ينقب عن دولة نائمة

محمود درويش

95 verses

Era:
العصر الحديث
Dedication

هنا، عند مُنْحَدَراتِ التلالِ، أمام الغروبِ وفُوَّهَة الوقت،

  1. 1
    قُرْبَ بساتينَ مقطوعةِ الظلِّ،نفعلُ ما يفعلُ السجناءُ،
  2. 2
    نُرَبِّي الأمَلْ.بلادٌ علي أُهْبَةِ الفجر. صرنا أَقلَّ ذكاءً،
  3. 3
    أَنَّا نُحَمْلِقُ في ساعة النصر:هنا، بعد أَشعار أَيّوبَ لم ننتظر أَحداً
  4. 4
    أَلسماءُ رصاصيّةٌ في الضُحىهنا، لا أَنا
  5. 5
    يقولُ على حافَّة الموت:حُرٌّ أَنا قرب حريتي. وغدي في يدي.
  6. 6
    سوف أَدخُلُ عمَّا قليلٍ حياتي،وأختارُ لاسمي حروفاً من اللازوردْ
  7. 7
    بين تذكُّرِ أَوَّلها.ونسيانِ آخرِها.
  8. 8
    هنا، عند مُرْتَفَعات الدُخان، على دَرَج البيت،لا وَقْتَ للوقت.
  9. 9
    نفعلُ ما يفعلُ الصاعدون إلى الله:هُوَ: أن لا تعلِّق سيِّدةُ البيت حَبْلَ الغسيل
  10. 10
    لا صدىً هوميريٌّ لشيءٍ هنا.لا صدىً هوميريّ لشيء. هنا جنرالٌ
  11. 11
    يُنَقِّبُ عن دَوْلَةٍ نائمةْيقيسُ الجنودُ المسافةَ بين الوجود وبين العَدَمْ
  12. 12
    بمنظار دبّابةٍنقيسُ المسافَةَ ما بين أَجسادنا والقذائفِ بالحاسّة السادسةْ.
  13. 13
    أَيُّها الواقفون على العَتَبات ادخُلُوا،فقد تشعرون بأنكمُ بَشَرٌ مثلنا.
  14. 14
    أَيها الواقفون على عتبات البيوت!نطمئنَّ إلى أَننا
  15. 15
    أُفكِّر، من دون جدوى:بماذا يُفَكِّر مَنْ هُوَ مثلي، هُنَاكَ
  16. 16
    على قمَّة التلّ، منذ ثلاثةِ آلافِ عامٍ،وتنتعشُ الذاكرةْ
  17. 17
    بيضاءَ بيضاءَ، تغسِلُ خَدَّ السماءبأجنحةٍ حُرَّةٍ، تستعيدُ البهاءَ وملكيَّةَ
  18. 18
    الجوِّ واللَهْو. أَعلى وأَعلى تطيرُحقيقيّةٌ قال لي رَجَلٌ عابرٌ بين قنبلتين
  19. 19
    قَيْدَ التَشَابُهِعمَّا قليلٍ سأعرفُ إن كان هذا
  20. 20
    أوَ يعرفُ الأصدقاءُ الحميمون أنَّ القصيدةَمَرَّتْ، وأَوْدَتْ بشاعرها
  21. 21
    إلي ناقدٍ: لا تُفسِّر كلامييحاصرني في المنامِ كلامي
  22. 22
    ويكتبني ثم يتركني باحثاً عن بقايا مناميشَجَرُ السرو، خلف الجنود، مآذنُ تحمي
  23. 23
    السماءَ من الانحدار. وخلف سياج الحديدجنودٌ يبولون ـ تحت حراسة دبَّابة ـ
  24. 24
    والنهارُ الخريفيُّ يُكْملُ نُزْهَتَهُ الذهبيَّةَ فيشارعٍ واسعٍ كالكنيسةِ بعد صلاة الأَحد
  25. 25
    نحبُّ الحياةَ غداًعندما يَصِلُ الغَدُ سوف نحبُّ الحياة
  26. 26
    كما هي، عاديّةً ماكرةْرماديّة أَو مُلوَّنةً.. لا قيامةَ فيها ولا آخِرَةْ
  27. 27
    وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍخفيفاً على القلب والخاصرةْ
  28. 28
    فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُمن فَرَحٍ .. مَرَّتَينْ!
  29. 29
    لم يَبْقَ لي عَمَلٌ في اللٌّغَةْإلي قاتلٍ: لو تأمَّلْتَ وَجْهَ الضحيّةْ
  30. 30
    وفكَّرتَ، كُنْتَ تذكَّرْتَ أُمَّك في غُرْفَةِالغازِ، كُنْتَ تحرَّرتَ من حكمة البندقيَّةْ
  31. 31
    وغيَّرتَ رأيك: ما هكذا تُسْتَعادُ الهُويَّةْإلى قاتلٍ آخر: لو تَرَكْتَ الجنينَ ثلاثين يوماً،
  32. 32
    إِذَاً لتغيَّرتِ الاحتمالاتُ:قد ينتهي الاحتلالُ ولا يتذكَّرُ ذاك الرضيعُ زمانَ الحصار،
  33. 33
    فيكبرُ طفلاً معافي،تارِيخَ آسيا القديمَ.
  34. 34
    وقد يقعان معاً في شِباك الغرام.وقد يُنْجبان اُبنةً (وتكونُ يهوديَّةً بالولادةِ).
  35. 35
    ماذا فَعَلْتَ إذاً ؟صارت ابنتُكَ الآن أَرملةً،
  36. 36
    والحفيدةُ صارت يتيمةْ ؟وكيف أَصَبْتَ ثلاثَ حمائمَ بالطلقة الواحدةْ ؟
  37. 37
    ضَرُوريَّةً، لا لضْبطِ النَغَمْتقشِّرُهُ البرتقالةُ والمرأةُ الواعدة.
  38. 38
    هُوَ الانتظارُ على سُلَّمٍ مائلٍ وَسَطَ العاصفةْوَحيدونَ، نحن وحيدون حتى الثُمالةِ
  39. 39
    لنا أخوةٌ خلفَ هذا المدى.أخوةٌ طيّبون. يُحبُّوننا. ينظرون إلينا ويبكون.
  40. 40
    ثم يقولون في سرِّهم:ليت هذا الحصارَ هنا علنيٌّ.. ولا يكملون العبارةَ:
  41. 41
    لا تتركونا وحيدين، لا تتركونا.خسائرُنا: من شهيدين حتى ثمانيةٍ كُلَّ يومٍ.
  42. 42
    وعَشْرَةُ جرحى.وعشرون بيتاً.
  43. 43
    وخمسون زيتونةبالإضافة للخَلَل البُنْيويّ الذي
  44. 44
    سيصيب القصيدةَ والمسرحيَّةَ واللوحة الناقصةْفي الطريق المُضَاء بقنديل منفي
  45. 45
    أَرى خيمةً في مهبِّ الجهاتْ:الجنوبُ عَصِيٌّ على الريح،
  46. 46
    والغربُ هُدْنَةُ قتلي يَسُكُّون نَقْدَ السلام،وأَمَّا الشمالُ، الشمال البعيد
  47. 47
    إنه مَجْمَعُ الآلهةْقالت امرأة للسحابة: غطِّي حبيبي
  48. 48
    فإنَّ ثيابي مُبَلَّلةٌ بدَمِهْمُشْبَعاً بالخُصُوبةِ، كُنْ شَجَرا
  49. 49
    مُشْبعاً بالرُطُوبةِ، كُنْ حَجَرافي منام الحبيبة، كُنْ قَمرا
  50. 50
    هكذا قالت امرأةٌلابنها في جنازته
  51. 51
    أيَّها الساهرون ! أَلم تتعبوامن مُرَاقبةِ الضوءِ في ملحنا
  52. 52
    ومن وَهَج الوَرْدِ في جُرْحناأَلم تتعبوا أَيُّها الساهرون ؟
  53. 53
    واقفون هنا. قاعدون هنا. دائمون هنا. خالدون هنا.ولنا هدف واحدٌ واحدٌ واحدٌ: أن نكون.
  54. 54
    ومن بعده نحن مُخْتَلِفُونَ على كُلِّ شيء:على صُورة العَلَم الوطنيّ (ستُحْسِنُ صُنْعاً لو اخترتَ يا شعبيَ الحيَّ رَمْزَ الحمار البسيط).
  55. 55
    ومختلفون علي كلمات النشيد الجديد(ستُحْسِنُ صُنْعاً لو اخترتَ أُغنيَّةً عن زواج الحمام).
  56. 56
    ومختلفون علي واجبات النساء(ستُحْسِنُ صُنْعاً لو اخْتَرْتَ سيّدةً لرئاسة أَجهزة الأمنِ).
  57. 57
    مختلفون على النسبة المئوية، والعامّ والخاص،مختلفون على كل شيء. لنا هدف واحد: أَن نكون
  58. 58
    ومن بعده يجدُ الفَرْدُ مُتّسعاً لاختيار الهدفْ.عندما أَتحرّرُ أَعرفُ أنَّ مديحَ الوطنْ
  59. 59
    مِهْنَةٌ مثل باقي المِهَنْ !قَليلٌ من المُطْلَق الأزرقِ اللا نهائيِّ
  60. 60
    وتنظيف حَمأةِ هذا المكانعلى الروح أَن تترجَّلْ
  61. 61
    وتمشي على قَدَمَيْها الحريريّتينِقديمين يقتسمانِ الرغيفَ القديم
  62. 62
    ثم تذهب أَيَّامُنا في اتجاهَيْنِ مُخْتَلِفَينْ:أَنا ما وراءَ الطبيعةِ. أَمَّا هِيَ
  63. 63
    فتختار أَن تجلس القرفصاء على صخرة عاليةْإلى شاعرٍ: كُلَّما غابَ عنك الغيابْ
  64. 64
    تورَّطتَ في عُزْلَة الآلهةْفكن ذاتَ موضوعك التائهةْ
  65. 65
    و موضوع ذاتكَ. كُنْ حاضراً في الغيابْيَجِدُ الوقتَ للسُخْرِيَةْ:
  66. 66
    هاتفي لا يرنُّولا جَرَسُ الباب أيضاً يرنُّ
  67. 67
    فكيف تيقَّنتِ من أَننيلم أكن ههنا !
  68. 68
    في انتظارِكِ، لا أستطيعُ انتظارَكِ.ولا الاستماعَ إلى أُمِّ كلثوم أَو ماريّا كالاس وغيرهما.
  69. 69
    في انتظارك تمشي العقاربُ في ساعةِ اليد نحو اليسارإلي زَمَنٍ لا مكانَ لَهُ.
  70. 70
    في انتظارك لم أنتظرك، انتظرتُ الأزَلْ.يَقُولُ لها: أَيّ زهرٍ تُحبِّينَهُ
  71. 71
    فتقولُ: القُرُنْفُلُ .. أَسودْيقول: إلى أَين تمضين بي، والقرنفل أَسودْ ؟
  72. 72
    وتقولُ: وأَبْعَدَ … أَبْعدَ … أَبْعَدْسيمتدُّ هذا الحصار إلى أَن يُحِسَّ المحاصِرُ، مثل المُحَاصَر،
  73. 73
    صِفَةٌ من صفات البشرْ.لا أُحبُّكَ، لا أكرهُكْ ـ
  74. 74
    قال مُعْتَقَلٌ للمحقّق: قلبي مليءبما ليس يَعْنيك. قلبي يفيض برائحة المَرْيَميّةِ.
  75. 75
    قلبي بريء مضيء مليء،ولا وقت في القلب للامتحان. بلى،
  76. 76
    لا أُحبُّكَ. مَنْ أَنت حتَّى أُحبَّك؟هل أَنت بعضُ أَنايَ، وموعدُ شاي،
  77. 77
    وبُحَّة ناي، وأُغنيّةٌ كي أُحبَّك؟لكنني أكرهُ الاعتقالَ ولا أَكرهُكْ
  78. 78
    هكذا قال مُعْتَقَلٌ للمحقّقِ: عاطفتي لا تَخُصُّكَ.عاطفتي هي ليلي الخُصُوصيُّ
  79. 79
    ليلي الذي يتحرَّكُ بين الوسائد حُرّاً من الوزن والقافيةْ !جَلَسْنَا بعيدينَ عن مصائرنا كطيورٍ
  80. 80
    تؤثِّثُ أَعشاشها في ثُقُوب التماثيل،أَو في المداخن، أو في الخيام التي
  81. 81
    نُصِبَتْ في طريق الأمير إلي رحلة الصَيّدْعلى طَلَلي ينبتُ الظلُّ أَخضرَ،
  82. 82
    والذئبُ يغفو علي شَعْر شاتيويحلُمُ مثلي، ومثلَ الملاكْ
  83. 83
    بأنَّ الحياةَ هنا … لا هناكْرُبَّما مَسَّها خَلَلٌ طارئٌ
  84. 84
    فأصيبَ الخياليُّ بالواقعيِّ،ولكنها لا تغيِّرُ حبكتها.
  85. 85
    عدَّلَتْهُ بجرَّافةٍ.فالحقيقةُ جاريةُ النصِّ، حَسْناءُ،
  86. 86
    بيضاءُ من غير سوءإلى شبهِ مستشرقٍ: ليكُنْ ما تَظُنُّ.
  87. 87
    لنَفْتَرِضِ الآن أَني غبيٌّ، غبيٌّ، غبيٌّ.ولا أَلعبُ الجولف.
  88. 88
    ولا أَستطيعُ قيادةَ طيّارةٍ!لو كُنْتَ غيرَكَ، لو كنتُ غيري،
  89. 89
    لكُنَّا صديقين يعترفان بحاجتنا للغباء.أَما للغبيّ، كما لليهوديّ في تاجرِ البُنْدُقيَّة
  90. 90
    قلبٌ، وخبزٌ، وعينان تغرورقان؟في الحصار، يصير المكانُ زماناً
  91. 91
    تخلَّف عن أَمسه وَغدِهْأَو مُقَدَّسَةٌ، زانيةْ
  92. 92
    لا نُبالي كثيراً بسحر الصفاتفقد يُصْبِحُ الفرجُ، فَرْجُ السماواتِ،
  93. 93
    أَلشهيدُ يُحاصرُني كُلَّما عِشْتُ يوماً جديداًويسألني: أَين كُنْت ؟ أَعِدْ للقواميس كُلَّ الكلام الذي كُنْتَ أَهْدَيْتَنِيه،
  94. 94
    وخفِّفْ عن النائمين طنين الصدىالشهيدُ يُعَلِّمني: لا جماليَّ خارجَ حريتي.
  95. 95
    الشهيدُ يُوَضِّحُ لي: لم أفتِّشْ وراء المدىعن عذارى الخلود، فإني أُحبُّ الحياةَ .