاف وَاِحتَرقَت◆أَكبادُ قَومٍ بِنارِ اليَأسِ وَالوَغَمِ
  192. 192
    أَوحى الرَّسولُ بِإِعدادِ الرَّحيلِ إِلى◆مَن عِندَهُ السِّرُّ مِن خِلٍّ وَمِن حَشَمِ
  193. 193
    وَسارَ بَعدَ ثَلاثٍ مِن مَباءَتِهِ◆يَؤُمُّ طَيبَةَ مَأوى كُلِّ مُعتَصِمِ
  194. 194
    فَحِينَ وَافى قُدَيداً حَلَّ مَوكِبُهُ◆بِأُمِّ مَعبَدَ ذاتِ الشَّاءِ وَالغَنَمِ
  195. 195
    فَلَم تَجِد لِقِراهُ غَيرَ ضائِنَةٍ◆قَدِ اقشَعَرَّت مَراعِيها فَلَم تَسُمِ
  196. 196
    فَما أَمَرَّ عَلَيها داعِياً يَدَهُ◆حَتّى اِستَهَلَّت بِذِي شَخبينِ كَالدِّيَمِ
  197. 197
    ثُمَّ اِستَقَلَّ وَأَبقى في الزَّمانِ لَها◆ذِكراً يَسيرُ عَلَى الآفاق كَالنَّسَمِ
  198. 198
    فَبَينَما هُوَ يَطوي البِيدَ أَدرَكَهُ◆رَكضاً سُراقَةُ مِثلَ القَشعَمِ الضَّرِمِ
  199. 199
    حَتّى إِذا ما دَنا ساخَ الجَوادُ بِهِ◆في بُرقَةٍ فَهَوى لِلسَّاقِ وَالقَدَمِ
  200. 200
    فَصاحَ مُبتَهِلاً يَرجُو الأَمانَ وَلَو◆مَضى عَلى عَزمِهِ لانهارَ في رَجَمِ
  201. 201
    وَكَيفَ يَبلُغُ أَمراً دُونَهُ وَزَرٌ◆مِنَ العِنايةِ لَم يَبلُغهُ ذُو نَسَمِ
  202. 202
    فَكَفَّ عَنهُ رَسولُ اللَّهِ وَهوَ بِهِ◆أَدرى وَكَم نِقَمٍ تفتَرُّ عَن نِعَمِ
  203. 203
    وَلَم يَزَل سائِراً حَتّى أَنافَ عَلى◆أَعلامِ طَيبَةَ ذاتِ المَنظَرِ العَمَمِ
  204. 204
    أَعظِم بِمَقدَمِهِ فَخراً وَمَنقبَةً◆لِمَعشَرِ الأَوسِ وَالأَحياءِ مِن جُشَمِ
  205. 205
    فَخرٌ يَدُومُ لَهُم فَضلٌ بِذِكرَتِهِ◆ما سارَت العِيسُ بِالزُّوّارِ لِلحَرَمِ
  206. 206
    يَومٌ بِهِ أَرَّخَ الإِسلامُ غُرَّتَهُ◆وَأَدرَكَ الدِّينُ فيهِ ذِروَةَ النُّجُمِ
  207. 207
    ثُمَّ اِبتَنى سَيِّدُ الكَونَينِ مَسحِدَهُ◆بُنيانَ عِزٍّ فَأَضحى قائِمَ الدّعَمِ
  208. 208
    وَاِختَصَّ فيهِ بِلالاً بِالأَذانِ وَما◆يُلفى نَظيرٌ لَهُ في نَبرَةِ النَّغَمِ
  209. 209
    حَتّى إِذا تَمَّ أَمرُ اللَّهِ وَاِجتَمَعَت◆لَهُ القبَائِلُ مِن بُعدٍ وَمِن زَمَمِ
  210. 210
    قامَ النَّبِيُّ خَطيباً فيهِمُ فَأَرى◆نَهجَ الهُدى وَنَهى عَن كُلِّ مُجتَرَمِ
  211. 211
    وَعَمَّهم بِكِتابٍ حَضَّ فيهِ عَلى◆مَحاسِنِ الفَضلِ وَالآدابِ وَالشِّيمِ
  212. 212
    فَأَصبَحُوا في إِخاءٍ غَيرِ مُنصَدِعٍ◆عَلى الزَّمانِ وَعِزٍّ غَيرِ مُنهَدِمِ
  213. 213
    وَحِينَ آخى رَسُولُ اللَّهِ بَينَهُمُ◆آخى عَلِيّاً وَنِعمَ العَونُ في القُحَمِ
  214. 214
    هُوَ الَّذي هَزَمَ اللَّهُ الطُغاةَ بِهِ◆في كُلِّ مُعتَرَكٍ بِالبِيضِ مُحتَدِمِ
  215. 215
    فَاِستَحكَم الدِّينُ وَاِشتَدَّت دَعائِمُهُ◆حَتّى غَدا واضِحَ العِرنينِ ذا شَمَمِ
  216. 216
    وَأَصبَحَ الناسُ إِخواناً وَعَمَّهُمُ◆فَضلٌ مِنَ اللَّهِ أَحياهُم مِنَ العَدَمِ
  217. 217
    هَذا وَقَد فَرَضَ اللَّهُ الجِهادَ عَلى◆رَسُولِهِ لِيَبُثَّ الدِّينَ في الأُمَمِ
  218. 218
    فَكانَ أَوَّلُ غَزوٍ سارَ فيهِ إِلى◆وَدّانَ ثُمَّ أَتى مِن غَيرِ مُصطَدَمِ
  219. 219
    ثُمَّ اِستَمَرَّت سَرايا الدِّينِ سابِحَةً◆بِالخَيلِ جامِحَةً تَستَنُّ بِاللُّجُمِ
  220. 220
    سَرِيَّةٌ كانَ يَرعاها عُبَيدَةُ في◆صَوبٍ وَحَمزَةُ في أُخرى إِلى التَّهَمِ
  221. 221
    وَغَزوَةٌ سارَ فيها المُصطَفى قُدُماً◆إِلى بُواطٍ بِجَمعٍ ساطِعِ القَتَمِ
  222. 222
    وَمِثلَها يَمَّمَت ذاتَ العُشيرَةِ في◆جَيشٍ لُهامٍ كَمَوجِ البَحرِ مُلتَطِمِ
  223. 223
    وَسارَ سَعدٌ إِلى الخَرّارِ يَقدُمُهُ◆سَعدٌ وَلَم يَلقَ في مَسراهُ مِن بَشَمِ
  224. 224
    وَيَمَّمَت سَفَوان الخَيلُ سابِحَةً◆بِكُلِّ مُعتَزِمٍ لِلقَرنِ مُلتَزِمِ
  225. 225
    وَتابَعَ السَّيرَ عَبدُ اللَّهِ مُتَّجِهاً◆تِلقاءَ نَخلَةَ مَصحُوباً بِكُلِّ كَمِي
  226. 226
    وَحُوّلَت قِبلَةُ الإِسلامِ وَقتَئِذٍ◆عَن وِجهَةِ القُدسِ نَحوَ البَيتِ ذي العِظَمِ
  227. 227
    وَيَمَّمَ المُصطَفى بَدراً فَلاحَ لَهُ◆بَدرٌ مِنَ النَّصرِ جَلَّى ظُلمَةَ الوَخَمِ
  228. 228
    يَومٌ تَبَسَّمَ فيهِ الدِّينُ وَاِنهَمَلَت◆عَلَى الضَّلالِ عُيونُ الشِّركِ بِالسَّجَمِ
  229. 229
    أَبلَى عَلِيٌّ بِهِ خَيرَ البَلاءِ بِما◆حَباهُ ذُو العَرشِ مِن بَأسٍ وَمِن هِمَمِ
  230. 230
    وَجالَ حَمزَةُ بِالصَّمصامِ يَكسؤُهُم◆كَسأً يُفَرِّقُ مِنهُم كُلَّ مُزدَحَمِ
  231. 231
    وَغادَرَ الصَّحبُ وَالأَنصارُ جَمعَهُمُ◆وَلَيسَ فيهِ كَمِيٌّ غَيرُ مَنهَزِمِ
  232. 232
    تَقَسَّمَتهُم يَدُ الهَيجاءِ عادِلَةً◆فَالهامُ لِلبِيض وَالأَبدانُ لِلرَّخَمِ
  233. 233
    كَأَنَّما البِيضُ بِالأَيدي صَوالِجَةٌ◆يَلعَبنَ في ساحَةِ الهَيجاءِ بِالقِمَمِ
  234. 234
    لَم يَبقَ مِنهُم كَمِيٌّ غَيرُ مُنجَدِلٍ◆عَلى الرّغامِ وَعُضوٌ غَيرُ مُنحَطِمِ
  235. 235
    فَما مَضَت ساعَةٌ وَالحَربُ مُسعَرَةٌ◆حَتّى غَدا جَمعُهُم نَهباً لِمُقتَسِمِ
  236. 236
    قَد أَمطَرَتهُم سَماءُ الحَربِ صائِبَةً◆بِالمَشرَفِيَّةِ وَالمُرّانِ كَالرُّجُمِ
  237. 237
    فَأَينَ ما كانَ مِن زَهوٍ وَمِن صَلَفٍ◆وَأَينَ ما كانَ مِن فَخرٍ وَمِن شَمَمِ
  238. 238
    جاؤُا وِللشَّرِّ وَسمٌ في مَعاطِسِهِم◆فَأُرغِمُوا وَالرَّدى في هَذِهِ السِّيَمِ
  239. 239
    مَن عارَضَ الحَقَّ لَم تَسلَم مَقاتِلُهُ◆وَمَن تَعَرَّضَ لِلأَخطارِ لَم يَنَمِ
  240. 240
    فَما اِنقَضى يَومُ بَدرٍ بِالَّتي عَظُمَت◆حَتّى مَضى غازِياً بِالخَيلِ في الشُّكُمِ
  241. 241
    فَيَمَّمَ الكُدرَ بِالأَبطالِ مُنتَحِياً◆بَني سُلَيمٍ فَوَلَّت عَنهُ بِالرَّغَمِ
  242. 242
    وَسارَ في غَزوَةٍ تُدعى السَّويقَ بِما◆أَلقاهُ أَعداؤُهُ مِن عُظمِ زادِهِمِ
  243. 243
    ثُمَّ اِنتَحى بِوُجُوهِ الخَيل ذَا أَمرٍ◆فَفَرَّ ساكِنُهُ رُعباً إِلى الرَّقَمِ
  244. 244
    وَأَمَّ فرعاً فَلَم يَثقَف بِهِ أَحَداً◆وَمَن يُقيمُ أَمامَ العارِضِ الهَزِمِ
  245. 245
    وَلَفَّ بِالجَيشِ حَيَّي قَينُقاعَ بِما◆جَنَوا فَتَعساً لَهُم مِن مَعشَرٍ قَزَمِ
  246. 246
    وَسارَ زَيدٌ بِجَمعٍ نَحوَ قَردَةَ مِن◆مِياهِ نَجدٍ فَلَم يَثقَف سِوى النَّعَمِ
  247. 247
    ثُمَّ اِستَدارَت رَحا الهَيجاءِ في أُحُدٍ◆بِكُلِّ مُفتَرِسٍ لِلقِرنِ مُلتَهِمِ
  248. 248
    يَومٌ تَبَيَّنَ فيهِ الجِدُّ وَاِتَّضَحَت◆جَلِيَّةُ الأَمرِ بَعدَ الجَهدِ وَالسَّأَمِ
  249. 249
    قَد كانَ خُبراً وَتَمحيصاً وَمَغفِرَةً◆لِلمُؤمِنينَ وَهَل بُرءٌ بِلا سَقَمِ
  250. 250
    مَضى عَلِيٌّ بِهِ قُدماً فَزَلزَلَهُم◆بِحَملَةٍ أَورَدَتهُم مَورِدَ الشَّجَمِ
  251. 251
    وَأَظهَرَ الصَّحبُ وَالأَنصارُ بَأسَهم◆وَالبَأسُ في الفِعلِ غَيرُ البَأسِ فِي الكَلِمِ
  252. 252
    خاضُوا المَنايا فَنالُوا عِيشَةً رَغَداً◆وَلَذَّةُ النَّفسِ لا تَأتِي بِلا أَلَمِ
  253. 253
    مَن يَلزَمِ الصَّبرَ يَستَحسِن عَواقِبَهُ◆وَالماءُ يَحسُنُ وَقعاً عِندَ كُلِّ ظَمِ
  254. 254
    لَو لَم يَكُن فِي اِحتِمالِ الصَّبرِ مَنقَبةٌ◆لَم يَظهَرِ الفَرقُ بَينَ اللُّؤمِ وَالكَرَمِ
  255. 255
    فَكانَ يَوماً عَتِيدَ البَأسِ نالَ بِهِ◆كِلا الفَريقَينِ جَهداً وَارِيَ الحَدَمِ
  256. 256
    أَودى بِهِ حَمزَةُ الصِّندِيدُ فِي نَفَرٍ◆نالوا الشَّهادَةَ تَحتَ العارِضِ الرَّزِمِ
  257. 257
    أَحسِن بِها مَيتَةً أَحيَوا بِها شَرَفاً◆وَالمَوتُ في الحَربِ فَخرُ السّادَةِ القُدُمِ
  258. 258
    لا عارَ بِالقَومِ مِن مَوتٍ وَمِن سَلَبٍ◆وَهَل رَأَيتَ حُساماً غَيرَ مُنثَلِمِ
  259. 259
    فَكانَ يَوم جَزاءٍ بَعدَ مُختَبَرٍ◆لِمَن وَفا وَجَفا بِالعِزِّ وَالرَّغَمِ
  260. 260
    قامَ النَّبِيُّ بِهِ في مَأزِقٍ حَرِج◆تَرعى المَناصِلُ فيهِ مَنبِتَ الجُمَمِ
  261. 261
    فَلَم يَزَل صابِراً في الحَربِ يَفثَؤُها◆بِالبِيضِ حَتّى اِكتَسَت ثَوباً مِنَ العَنَمِ
  262. 262
    وَرَدَّ عَينَ اِبنِ نُعمان قَتادَةَ إِذ◆سالَت فَعادَت كَما كانَت بِلا لَتمِ
  263. 263
    وَقَد أَتى بَعدَ ذا يَومُ الرَّجِيعِ بِما◆فِيهِ مِنَ الغَدرِ بَعدَ العَهدِ وَالقَسَمِ
  264. 264
    وَثارَ نَقعُ المَنايا في مَعُونَةَ مِن◆بَني سُلَيمٍ بِأَهلِ الفَضلِ وَالحِكَمِ
  265. 265
    ثُمَّ اِشرَأَبَّت لِخَفرِ العَهدِ مِن سَفَهٍ◆بَنُو النَّضيرِ فَأَجلاهُم عَنِ الأُطُمِ
  266. 266
    وَسارَ مُنتَحِياً ذاتَ الرِّقاعِ فَلَم◆تَلقَ الكَتائِبُ فيها كَيدَ مُصطَدَمِ
  267. 267
    وَحَلَّ مِن بَعدِها بَدراً لِوَعدِ أَبِي◆سُفيانَ لَكِنَّهُ وَلّى وَلَم يَحُمِ
  268. 268
    وَأَمَّ دَومَةَ في جَمعٍ وَعادَ إِلى◆مَكانِهِ وَسَماءُ النَّقعِ لَم تَغِمِ
  269. 269
    ثُمَّ اِستَثارَت قُرَيشٌ وَهيَ ظالِمَةٌ◆أَحلافَها وَأَتَت في جَحفَلٍ لَهِمِ
  270. 270
    تَستَمرِئُ البَغيَ مِن جَهلٍ وَما عَلِمَت◆أَنَّ الجَهالَة مَدعاةٌ إِلى الثَّلَمِ
  271. 271
    وَقامَ فيهم أَبُو سُفيانَ مِن حَنَقٍ◆يَدعُو إِلى الشَّرِّ مثلَ الفَحلِ ذِي القَطَمِ
  272. 272
    فَخَندَقَ المُؤمِنُونَ الدّارَ وَاِنتَصَبُوا◆لِحَربِهِم كَضَواري الأُسدِ في الأَجَمِ
  273. 273
    فَما اِستَطاعَت قُرَيشٌ نَيلَ ما طَلَبَت◆وَهَل تَنالُ الثُّرَيّا كَفُّ مُستَلِمِ
  274. 274
    رامَت بِجَهلَتِها أَمراً وَلَو عَلِمَت◆ماذَا أُعِدَّ لَها في الغَيبِ لَم تَرُمِ
  275. 275
    فَخَيَّبَ اللَّهُ مَسعاها وَغادَرَها◆نَهبَ الرَّدى وَالصَّدى وَالرِّيحِ وَالطَّسَمِ
  276. 276
    فَقوَّضَت عُمُدَ التَّرحالِ وَاِنصَرَفَت◆لَيلاً إِلى حَيثُ لَم تَسرَح وَلَم تَسُمِ
  277. 277
    وَكَيفَ تَحمَدُ عُقبى ماجَنَت يَدُها◆بَغياً وَقَد سَرَحَت في مَرتَعٍ وَخِمِ
  278. 278
    قَد أَقبَلَت وَهيَ في فَخرٍ وَفي جَذَلٍ◆وَأَدبَرَت وَهيَ في خِزيٍ وَفي سَدَمِ
  279. 279
    مَن يَركَبِ الغَيَّ لا يَحمَد عَواقِبَهُ◆وَمَن يُطِع قَلبُهُ أَمرَ الهَوى يَهِمِ
  280. 280
    ثُمَّ اِنتَحى بِوُجُوهِ الخَيلِ ساهِمَةً◆بَني قُرَيظَةَ في رَجراجَةٍ حُطَمِ
  281. 281
    خانُوا الرَّسُولَ فَجازاهُم بِما كَسَبُوا◆وَفِي الخِيانَةِ مَدعاةٌ إِلى النِّقَمِ
  282. 282
    وَسارَ يَنحُو بَني لِحيانَ فَاِعتَصَمُوا◆خَوفَ الرَّدى بِالعَوالي كُلَّ مُعتَصَمِ
  283. 283
    وَأَمَّ ذا قَرَدٍ في جَحفَلٍ لَجِبٍ◆يَستَنُّ في لاحِبٍ بادٍ وَفي نَسَمِ
  284. 284
    وَزارَ بِالجَيشِ غَزواً أَرضَ مُصطَلِقٍ◆فَما اتَّقُوهُ بِغَيرِ البِيضِ في الخَدَمِ
  285. 285
    وَفي الحُدَيبِيَةِ الصُّلحُ اِستَتَبَّ إِلى◆عَشرٍ وَلَم يَجرِ فيها مِن دَمٍ هَدَمِ
  286. 286
    وَجاءَ خَيبَرَ في جَأواءَ كَالِحَةٍ◆بِالخَيلِ كَالسَّيلِ وَالأَسيافِ كَالضَّرَمِ
  287. 287
    حَتّى إِذا اِمتَنَعَت شُمُّ الحُصونِ عَلى◆مَن رامَها بَعدَ إِيغالٍ وَمُقتَحَمِ
  288. 288
    قالَ النَّبِيُّ سَأُعطِي رايَتِي رَجُلاً◆يُحِبُّنِي وَيُحِبُّ اللَّهَ ذا الكَرَمِ
  289. 289
    ذا مرَّةٍ يَفتَحُ اللَّهُ الحُصونَ عَلَى◆يَدَيهِ لَيسَ بِفَرّارٍ وَلا بَرِمِ
  290. 290
    فَما بَدا الفَجرُ إِلّا وَالزَّعيمُ عَلى◆جَيشِ القِتالِ عَلِيٌّ رافِعُ العَلَمِ
  291. 291
    وَكانَ ذا رَمَدٍ فَاِرتَدَّ ذا بَصَرٍ◆بِنَفثَةٍ أَبرَأَت عَينَيهِ مِن وَرَمِ
  292. 292
    فَسارَ مُعتَزِماً حَتّى أَنافَ عَلى◆حُصُونِ خَيبَرَ بِالمَسلُولَةِ الخُذُمِ
  293. 293
    يَمضِي بِمُنصُلِهِ قُدماً فَيَلحَمُهُ◆مَجرى الوَريدِ مِنَ الأَعناقِ وَاللِّمَمِ
  294. 294
    حَتّى إِذا طاحَ مِنهُ التُّرسُ تاحَ لَهُ◆بابٌ فَكانَ لَهُ تُرساً إِلى العَتَمِ
  295. 295
    بابٌ أَبَت قَلبَهُ جَهداً ثَمانِيَةٌ◆مِنَ الصَّحابَةِ أَهلِ الجِدِّ وَالعَزَمِ
  296. 296
    فَلَم يَزَل صائِلاً في الحَربِ مُقتَحِماً◆غَيابَةَ النَّقعِ مِثلَ الحَيدَرِ القَرِمِ
  297. 297
    حَتّى تَبَلَّجَ فَجرُ النَّصرِ وَاِنتَشَرَت◆بِهِ البَشائِرُ بَينَ السَّهلِ وَالعَلَمِ
  298. 298
    أَبشِر بِهِ يَومَ فَتحٍ قَد أَضاءَ بِهِ◆وَجهُ الزَّمانِ فَأَبدى بِشرَ مُبتَسِمِ
  299. 299
    أَتى بِهِ جَعفَرُ الطَّيّارُ فَاِبتَهَجَت◆بِعَودِهِ أَنفُسُ الأَصحابِ وَالعُزَمِ
  300. 300
    فَكانَ يَوماً حَوى عِيدَينِ في نَسَقٍ◆فَتحاً وَعَود كَرِيمٍ طاهِرِ الشِّيَمِ
  301. 301
    وَعادَ بِالنَّصرِ مَولى الدِّينِ مُنصَرِفاً◆يَؤُمُّ طَيبَةَ فِي عِزٍّ وَفِي نِعَمِ
  302. 302
    ثُمَّ اِستَقامَ لِبَيتِ اللَّهِ مُعتَمِراً◆لِنَيلِ ما فاتَهُ بِالهَديِ لِلحَرَمِ
  303. 303
    وَسارَ زَيدٌ أَميراً نَحوَ مُؤتَةَ في◆بَعثٍ فَلاقى بِها الأَعداءَ مِن كَثَمِ
  304. 304
    فَعَبَّأَ المُسلِمُونَ الجُندَ وَاِقتَتَلُوا◆قِتالَ مُنتَصِرٍ لِلحَقِّ مُنتَقِمِ
  305. 305
    فَطاحَ زَيدٌ وَأَودى جَعفَرٌ وَقَضى◆تَحتَ العَجاجَةِ عَبدُ اللَّهِ في قُدُمِ
  306. 306
    لا عارَ بِالمَوتِ فَالشَّهمُ الجَرِيءُ يَرى◆أَنَّ الرَّدى في المَعالي خَيرُ مُغتَنَمِ
  307. 307
    وَحِينَ خاسَت قُرَيشٌ بِالعُهُودِ وَلَم◆تُنصِف وَسارَت مِن الأَهواءِ في نَقَمِ
  308. 308
    وَظاهَرَت مِن بَني بَكرٍ حَليفَتَها◆عَلى خُزاعَةَ أَهلِ الصِّدقِ فِي الذِّمَمِ
  309. 309
    قامَ النَّبِيُّ لِنَصرِ الحَقِّ مُعتَزِماً◆بِجَحفَلٍ لِجُمُوعِ الشِّركِ مُختَرِمِ
  310. 310
    تَبدُو بِهِ البِيضُ وَالقَسطالُ مُنتَشِرٌ◆كَالشُّهبِ في اللَّيلِ أَو كَالنّارِ فِي الفَحَمِ
  311. 311
    لَمعُ السُّيُوفِ وَتَصهالُ الخُيولِ بِهِ◆كَالبَرقِ وَالرَّعدِ في مُغدَودِقٍ هَزِمِ
  312. 312
    عَرمرَمٌ يَنسِفُ الأَرضَ الفَضاءَ إِذا◆سَرى بِها وَيَدُكُّ الهَضبَ مِن خِيَمِ
  313. 313
    فِيهِ الكُماةُ الَّتي ذَلَّت لِعِزَّتِها◆مَعاطِسٌ لَم تُذَلَّل قَبلُ بِالخُطُمِ
  314. 314
    مِن كُلِّ مُعتَزِمٍ بِالصَّبرِ مُحتَزِمٍ◆لِلقِرنِ مُلتَزِمٍ في البَأسِ مُهتَزِمِ
  315. 315
    طالَت بِهِم هِمَمٌ نالُوا السِّماكَ بِها◆عَن قُدرَةٍ وَعُلُوُّ النَّفسِ بِالهِمَمِ
  316. 316
    بِيضٌ أَساوِرَةٌ غُلبٌ قَساوِرَةٌ◆شُكسٌ لَدى الحَربِ مِطعامونَ في الأُزُمِ
  317. 317
    طابَت نُفُوسُهُمُ بِالمَوتِ إِذ عَلِمُوا◆أَنَّ الحَياةَ الَّتي يَبغُونَ في العَدَمِ
  318. 318
    ساسُوا الجِيادَ فَظَلَّت في أَعِنَّتِها◆طَوعَ البَنانَةِ في كَرٍّ وَمُقتَحَمِ
  319. 319
    تَكادُ تَفقَهُ لَحنَ القَولِ مِن أَدَبٍ◆وَتَسبِقُ الوَحيَ وَالإِيماءَ مِن فَهَمِ
  320. 320
    كَأَنَّ أَذنابَها في الكَرِّ أَلوِيَةٌ◆عَلَى سَفِينٍ لِأَمرِ الرِّيحِ مُرتَسِمِ
  321. 321
    مِن كُلِّ مُنجَرِدٍ يَهوي بِصاحِبِهِ◆بَينَ العَجاجِ هوِيَّ الأَجدَلِ اللَّحِمِ
  322. 322
    وَالبِيضُ تَرجُفُ في الأَغمادِ مِن ظَمَأٍ◆وَالسُّمرُ تَرعدُ في الأَيمانِ مِن قَرَمِ
  323. 323
    مِن كُلِّ مُطَّرِدٍ لَولا عَلائِقُهُ◆لَسابَقَ المَوتَ نَحوَ القِرنِ مِن ضَرَمِ
  324. 324
    كَأَنَّهُ أَرقَمٌ في رَأسِهِ حُمَةٌ◆يَستَلُّ كَيدَ الأَعادي بِابنَةِ الرَّقَمِ
  325. 325
    فَلَم يَزَل سائِراً حَتّى أَنافَ عَلى◆أَرباضِ مَكّةَ بِالفُرسانِ وَالبُهَمِ
  326. 326
    وَلَفَّهم بِخَمِيسٍ لَو يَشُدُّ عَلى◆أَركانِ رَضوى لَأَضحى مائِلَ الدِّعَمِ
  327. 327
    فَأَقبَلوا يَسأَلُونَ الصَّفحَ حِينَ رَأَوا◆أَنَّ اللَّجاجَةَ مَدعاةٌ إِلى النَّدَمِ
  328. 328
    رِيعُوا فَذَلُّوا وَلَو طاشُوا لَوَقَّرَهُم◆ضَربٌ يُفَرِّقُ مِنهُم مَجمَعَ اللِّمَمِ
  329. 329
    ذاقُوا الرَّدى جُرَعاً فَاِستَسلَمُوا جَزَعاً◆لِلصُّلحِ وَالحَربُ مَرقاةٌ إِلى السَّلَمِ
  330. 330
    وَأَقبَلَ النَّصرُ يَتلُو وَهوَ مُبتَسِمٌ◆المَجدُ لِلسَّيفِ لَيسَ المَجدُ لِلقَلَمِ
  331. 331
    يا حائِرَ اللُّبِّ هَذا الحَقُّ فَامضِ لَهُ◆تَسلَم وَهَذا سَبِيلُ الرُّشدِ فَاِستَقِمِ
  332. 332
    لا يَصرَعَنَّكَ وَهمٌ بِتَّ تَرقُبُهُ◆إِنَّ التَّوَهُّمَ حَتفُ العاجِزِ الوَخِمِ
  333. 333
    هَذا النَّبيُّ وَذاكَ الجَيشُ مُنتَشِرٌ◆مِلءَ الفَضا فَاِستَبق لِلخَيرِ تَغتَنِمِ
  334. 334
    فَالزَم حِماهُ تَجِد ما شِئتَ مِن أَرَبٍ◆وَشِم نَداهُ إِذا ما البَرقُ لَم يُشَمِ
  335. 335
    وَاحلُل رِحالَكَ وَانزِل نَحوَ سُدَّتِهِ◆فَإِنَّها عصمَةٌ مِن أَوثَقِ العِصمِ
  336. 336
    أَحيا بِهِ اللَّهُ أَمواتَ القُلوبِ كَما◆أَحيا النَّباتَ بِفَيضِ الوابِلِ الرَّذِمِ
  337. 337
    حَتّى إِذا تَمَّ أَمرُ الصُلحِ وَاِنتَظَمَت◆بِهِ عُقودُ الأَماني أَيَّ مُنتَظَمِ
  338. 338
    قامَ النَّبِيُّ بِشُكرِ اللَّهِ مُنتَصِباً◆وَالشُّكرُ فِي كُلِّ حالٍ كافِلُ النِّعَمِ
  339. 339
    وَطافَ بِالبَيتِ سبعاً فَوقَ راحِلَةٍ◆قَوداءَ ناجِيَةٍ أَمضى مِنَ النَّسَمِ
  340. 340
    فَما أَشارَ إِلى بُدٍّ بِمِحجَنِهِ◆إِلّا هوَى لِيَدٍ مَغلُولَةٍ وَفَمِ
  341. 341
    وَفِي حُنَينٍ إِذ اِرتَدَّت هَوازِنُ عَن◆قَصدِ السَّبيلِ وَلَم تَرجِع إِلى الحَكَمِ
  342. 342
    سَرى إِلَيها بِبَحرٍ مِن مُلَملَمَةٍ◆طامي السّراة بِمَوجِ البِيضِ مُلتَطِمِ
  343. 343
    حَتّى اِستَذَلَّت وَعادَت بَعدَ نَخوَتِها◆تُلقي إِلى كُلِّ مَن تَلقاهُ بِالسَّلَمِ
  344. 344
    وَيَمَّمَ الطّائِفَ الغَنّاءَ ثُمَّ مَضى◆عَنها إلى أَجَلٍ في الغَيبِ مُكتَتَمِ
  345. 345
    وَحِينَ أَوفى عَلى وادِي تَبُوكَ سَعى◆إِلَيهِ ساكِنُها طَوعاً بِلا رَغَمِ
  346. 346
    فَصالَحُوهُ وَأَدَّوا جِزيَةً وَرَضُوا◆بِحُكمِهِ وَتَبيعُ الرُشد لَم يَهِمِ
  347. 347
    أَلفى بِها عَينَ ماءٍ لا تَبِضُّ فَمُذ◆دَعا لَها اِنفَجَرَت عَن سائِغٍ سَنِمِ
  348. 348
    وَراوَدَ الغَيثَ فَاِنهَلَّت بَوادِرُهُ◆بَعدَ الجُمودِ بِمُنهَلٍّ وَمُنسَجِمِ
  349. 349
    وَأَمَّ طَيبَةَ مَسروراً بِعَودَتِهِ◆يَطوي المَنازِلَ بِالوَخّادَةِ الرُّسُمِ
  350. 350
    ثُمَّ اِستَهَلَّت وُفُودُ الناسِ قاطِبَةً◆إِلى حِماهُ فَلاقَت وافِرَ الكَرَمِ
  351. 351
    فَكانَ عامَ وُفودٍ كُلَّما اِنصَرَفَت◆عِصابَةٌ أَقبَلَت أُخرى عَلى قَدَمِ
  352. 352
    وَأَرسَلَ الرُّسلَ تَترى لِلمُلوكِ بِما◆فِيهِ بَلاغٌ لِأَهلِ الذِّكرِ وَالفَهَمِ
  353. 353
    وَأَمَّ غالِبُ أَكنافَ الكَديدِ إِلى◆بَني المُلَوَّحِ فَاِستَولى عَلى النَّعَمِ
  354. 354
    وَحِينَ خانَت جُذامٌ فَلَّ شَوكَتَها◆زَيدٌ بِجَمعٍ لِرَهطِ الشِّركِ مُقتَثِمِ
  355. 355
    وَسارَ مُنتَحِياً وادي القُرى فَمَحا◆بَني فَزارَةَ أَصلَ اللُّؤمِ وَالقَزَمِ
  356. 356
    وَأَمَّ خَيبَرَ عَبدُ اللَّهِ في نَفَرٍ◆إِلى اليَسِير فَأَرداهُ بِلا أَتَمِ
  357. 357
    وَيَمَّمَ اِبنُ أُنَيسٍ عُرضَ نَخلَةَ إِذ◆طَغا اِبنُ ثَورٍ فَاصماهُ وَلَم يَخِمِ
  358. 358
    ثُمَّ اِستَقَلَّ اِبنُ حِصنٍ فَاِحتَوَت يَدُهُ◆عَلى بَني العَنبَرِ الطُّرّارِ وَالشُّجُمِ
  359. 359
    وَسارَ عَمرو إِلى ذاتِ السَّلاسِلِ في◆جَمعٍ لُهامٍ لِجَيشِ الشِّركِ مُصطَلِمِ
  360. 360
    وَغَزوَتانِ لِعَبدِ اللَّهِ واجِدَةٌ◆إِلى رِفاعَةَ وَالأُخرى إِلى إِضَمِ
  361. 361
    وَسارَ جَمعُ اِبنِ عَوفٍ نَحوَ دَومَةَ كَي◆يَفُلَّ سَورَةَ أَهلِ الزُّورِ وَالتُّهَمِ
  362. 362
    وَأَمَّ بِالخَيلِ سيفَ البَحرِ مُعتَزِماً◆أَبُو عُبَيدَةَ في صُيّابَةٍ حُشُمِ
  363. 363
    وَسارَ عَمرو إِلى أُمِّ القُرى لِأَبي◆سُفيانَ لَكِن عَدَتهُ مُهلَةُ القِسَمِ
  364. 364
    وَأَمَّ مَديَنَ زَيدٌ فَاِستَوَت يَدُهُ◆عَلى العَدُوِّ وَساقَ السَّبيَ كَالغَنَمِ
  365. 365
    وَقامَ سالِمُ بِالعَضبِ الجُرازِ إِلى◆أَبي عُفَيكٍ فَأَرداهُ وَلَم يَجِمِ
  366. 366
    وَاِنقَضَّ لَيلاً عُمَيرٌ بِالحُسامِ عَلى◆عَصماءَ حَتّى سَقاها عَلقَمَ العَدَمِ
  367. 367
    وَسارَ بَعثٌ فَلَم يُخطِئ ثُمامَةَ إِذ◆رَآهُ فَاحتازَهُ غُنماً وَلَم يُلَمِ
  368. 368
    ذاكَ الهُمامُ الَّذي لَبّى بِمَكَّة إِذ◆أَتى بِها مُعلِناً في الأَشهُرِ الحُرُمِ
  369. 369
    وَبَعثُ عَلقَمَةَ اِستَقرى العَدُوَّ ضُحىً◆فَلَم يَجِد في خِلالِ الحَيِّ مِن أَرمِ
  370. 370
    وَرَدَّ كُرزٌ إِلى العَذراءِ مَن غَدَرُوا◆يَسارَ حَتّى لَقَوا بَرحاً مِنَ الشَّجَمِ
  371. 371
    وَسارَ بَعثُ اِبنِ زَيدٍ لِلشَّآمِ فَلَم◆يَلبَث أَنِ انقَضَّ كَالبازي عَلى اليَمَمِ
  372. 372
    فَهَذِهِ الغَزَواتُ الغُرُّ شامِلَةً◆جَمعَ البُعُوثِ كَدُرٍّ لاحَ في نُظُمِ
  373. 373
    نَظَمتُها راجِياً نَيلَ الشَّفاعَةِ مِن◆خَيرِ البَرايا وَمَولى العُربِ وَالعَجَمِ
  374. 374
    هُوَ النَّبِيُّ الَّذي لَولاهُ ما قُبِلَت◆رَجاةُ آدمَ لَمّا زَلَّ في القِدَمِ
  375. 375
    حَسبِي بِطَلعَتِهِ الغَرّاءِ مَفخَرَةً◆لَمّا اِلتَقَيتُ بِهِ في عالَمِ الحُلُمِ
  376. 376
    وَقَد حَباني عَصاهُ فَاِعتَصَمتُ بِها◆في كُلِّ هَولٍ فَلم أَفزَع وَلَم أَهِمِ
  377. 377
    فَهيَ الَّتي كانَ يَحبُو مِثلَها كَرَماً◆لِمَن يَوَدُّ وَحَسبِي نسبَةً بِهِمِ
  378. 378
    لَم أَخشَ مِن بَعدِها ما كُنتُ أَحذَرُهُ◆وَكَيفَ وَهيَ الَّتي تُنجي مِنَ الغُمَمِ
  379. 379
    كَفى بِها نِعمَةً تَعلُو بِقيمَتِها◆نَفسِي وَإِن كُنتُ مَسلوباً مِنَ القِيَمِ
  380. 380
    وَما أُبَرِّئُ نَفسي وَهيَ آمِرَةٌ◆بِالسُوءِ ما لَم تَعُقها خيفَةُ النَّدَمِ
  381. 381
    فَيا نَدامَةَ نَفسي في المَعادِ إِذا◆تَعَوَّذَ المَرءُ خَوفَ النُطقِ بِالبَكمِ
  382. 382
    لَكِنَّني وَاثِقٌ بِالعَفو مِن مَلِكٍ◆يَعفُو بِرَحمَتِهِ عَن كُلِّ مُجتَرِمِ
  383. 383
    وَسَوفَ أَبلُغُ آمالي وَإِن عَظُمَت◆جَرائِمي يَومَ أَلقى صاحِبَ العَلَمِ
  384. 384
    هُوَ الَّذي يَنعَشُ المَكرُوبَ إِذ عَلِقَت◆بِهِ الرَّزايا وَيُغني كُلَّ ذي عَدَمِ
  385. 385
    هَيهاتَ يَخذُلُ مَولاهُ وَشاعِرَهُ◆في الحَشرِ وَهوَ كَريمُ النَّفسِ وَالشِّيَمِ
  386. 386
    فَمَدحُهُ رَأسُ مالي يَومَ مُفتَقَرِي◆وَحُبُّهُ عِزُّ نَفسي عِندَ مُهتَضَمِي
  387. 387
    وَهَبتُ نَفسِي لَهُ حُبّا وَتَكرِمَة◆فَهَل تَراني بَلَغتُ السُّؤلَ مِن سَلَمي
  388. 388
    إِنِّي وَإِن مالَ بي دَهري وَبَرَّحَ بي◆ضَيمٌ أَشاطَ عَلى جَمرِ النَّوى أَدَمي
  389. 389
    لثابِتُ العَهدِ لَم يَحلُل قُوى أَمَلِي◆يَأسٌ وَلَم تَخطُ بِي في سَلوَةٍ قَدَمي
  390. 390
    لَم يَترُكِ الدَّهرُ لي ما أَستَعِينُ بِهِ◆عَلى التَّجَمُّلِ إِلّا ساعِدي وَفَمِي
  391. 391
    هَذا يُحَبِّرُ مَدحي في الرَّسولِ وَذا◆يَتلُو عَلى الناسِ ما أُوحيهِ مِن كَلِمِي
  392. 392
    يا سَيِّدَ الكَونِ عَفواً إِن أَثِمتُ فَلي◆بِحُبِّكُم صِلَةٌ تُغنِي عَنِ الرَّحِمِ
  393. 393
    كَفى بِسَلمانَ لِي فَخراً إِذا انتَسَبَت◆نَفسي لَكُم مِثلَهُ في زُمرَةِ الحَشَمِ
  394. 394
    وَحسنُ ظَنِّي بِكُم إِن مُتُّ يَكلَؤُني◆مِن هَولِ ما أَتَّقي فِي ظُلمَةِ الرَّجَمِ
  395. 395
    تَاللَّهِ ما عاقَني عَن حَيِّكُم شَجَنٌ◆لَكِنَّنِي مُوثَقٌ في رِبقَةِ السَّلَمِ
  396. 396
    فَهَل إِلى زَورَةٍ يَحيا الفُؤادُ بِها◆ذَرِيعَةٌ أَبتَغيها قَبلَ مُختَرَمِي
  397. 397
    شَكَوتُ بَثِّي إِلى رَبِّي لِيُنصِفَني◆مِن كُلِّ باغٍ عَتِيدِ الجَورِ أَوهكمِ
  398. 398
    وَكَيفَ أَرهَبُ حَيفا وَهوَ مُنتَقِمٌ◆يَهابُهُ كُلُّ جَبّارٍ وَمُنتَقِمِ
  399. 399
    لا غَروَ إِن نِلتُ ما أَمَّلتُ مِنهُ فَقَد◆أَنزَلتُ مُعظَمَ آمالي بِذي كَرَمِ
  400. 400
    يا مالِكَ المُلكِ هَب لِي مِنكَ مَغفِرَةً◆تَمحُو ذُنُوبي غَداةَ الخَوفِ وَالنَّدَمِ
  401. 401
    وَاِمنُن عَلَيَّ بِلُطفٍ مِنكَ يَعصِمُني◆زَيغَ النُّهى يَومَ أَخذِ المَوتِ بِالكَظَمِ
  402. 402
    لَم أَدعُ غَيرَكَ فِيما نابَني فَقِني◆شَرَّ العَواقِبِ وَاِحفَظنِي مِنَ التُّهَمِ
  403. 403
    حاشا لِراجيكَ أَن يَخشى العِثارَ وَما◆بَعدَ الرَّجاءِ سِوى التَّوفيقِ لِلسَّلَمِ
  404. 404
    وَكَيفَ أَخشى ضَلالاً بَعدَما سَلَكَت◆نَفسِي بِنُورِ الهُدى في مَسلَكٍ قِيَمِ
  405. 405
    وَلِي بِحُبِّ رَسُولِ اللَّهِ مَنزِلَةٌ◆أَرجُو بِها الصَّفحَ يَومَ الدِّينِ عَن جُرُمِي
  406. 406
    لا أَدَّعي عِصمَةً لَكِن يَدِي عَلِقَت◆بِسَيِّدٍ مَن يَرِد مَرعاتَهُ يَسُمِ
  407. 407
    خَدَمتُهُ بِمَديحي فَاِعتَلَوتُ عَلى◆هامِ السِّماكِ وَصارَ السَّعدُ مِن خَدَمِي
  408. 408
    وَكَيفَ أَرهَبُ ضَيماً بَعدَ خِدمَتِهِ◆وَخادِمُ السَّادَةِ الأَجوادِ لَم يُضَمِ
  409. 409
    أَم كَيفَ يَخذُلُنِي مِن بَعدِ تَسمِيَتِي◆بِاسمٍ لَهُ في سَماءِ العَرشِ مُحتَرَمِ
  410. 410
    أَبكانِيَ الدَّهرُ حَتّى إِذ لَجِئتُ بِهِ◆حَنا عَلَيَّ وَأَبدى ثَغرَ مُبتَسِمِ
  411. 411
    فَهوَ الَّذي يَمنَحُ العافِينَ ما سَأَلُوا◆فَضلاً وَيَشفَعُ يَومَ الدِّينِ في الأُمَمِ
  412. 412
    نُورٌ لِمُقتَبِسٍ ذُخرٌ لِمُلتَمِسٍ◆حِرزٌ لِمُبتَئِسٍ كَهفٌ لِمُعتَصِمِ
  413. 413
    بَثَّ الرَّدى وَالنَّدى شَطرَينِ فَاِنبَعَثا◆فِيمَن غَوى وَهَدى بِالبُؤسِ وَالنِّعَمِ
  414. 414
    فَالكُفرُ مِن بَأسِهِ المَشهورِ في حَرَبٍ◆وَالدِّينُ مِن عَدلِهِ المَأثُورِ في حَرَمِ
  415. 415
    هَذا ثَنائِي وَإِن قَصَّرتُ فيهِ فَلي◆عُذرٌ وَأَينَ السُّها مِن كَفِّ مُستَلِمِ
  416. 416
    هَيهاتَ أَبلُغُ بِالأَشعارِ مدَحتَهُ◆وَإِن سَلَكتُ سَبيلَ القالَةِ القُدُمِ
  417. 417
    ماذا عَسى أَن يَقُولَ المادِحُونَ وَقَد◆أَثنى عَلَيهِ بِفَضلٍ مُنزلُ الكَلِمِ
  418. 418
    فَهاكَها يا رَسُولَ اللَّهِ زاهِرَةً◆تُهدِي إِلى النَّفسِ رَيّا الآسِ وَالبَرَمِ
  419. 419
    وَسمتُها بِاسمِكَ العَالي فَأَلبَسنَها◆ثَوباً مِنَ الفَخرِ لا يَبلى عَلى القِدَمِ
  420. 420
    غَرِيبَةٌ في إِسارِ البَينِ لَو أَنِسَت◆بِنَظرَةٍ مِنكَ لاستغنَت عَنِ النَّسَمِ
  421. 421
    لَم أَلتَزِم نَظمَ حَبّاتِ البَديعِ بِها◆إِذ كانَ صَوغُ المَعانِي الغُرِّ مُلتَزمِي
  422. 422
    وَإِنَّما هِيَ أَبياتٌ رَجَوتُ بِها◆نَيلَ المُنى يَومَ تَحيا بَذَّةُ الرِّمَمِ
  423. 423
    نَثَرتُ فِيها فَرِيدَ المَدحِ فَاِنتَظَمَت◆أَحسِن بِمُنتَثِرٍ مِنها وَمُنتَظِمِ
  424. 424
    صَدَّرتُها بِنَسِيبٍ شَفَّ باطِنُهُ◆عَن عِفَّةٍ لَم يَشِنها قَولُ مُتَّهِمِ
  425. 425
    لَم أَتَّخِذهُ جُزافاً بَل سَلَكتُ بِهِ◆فِي القَولِ مَسلَكَ أَقوامٍ ذَوي قَدَمِ
  426. 426
    تابَعتُ كَعباً وَحَسّاناً وَلِي بِهِما◆في القَولِ أُسوَةُ بَرٍّ غَيرِ مُتَّهَمِ
  427. 427
    وَالشِّعرُ مَعرَضُ أَلبابٍ يُروجُ بِهِ◆ما نَمَّقَتهُ يَدُ الآدابِ وَالحِكَمِ
  428. 428
    فَلا يَلُمنِي عَلى التَّشبِيبِ ذُو عَنَتٍ◆فَبُلبُلُ الرَّوضِ مَطبُوعٌ عَلَى النَّغَمِ
  429. 429
    وَلَيسَ لِي رَوضَةٌ أَلهُو بِزَهرَتِها◆في مَعرَضِ القَولِ إِلّا رَوضَةُ الحَرَمِ
  430. 430
    فَهيَ الَّتِي تَيَّمَت قَلبي وَهِمتُ بِها◆وَجداً وَإِن كُنتُ عَفَّ النَّفسِ لَم أَهِمِ
  431. 431
    مَعاهِدٌ نَقَشَت في وَجنَتيَّ لَها◆أَيدِي الهَوى أَسطُراً مِن عَبرَتِي بِدَمِ
  432. 432
    يا حادِيَ العِيسِ إِن بَلَّغتَني أَمَلي◆مِن قَصدِهِ فَاِقتَرِح ما شِئتَ وَاِحتَكِمِ
  433. 433
    سِر بِالمَطايا وَلا تَرفَق فَلَيسَ فَتىً◆أَولى بِهَذا السُّرى مِن سائِقٍ حُطَمِ
  434. 434
    وَلا تَخَف ضَلَّةً وَاِنظُر فَسَوفَ تَرى◆نُوراً يُريكَ مَدَبَّ الذَّرِ فِي الأَكَمِ
  435. 435
    وَكَيفَ يَخشى ضَلالاً مَن يَؤُمُّ حِمى◆مُحَمَّدٍ وَهوَ مِشكاةٌ عَلَى عَلَمِ
  436. 436
    هَذِي مُنايَ وَحَسبي أَن أَفوزَ بِها◆بِنِعمَةِ اللَّهِ قَبلَ الشَّيبِ وَالهَرَمِ
  437. 437
    وَمَن يَكُن راجِياً مَولاهُ نالَ بِهِ◆ما لَم يَنَلهُ بِفَضلِ الجِدِّ وَالهِمَمِ
  438. 438
    فاسجُد لَهُ وَاِقترِب تَبلُغ بِطاعَتِهِ◆ما شِئتَ في الدَّهرِ مِن جاهٍ وَمِن عِظَمِ
  439. 439
    هَوَ المَليكُ الَّذي ذَلَّت لِعِزَّتِهِ◆أَهلُ المَصانِعِ مِن عادٍ وَمِن إِرَمِ
  440. 440
    يُحيي البَرايا إِذا حانَ المَعادُ كَما◆يُحيي النَّباتَ بِشُؤبوبٍ مِنَ الدِّيَمِ
  441. 441
    يا غافِرَ الذَّنبِ وَالأَلبابُ حائِرَةٌ◆في الحَشرِ وَالنارُ تَرمي الجَوَّ بِالضَّرَمِ
  442. 442
    حاشا لِفَضلِكَ وَهوَ المُستَعاذُ بِهِ◆أَن لا تَمُنَّ عَلى ذِي خَلَّةٍ عَدِمِ
  443. 443
    إِنّي لَمُستَشفِعٌ بِالمُصطَفى وَكَفى◆بِهِ شَفِيعاً لَدى الأَهوالِ وَالقُحَمِ
  444. 444
    فَاقبَل رَجائِي فَمالي مَن أَلوذُ بِهِ◆سِواكَ في كُلِّ ما أَخشاهُ مِن فَقَمِ
  445. 445
    وَصَلِّ رَبِّ عَلى المُختارِ ما طَلَعَت◆شَمسُ النَّهارِ وَلاحَت أَنجُمُ الظُّلَمِ
  446. 446
    وَالآلِ وَالصَّحبِ وَالأَنصارِ مَن تَبِعُوا◆هُداهُ وَاِعتَرَفوا بِالعَهدِ وَالذِّمَمِ
  447. 447
    وَامنُن عَلى عَبدِكَ العانِي بِمَغفِرَةٍ◆تَمحُو خَطاياهُ في بَدءٍ وَمُختَتَمِ